بعد ما ورثت بيت حكايات روماني مكرم 1

بعد ما ورثت بيت أبويا جوزى لاخته

قال لي جوزي وعينيه فيها جبروت: “هتبيعي بيت أبوكي لأختي برخص التراب ورجلك فوق رقبتك”. ولما هددني وقال لي: “هرميكي في الشارع من غير مليم ولا قطة تِسمع عياطك”، عملت نفسي غلبانة وسلمت الله… وبدأت من وراهم أطبخ طبخة ومفاجأة عمر عيلته ما كانت تتخيلها أبدًا.

— قدامك حل من اتنين.. يا تمضي على تنازل البيت لـ **”شيرين”** بأربعة مليون ونص، يا إما هتصحي الصبح تلاقي نفسك من غير راجل، ومن غير مليم، وهدومك مِرمية على الرصيف.

**طارق** قال الكلمتين دول قدام أمه وأخته، بكل برود وهدوء. البرود ده خلع قلبي وخوفني أكتر من أي زعيق وعصبية. احنا متجوزين من سبع سنين، كنت شايلة معاه البيت بالنص، ووقفت جنبه وبعت دهبي عشان يفتح مكتب المحاسبة بتاعه. شيلت حماتي **”الحاجة إجلال”** في عينيا وهي عيانة وعملت العملية، وسلفت أخته **”شيرين”** فلوس لما كانت مهددة تطرد من شقتها الإيجار عشان مأخرة الإيجار. وبعد كل ده، بيتكلم معايا كأني حشرة واقفة في طريقه!

### بيت الغالي.. ولقمة الجمعة المسمومة

البيت كان في حي المعادي، حتة تترد فيها الروح قريبة من النيل. مش قصر، بس بيت دافي حيطانه حجر، وشبابيكه عالية، وفي حوش صغير تظلله شجرة ليمون زرعها أبويا بإيده يوم ما استلمنا العقد.

أبويا وأمي، “هشام” و”ليلى”، شقيوا واشتروا البيت ده عشان يلتّوا ويعجنوا فيه ومحتجش لحد من بعدهم. ماتوا هما الاتنين في حادثة قطر هما وراجعين من الإسكندرية، ومن يومها والبيت ده هو حضني والملجأ الوحيد ليا. في المطبخ لسه حلل أمي، وفي المكتب قلم أبويا السيراميك اللي مضى بيه عقد الملكية. بيع البيت ده كان معناه إني بدفنهم بإيدي تاني مرة.

أما بالنسبة لعيلة **طارق**.. البيت ده كان “الفرخة اللي بتبيض دهب” وعايزين يدبحوها.

الموضوع بدأ كله في غدوة يوم جمعة. كنت عاملة محاشي وبط بمناسبة عيد ميلاد حماتي **”الحاجة إجلال”**. كانت بتلف بعينيها في الصالة وتقول بلؤم:

— مش حرام ولا عقلاني ست لوحدها تقعد في بيت يشيل عيلة كاملة؟ **شيرين** وعيالها مزنوقين في شقة أوضتين وصالة، وهنا أوض مقفولة التراب واكلها.

**شيرين** لقطت الخيط وعملت نفسها صعبانة على الكافر:

— أنا مش بطمع في حاجة يا طنط.. بس عيالي من حقهم يشموا الهوا في وسع. وفي الأول والآخر البيت هيفضل في العيلة ومش هيروح لغريب.

كنت مستنية **طارق** يربط على كتفي أو يرد، لقيت كلامه زي السم:

— وماله.. ممكن نوصّل لحل يرضي الكل، **شيرين** تدفع قرشين رمزيين والكل يستفاد.

برقت عيني وقلت:

— رمزي؟ في بيت أبويا وأمي؟!

**الحاجة إجلال** ضحكت باستهزاء وقالت:

— أبوكي وأمي شبعوا موت يا حبيبتي، والتمسك بالحيطان مش هيصحيهم من تربهم.

الكلمة دبحتي، بس اللي كسر ضهري إن **طارق** هز رأسه بالموافقة!

### المؤامرة والتهديد الأخير

من بعد اليوم ده، والضغط شغال الله ينور. تلميحات تزهق، وتليفونات من محامين وموثقين معرفهومش، وإصرار إني أمضي على “ورقة عائلية” وتمليس على الكلام من غير ما يخلوني أقرا سطر واحد.

وفي يوم، كنت بنضف ولقيت على برنتر المكتب مسودة عقد بيع. البيت اللي يسوى في السوق مش أقل من 18 مليون جنيه، مكتوب إنه متباع لـ **شيرين** بـ 4.5 مليون بس! ومش كده وبس، المقدم هيتسحب من حسابنا المشترك في البنك! يعني ولاد الهرمة عايزين يدفعوا لي تمن بيتي من شقايا وتحويشتي أنا وجوزي!

أخدت نسخة من الورقة في سكات وشيلتها.

الجمعة اللي بعدها جوم كلهم شاحنين نفسهم. **طارق** قفل باب المكتب وحط الملف قدامي بغل:

— خلاص، الكلام خلص.. امضي هنا يا **أسماء**.

— مش همضي يا **طارق**.

وشه اتقلب وبان وشه التاني:

— وعهد الله لو ممضيتيش لأطلقك النهاردة، وأسحب كل المليمات اللي في البنك، وهروح أقول لطوب الأرض إنك اتهبلتي وطلعت ليكي لواءات بعد موت أبوكي وأمك. همرمطك في المحاكم وأخليكي تلفي كعب داير لحد ما تيجي تبوسي رجلي عشان أمضي لك.

**الحاجة إجلال** رفعت إيديها لفوق وقالت بلؤم:

— الست الأصيلة هي اللي تشتري أهل جوزها يا بنتي.

أما **شيرين** فكانت بتبص للصالون وبتقسمه في خيالها:

— متقلقيش يا **أسماء**، هسيب لك كام حتة عفش من بتوع مامتك عشان متقوليش إني طماعة.

**طارق** خبط على المكتب بإيده بكل عزم ما فيه وزعق:

— امضي وإلا قسمًا بالله هرميكي الكلاب تاكلك في الشارع!

### اللعبة الكبيرة وبداية الانتقام

حسيت برعشة وسكتت، بس الخوف اتقلب في ثانية لبرود وتخطيط. طأطأت رأسي وعملت نفسي مكسورة ودموعي نازلة:

— خلاص.. اللي تشوفوه. بس أدوني أسبوع واحد ألم فيه هدوم أبويا وأمي وحاجتهم الغالية.. ونتقابل الجمعة الجاية وأمضي لكم.

كلهم وشهم نور وابتسموا ابتسامة النصر المزيف، وافتكروا إنهم كسروني.

بالليل، دخلت مكتب أبويا، وفتحت الخزنة الحديد الصغيرة اللي كان مخبيها ورا كتب القانون بتاعته. لقيت كارت محامي قديم ورسالة بخط إيد أبويا الناشفة: *”لو في يوم حد فكر يستقوى عليكي ويآكل حقك يا **أسماء**، روحي للراجل ده.. ده سندي”.*

مسكت التليفون وطلبت الرقم فورًا، وجالي صوته الرزين:

— **الأستاذ رفعت** المحامي معاكي يا بنتي.. أؤمري.

قلت له بنبرة كلها تداير وذكاء:

— سيادة المستشار.. أنا عايزة أبان قدامهم إني ببيع ومستسلمة على الآخر.. عايزة يحسوا إنهم غفلوني وكسبوا الماتش.

الخط سكت لثواني، وبعدين ضحك ضحكة فيها خبرة سنين وقال:

#الكاتب_رومانى_مكرم

— يعني إنتي مش عايزة تبيعي.. إنتي بتخططي لـ “خروج آمن” وبتربي عيل؟

وقفت بصلابة وقلت:

— أنا عايزة أربيهم وأعلمهم الأدب.. وعايزة حقي تالت ومتلت.

لما قال لي: “تجيلي بكرة الصبح بدري في المكتب ومعاكي أصول العقود كلها من غير ما حد يحس”، عرفت ساعتها إن العلبة دي دخلت عش دبابير، وإن الأسبوع الجاي هيشوفوا مفاجأة هتخليهم يكلموا نفسهم في الشوارع!

يا ترى إيه اللي هيحصل الجمعة الجاية؟ والمفاجأة هتقلب الترابيزة على مين؟”

### الجزء الثاني: فخ “المعادي” وشربات الفرح المسموم

خرجت من مكتب المستشار رفعت في اليوم التالي والمسودة البديلة في حقيبتي، وخطواتي ثابتة على رصيف شارع قصر النيل كأنني أملك الدنيا. طوال الأسبوع، كنت أرتدي قناع الزوجة المكسورة والمستسلمة تمامًا. كنت أطبخ لطارق ما يحب، وأتحمل نظرات النصر والشماتة في عينيه وهو يتابع تحركاتي. كان يتصل بشقيقته “شيرين” أمامي ويقول لها باستهزاء:

— جهزي نفسك يا شيري، يوم الجمعة البيت هيبقى ملكك، و”الست هانم” وافقت وبتبكي على الأطلال.

في مساء الأربعاء، طلب مني طارق أن نذهب معًا إلى البنك لسحب مبلغ الأربعة ملايين ونصف من حسابنا المشترك ليوضع في حساب شيرين، حتى يكتمل المشهد السينمائي ويظهر العقد وكأنه مدفوع الثمن بالكامل. وافقت وهززت رأسي بقلة حيلة، وقبل أن نتحرك، أرسلت رسالة نصية مشفرة للمستشار رفعت: *(تمت الخطوة الأولى).*

جاء يوم الجمعة المنتظر. امتلأ صالون بيت والدي برائحة البخور التي أطلقتها “الحاجة إجلال” لـ “طرد الحسد” من البيت الجديد الذي شارفوا على سرقته. حضر محامٍ غريب أحضره طارق ومعه الدفاتر والأوراق، وجلست شيرين وعلى وجهها ابتسامة عريضة تكاد تصل لأذنيها، بينما كان زوجها يفرك يديه طمعًا.

وضع طارق العقود أمامي، وقال بنبرة آمرة حاسمة:

— يلا يا أسماء، المحامي جهز كل حاجة، والفلوس اتحولت لحساب شيرين خلاص قانونيًا كـ “ثمن البيت”. امضي هنا كبائعة، وشيرين هتمضي كمشترية.

نظرت إلى الأوراق، وتظاهرت بأن دموعي تغلغلني، ومسكت القلم بمرونة وثبات، ووقعت على النسخ الثلاث للعقد، وبصمت بإبهامي كما طلب المحامي. في تلك اللحظة، زغردت الحاجة إجلال بصوتٍ عالٍ رجّ أركان البيت، وقامت شيرين واحتضنت شقيقها طارق وهي تقول: “ربنا يخليك ليا يا سند الصاعق بالحق!”.

التفت إليّ طارق وعيناه تقطران قسوة وسخرية، وقال وهو يضع العقود في حقيبته:

— ودلوقتي يا أسماء.. تقدري تلمي هدومك في شنطتين بالظبط. البيت ده مبقاش بيتك، وأنا ورقة طلاقك هتوصلك على بيت أي حد من قرايبك، لأن الست اللي تقف في طريق مصلحة أهل جوزها ملهاش مكان في حياتي.

لم أبكِ، ولم تدمع عيني. وقفت بكل برود، وعدلت من هندام عباءتي السوداء، ونظرت إلى ساعة الحائط التي كانت تشير إلى الخامسة مساءً. وفي تلك اللحظة تحديدًا، رن جرس الباب الخارجي ثلاث رنات متتالية.

فتحت الباب، ليدخل المستشار رفعت وبصحبته معاون قضائي واثنان من رجال الشرطة بلباسهم الرسمي. تحول وجه طارق إلى اللون الأصفر، ووقفت الحاجة إجلال مذهولة وهي تمسك بخرزة زرقاء في يدها.

تقدم المستشار رفعت بكل هيبة، ووضع حقيبته الجلدية على طاولة الصالون، ثم نظر إلى طارق والمحامي الذي معه وقال بصوت رخيم هز جدران المكان:

— مساء الخير يا جماعة. أنا الأستاذ رفعت، الوكيل القانوني والمفوض عن السيدة أسماء هشام. وبصفتي هذه، أقدم لكم هذا الإخطار الرسمي القضائي.

زعق طارق محاولاً استعادة توازنه:

— إخطار إيه وزفت إيه؟! مراتي باعت البيت ده لأختي خلاص والعقود معايا وممضية والفلوس اندفعت!

ابتسم المستشار رفعت ضحكة خفيفة ساخرة، وأخرج من حقيبته مستنداً رسمياً مغطى بالأختام الحكومية، وقال:

— العقود اللي مدام أسماء مضت عليها دلوقتي، ومضت عليها الأستاذة شيرين، هي عقود بيع وشراء فعلاً.. لكنها مش لبيت المعادي. مدام أسماء شالت المسودة القديمة، وحطت مسودة لعقد بيع “مكتب المحاسبة” الخاص بيك يا أستاذ طارق، بالإضافة لـ “الشقة التمليك” اللي انت كاتبها باسم والدتك الحاجة إجلال تهرباً من الضرائب والضمانات!

صعق المحامي الجالس وبدأ يقلب في الأوراق بجنون، ليصرخ: “يا نهار أسود! دي مغيره بنود العقود والأرقام والوحدات.. العقود دي بتنص على بيع ممتلكات طارق وشيرين للحاجة إجلال ومنها لأسماء!”.

لم يدعهم المستشار رفعت يستوعبوا الصدمة، بل أكمل بصرامة قضائية:

— ومش بس كده.. الأربعة مليون ونص اللي اتسحبوا من الحساب المشترك ودخلوا حساب شيرين لتسهيل عملية النصب دي، تم إثباتها بموجب محضر رسمي مسجل منذ الأمس أنها “قرض حسن طويل الأجل” بضمان شقة شيرين الإيجار ومحتوياتها، ومرفق بها شيكات بنكية بدون تاريخ وقعت عليها شيرين في معاملات سابقة لأسماء ولم تسددها.

وقفت شيرين تصرخ وتلطم خديها: “يعني إيه؟ يعني أنا مبقتش صاحبة البيت؟ والفلوس اللي دخلت حسابي دي دين عليا؟”.

أما طارق، فقد اندفع نحوي وعيناه تشعان شراراً وجنوناً، ورفع يده ليضربني وهو يصرخ: “يا بنت الـ… ضيعتيني!”.

وقبل أن تلمسني يده، تحرك ضابط الشرطة وأمسك بذراعه بقوة ولواها خلف ظهره قائلاً: “الزم حدودك يا فندي! إحنا هنا تنفيذًا لأمر قضائي بمعاينة وتمكين، وأي اعتداء هيتحول لجناية فورية”.

نظرت لطارق وعيناه مكسورتان تماماً، وقلت له بثقة وهدوء غريب:

— السبع سنين اللي ضيعتهم من عمري معاك، والدهب اللي بعتهولك، وخدمة أمك وأختك.. تمنهم غالي أوي يا طارق. وأنا مباخدش تمني برخص التراب.. أنا باخده تالت ومتلت بالقانون.

التفت المستشار رفعت إليّ وقال: “يلا يا بنتي.. الخطوة الجاية هتحرق الأخضر واليابس عندهم”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *