اهلى سلمو الثلاث بيوت 4

بصيت للشاشة المطفية.. ونبضات قلبي بدأت تضرب في وداني زي الطبول.
الموبايل في إيدي كان دافي، لكن طرافي اتجمدت كأني واقفة حافية فوق ثلج تورونتو اللي ورا الشباك.
“سرداب ڤيلا المقطم؟ سنة 1998؟”
كررت الجملة في سري وأنا بحاول أجمع أشتات عقلي المحاسبي اللي ما بيعترفش بالغيبيات ولا بتهديدات مجهولة. أنا حافظة دفاتر العيلة دي قرش بقرش.. لكن دفاتر الفلوس حاجة، ودفاتر الأسرار حاجة ثانية خالص.
سنة 1998.. السنة دي بالذات، جدي العطار اتوفى فجأة بجلطة دماغية، وفي نفس السنة أبويا أخد طفرة مالية ضخمة وبنى أول مجمع سكوني في التجمع. طول عمري فاكرة إن الفلوس دي كانت حصيلة بيع أرض القديمة بتاعة جدي في الصعيد.. لكن الرسالة دي نسخت كل اللي أعرفه في ثانية.
سحبت نفس عميق، وقررت أتعامل بنفس الهدوء اللي خربت بيه بيتهم.
فتحت الواتساب وبعت رسالة سريعة للأستاذة فريدة:
“أستاذة فريدة، وقفي أي كسر أو هدم أو معاينات داخلية في ڤيلا المقطم حالاً. المزاد يفضل شغال على الأوراق بس، لكن محدش يحط رجل جواه لحد ما أكلمك.”
ردت عليا بعد دقيقة:
“في إيه يا نادين؟ الحراسة القضائية استلمت موقع المقطم إمبارح، وفي خبراء تقييم نازلين الصبح يثمنوا الأرض والمبنى.”
كتبت لها وإيدي ثابتة:
“الصبح بدري تكوني مع الخبراء هناك بنفسك. ومش عاوزة كسر في الحوائط أو الأرضيات. عاوزة فحص بالماسح الضوئي (Scanner) للأرضيات والسرداب القديم.”
قحمت الموبايل في الشنطة، وبصيت على الساعة.. كانت 6 الصبح بتوقيت تورونتو.. يعني 12 الظهر بتوقيت القاهرة.
جمعت أموري، وخلال ساعتين كنت واخدة إجازة طارئة من شغلي، وقاعدة في الكرسي رقم 4B في طيارة مصر للطيران المتجهة للقاهرة.
طول الـ 10 ساعات طيران، الشاشة قدامي كانت مطفية، وعقلي بيشتغل زي الآلة الحاسبة. لو كان جدي خافي حاجة تحت ڤيلا المقطم، فده معناه إن أبويا كان عارف، وده السر الحقيقي اللي كان خليهم مستميتين عشان البيوت تفضل مع “حازم”.. مش عشان اسم العيلة ولا كلام العادات والتقاليد الفارغ.. هما كانوا خايفين الأملاك تخرج برة إيديهم عشان السر ما يتكشفش!
وصلت مطار القاهرة الساعة 4 الفجر.
الجو كان حار ورطب، ريحة القاهرة المميزة ضربت في مناخيري وأنا بطبق الجاكيت الثقيل على إيدي. أخدت عربية وسوقت فوراً على المقطم.
الڤيلا كانت هادية زي المقبرة.
الحديد الصدي على الباب الخارجي، والحديقة المنسية اللي الشجر فيها مات من الجفاف. الأستاذة فريدة كانت مستنياني في عربيتها قدام الباب مع مهندس مساحة ومعاه جهاز فحص أرضيات هندسي.
فريدة نزلت أول ما شافتني، وعينيها مليانة أسئلة:
“حمد الله على السلامة يا نادين.. إيه الجنان ده؟ سيبتي تورونتو ونزلتي في نفس اليوم؟”
“السر في الأرض يا فريدة,” قولتها وأنا بدخل من باب السور. “اللي هيدمرنا مش القروض ولا البنوك.. السر اللي جدي دفنه هنا.”
دخلنا الڤيلا. ريحة التراب والرطوبة كانت خناقة. الڤيلا مقفولة من سنة 2010 لما أمي وأبويا نقلوا الزمالك وسابوها مهجورة.
مشينا في الصالة الواسعة، ونزلنا السلم الرخامي الموصل للسرداب تحت الأرض.
السرداب كان عبارة عن مخزن قديم للكركبة، رفوف خشب مكسورة، وسجاد معفن من الرطوبة.
مهندس المساحة شغّل جهاز الفحص الليزري، وبدأ يمشيه على الحوائط والأرضيات الخرسانية. صوت الصفارة المنتظمة بتاعة الجهاز كانت هي الصوت الوحيد في المكان.
“هنا يا فندم..” المهندس قالها وهو بيشاور على الزاوية الشرقية تحت السلم. “الخرسانة هنا سمكها مش طبيعي.. وفي تجويف هوائي كبير ورا الجدار الصلب ده.”
فريدة بصتلي: “نكلم الحراسة يكسروا؟”
“لأ,” رديت بحسم. “هاتي الأجندة القديمة بتاعة جدي اللي كانت في مكتب المعادي.”
فتحت شنطتي وطلعت أجندة جلد سوداء متبهدلة من أيام جدي العطار.. الأجندة دي أنا أخدتها مع باقي الورق لما صفيت مكتبي، وماكنتش فاهمة الأرقام المكتوبة في آخر صفحة. أرقام حفرها جدي بإيده قبل ما يموت بيومين: “1998 – B3 – 44”.
قربت من الجدار الخرساني، وبصيت على القواعد.. كان في لوحة كهرباء قديمة ومصدية مكتوب عليها حروف بالروسي. مسكت مقبض اللوحة، ولفيته عكس اتجاه العقارب ثلاث مرات.. وضغطت على الزرار المكتوب عليه (B3).
سمعنا صوت تروس حديد بتتحرك بصعوبة ورا الجدار، وصوت احتكاك الخرسانة بالأرضية.. والجدار الخرساني اتزحزح على جنب بمقدار متر واحد!
ريحة عفونة وورق قديم مع ريحة مواد كيميائية نفدت من الفتحة.
فريدة مسكت إيدي وهي خايفة: “نادين.. بلاش ندخل.. نطلب النيابة أحسن.”
“أنا مش هسيب حد يمسك عليا حاجة يا فريدة.”
مسكت كشاف الموبايل ودخلت.
الغرفة الصغيرة ورا الجدار ماكانتش فيها دهب ولا فلوس..
كانت مليانة رفوف معدنية، وفوق كل رف ملفات زرقاء مطبوع عليها شعار: “شركة العطار للمقاولات العامة والتوريدات – 1995 حتى 1998”.
وفوق الترابيزة في النص، كان في صندوق حديدي مفتوح.. وجواه حاجة خلت دمائي تتجمد في عروقي.
جوازات سفر دبلوماسية قديمة باسم جدي وبأسماء وهمية.. دفاتر شيكات لمصارف أوفشور في الخارج.. والأنكى من ده كله: أوراق استلام شحنات كيميائية وأسمنت مغشوش استخدم في بناء 14 برج سكني في قلب القاهرة في أواخر التسعينات!
مسكت العقد الأخير وأنا إيدي بترتعش.. العقد كان فيه إقرار مسجل بصوت وصورة على أشرطة فيديو القديمة (VHS)، وشهادات وفاة لمهندسين فحصوا المباني دي ووافتهم المنية في “حوادث غامضة” سنة 1998!

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *