لو بيحبها اوي كدا

_ لو بيحبـها أوي كـده، يـنزل يجـيب فسـتانها مـن البيسيـن بنفـسه! …. قالت أخـتي شيمـاء وهي بتضـحك قدام العـيلة كـلها، والفسـتان الأبيـض بتاع خطيبتـي كـان طـافي فـوق الـميه كـأنه خـرقة مرميـة.

كنت قاعد في الريسبشن، داخل اجتماع شغل أونلاين مع عملا من إسكندرية، ولما سمعت الصرخة اتجمدت مكاني.

ما كانتش صرخة عادية.

كان صوت ياسمين.

 

وياسمين عمرها ما كانت من النوع اللي بيعلي صوته.

كانت من البنات اللي لما تتوجع، تسكت. تضغط على نفسها وتكتم دموعها علشان ما تزعجش حد. عشان كده لما سمعتها بتقول:

— إنتِ إزاي تعملي فيا كده؟

 

حسيت قلبي وقع.

قمت جري ناحية الجنينة اللي فيها البيسين.

 

لقيت العيلة كلها واقفة: أبويا، أمي، إخواتي الصغيرين، جدي وجدتي، وخالاتي اللي جايين من المنصورة، وأختي شيماء، عندها تسعتاشر سنة، واقفة جنب البيسين بابتسامة مستفزة متعودة العيلة كلها تعتبرها “خفة دم”.

 

أما ياسمين فكانت بتترعش.

وشها أحمر من القهر والإحراج، وعينيها مليانة دموع، وإيديها مقفولة على بعضها بقوة.

بصيت ناحية اللي هي باصة عليه.

 

وساعتها شفته.

فستان فرحها.

طافي في البيسين.

وده ما كانش أي فستان.

 

ده الفستان اللي اشترته من فلوس شغلها، واللي قعدت شهور تعدله وتظبطه. الفستان اللي أمها ساعدتها تختاره قبل ما تتعب وتدخل المستشفى.

فاكر يوم ما جربته أول مرة.

 

قالتلي إن أمها بصتلها بعين مليانة دموع وقالتلها:

— كده كنت متخيلاكي يوم فرحك يا بنتي.

 

إحنا كنا كتبنا الكتاب بالفعل، لكن فاضل الفرح الكبير هنا في القاهرة وسط أهلي وناسي. أنا كنت عايز أفرح بيها قدام الكل، وهي كانت بتحاول تتأقلم مع عيلتي الكبيرة اللي كل حاجة عندهم هزار، حتى لو كان على حساب مشاعر الناس.

#حكايات_انجي_الخطيب

قبل ما تيجي بيومين، قلت لهم:

— بالله عليكم، بلاش هزار تقيل مع ياسمين. هي مش متعودة على الجو ده وعايزها تحس إنها وسط أهلها.

 

كلهم وافقوا.

حتى شيماء.

لكن دلوقتي كانت واقفة قدامنا وكأنها ما عملتش حاجة.

— قوليلي إنك ما عملتيش كده يا شيماء — قلت وأنا ببص لها.

 

رفعت كتفها بلا مبالاة.

— يا سيدي اهدي… ما هي ميه وبس.

 

ياسمين ضحكت ضحكة مكسورة.

— ميه بس؟! ده فستان فرحي!

 

— ما تنزلي هاتيه بقى لو مهم أوي كده.

 

ابنة خالتي اتسمرت مكانها.

أمي حطت إيدها على بقها من الصدمة.

وأبويا بصلي وكأنه بيطلب مني أهدى قبل ما أنفجر.

 

لكن خلاص.

— اعتذري لياسمين حالًا.

 

شيماء اتضايقت من لهجتي.

— أعتذر؟ أنا؟ ليه يعني؟

 

— علشان بوظتي فستان مراتي.

— مراتك؟ هي لسه ما بقتش حاجة هنا أصلًا.

 

ساعتها المكان كله سكت.

الصمت كان أقوى من أي خناقة.

 

ياسمين بطلت عياط للحظة وبصتلي.

الكلمة دي وجعتها أكتر من منظر الفستان نفسه.

 

أمي أخيرًا اتكلمت:

— شيماء! عيب اللي بتقوليه ده.

 

— دي الحقيقة — قالت بعناد — من ساعة ما جت والكل لازم يمشي على مزاجها. ممنوع نهزر علشان الست الحساسة ما تزعلش.

 

نزلت عند طرف البيسين ومديت إيدي أطلع الفستان.

كان تقيل جدًا من كتر الميه.

الميه بتنقط على هدومي وجزمتي.

أما ياسمين فكانت واقفة مكانها.

 

كأنها خايفة تلمسه.

خايفة تصدق اللي حصل.

 

أمي قربت منها وقالت:

— يا بنتي ما تقلقيش، نوديه دراي كلين ويمكن يتصلح.

 

هزت راسها بالنفي.

— فرحي بعد خمس أيام.

 

أبويا قال وهو بيحاول يلاقي حل:

— نجيب فستان تاني وخلاص.

 

بصيت له بغضب.

— ده مش فستان تنكري يا بابا.

 

شيماء نفخت بضيق.

— يا نهار أبيض على الدراما!

 

في اللحظة دي، ياسمين شالت شنطتها من على الكرسي ومشيت ناحية البيت من غير ما تقول كلمة.

جريت وراها.

 

لكن قبل ما ندخل سمعت شيماء بتقول بصوت واطي، لكنه مسموع:

— ولا كأنها أميرة ولا بنت وزير.

 

ياسمين وقفت ثانية.

ما بصتش وراها.

حضنت شنطتها أكتر ومشيت.

وأنا وقتها حسيت بإحساس عمري ما حسيت بيه قبل كده.

أنا جبت البنت اللي بحبها على بيت وعدتها فيه بالأمان.

وأول حد كسرها كان من دمي ولحمي.

 

لكن الأسوأ لسه ما حصلش.

لأن بالليل، لما طلبت من شيماء تعتذر، رفضت تمامًا.

ومش بس كده…

 

قالت جملة خلت آخر نقطة صبر عندي تختفي.

— لو هتلغي الفرح علشان فستان، يبقى كويس إنك تعرف من دلوقتي نوع البنت اللي كنت ناوي تكمل حياتك معاها.

#حكايات_انجي_الخطيب

دخلت وراها الأوضة، كانت قاعدة على طرف السرير، بتلم حاجتها في صمت غريب. سكونها ده كان مرعب أكتر من صريخها أو عياطها. وقفت قدامها، إيدي لسه بتنقط ميه من الفستان اللي حطيته في “باسكت” الغسيل بره، مش عارف أقول إيه. الكلمات اللي كانت دايماً حاضرة معايا عشان أهديها أو أطمنها هربت مني.

رفعت عينيها ليّ، كانت عينيها دبلانة، نظرة انكسار لأول مرة أشوفها فيها.

— ياسمين.. أنا..

قاطعتني بصوت هادي، واطي، ومجروح:

— كنت عارف، صح؟ كنت عارف إنهم مش بيحبوني، وإن وجودي هنا تقيل عليهم. كنت عارف إن “خفة دمهم” دي س*لاح بيطولوا بيه لسانهم على أي حد غريب، بس أنت كنت مراهن إنك تقدر تحميني.

كلامها نزل على قلبي زي السكينة. حاولت أقرب منها، بس هي قامت ووقفت قدام الشباك، بتبص لبعيد، للشارع اللي نوره خافت.

— أنا مش زعلانة عشان الفستان يا أحمد. الفستان بمال الدنيا يتجاب غيره، بس الفستان ده كان آخر حاجة فكرت فيها أمي وهي بتودعني، كانت شايفة فيه فرحتي، شايفة فيه بنتها اللي كبرت وهتبقى عروسة. لما رمته في الميه، هي رمت ذكرياتي، رمت أبسط حقوقي في إن يومي يكون كامل.

حاولت ألمس كتفها، بس هي بعدت بخفة.

— أهلك مش شايفيني مرات ابنهم، هما شايفيني “دخيلة” بوظت عليهم روتين الهزار والتحفيل. وأختك.. شيماء.. هي مش بس كرهتني، هي بتكره فكرة إنك ممكن تختار حد غيرهم، حد مش من دايرتهم المسمومة.

خرجت من الأوضة وأنا حاسس إني مخنوق. نزلت الريسبشن، لقيت العيلة متجمعة كأن شيئاً لم يكن. صوت ضحك أبويا وهو بيتفرج على الماتش، وصوت خالاتي وهما بيخططوا لترتيبات الأكل للفرح، كأن اللي حصل ده مجرد “نكتة” تافهة انتهت بمجرد ما رحت أنا ألم الفستان.

دخلت بينهم، وقفت في نص الريسبشن. الصمت ساد المكان، بس المرة دي كان صمت مختلف.. صمت ترقب.

— الفرح اتلغى.

الكلمة طلعت مني تقيلة، حاسمة، ومحدش صدقها في الأول. أمي قامت وقفت، ووشها اتغير تماماً.

— أنت بتقول إيه يا أحمد؟ فرح إيه اللي يتلغى؟ الناس حجزت، والقاعات دفعت عربونها، وعمك من المنصورة جايين في الطريق!

بصيت لشيماء، كانت لسه حاطة رجل على رجل، وبتبص لي بتحدي، مستنية أشوف رد فعلي.

— اللي سمعتوه. الفرح اتلغى، وياسمين هتروح بيت أهلها دلوقتي.

أبويا قام بغضب، عروق رقبته ظهرت:

— أنت اتجننت؟ عشان فستان؟ دي خيبة تقيلة يا ابني، هتهد بيتك وتفضحنا قدام الناس عشان “حركة” عيلة؟

— حركة عيلة؟ — سألت بصوت بيترعش من كتر الغضب المكتوم — دي مش حركة، ده كسر خواطر. ياسمين دخلت بيتنا ده وهي مأمناني على نفسها، وأول حاجة شافت فيها هي الإهانة. لو كنتوا فاكرين إن ياسمين ضعيفة عشان سكتت، فأنتم غلطانين. ياسمين أطيب من إنها ترد عليكم، بس أنا.. أنا مش هسمح لأي حد، مهما كان مين، إنه يقلل منها.

شيماء ضحكت، ضحكة خبيثة:

— يا راجل! يا بطل القصة! هتسيب أهلك وتطرد خالاتك عشان خاطر العروسة الحساسة؟ يا خسارة التربية.

في اللحظة دي، حسيت إني فقدت السيطرة تماماً. مش على أعصابي، لأ.. فقدت السيطرة على خوفي من “زعل الأهل”.

— التربية هي اللي بتخلي الواحد يحترم ضيفه، ويحترم اختيار ابنه، ويحترم مشاعر الناس. طول عمري كنت ببلع الإهانات عشان خاطركم، كنت بضحك لما بتهزقوا صحابي، كنت بسكت لما بتنتقدوا شكلي أو شغلي.. بس النهاردة؟ النهاردة الخطوط الحمراء اتكسرت.

بصيت لأبويا:

— يا بابا، أنا مش هكمل هنا. أنا وياسمين هنمشي، مش عشان الفستان، بس عشان أنا مش هبني بيتي وسط ناس بتشوف كسر القلوب “خفة دم”.

جريت على الأوضة، لميت هدومي بسرعة، وياسمين كانت واقفة مذهولة، مش مستوعبة اللي بيحصل.

— ياسمين، البسي هدومك. إحنا ماشيين.

— بس.. بس يا أحمد، الناس هيقولوا إيه؟ هيعملوا فيك إيه؟

— يغور الناس، ويغور الفرح، ويغور أي حد يخليكي تعيطي.

أول ما خرجنا بشنطنا، كان البيت مقلوب. صويت أمي، وزعيق أبويا اللي بيحاول يوقفني، ونظرات الشماتة في عين شيماء. خرجت من باب البيت، الهوا كان ساقع، بس قلبي كان أهدى بكتير.

ركبنا العربية، ومشينا. مش عارف رايحين فين، ولا إيه الخطوة الجاية، ولا إزاي هنواجه المجتمع والناس اللي مستنية الفرح.

ياسمين كانت بتبص من الشباك، دموعها نازلة بصمت، بس المرة دي دموع راحة، مش دموع انكسار.

وقفت العربية قدام بيت أهلها في حي هادي.

— أحمد.. أنت ضيعت كل حاجة.

بصيت لها، ومسكت إيديها اللي كانت لسه بتترعش، وبستها:

— ضيعت البيت اللي ملوش أمان، عشان أبدأ أبني بيت.. ليكي.

لكن ما كنتش أعرف، إن اللي عملته ده كان مجرد “شرارة” لبداية حرب حقيقية.. مش من أهلي بس، لأ.. ده من أهلي ومن أهلها، ومن الظروف اللي بدأت تتحدف علينا واحدة ورا التانية عشان تثبت لنا إن طريق “الكرامة” مش مفروش بالورد.

تليفوني بدأ يرن.. رسائل تهديد، مكالمات من أعمامي، وكلام بيوصل لي إن شيماء بدأت تشوه صورتي وصورة ياسمين عند كل العيلة.. والحرب لسه بتبدأ.

#حكايات_انجي_الخطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *