جوزي حسام الاخير

خلال النص سنة دي، الحياة مكنتش واقفة تستناني أتحسر، بالعكس.. كانت بتجري بسرعة، وأنا قررت أجري معاها بس في الاتجاه الصح. الشقة بتاعة أكتوبر اللي استردتها لبنتي فريدة، أعدت تجهيزها وبقت مقر لمشروعي الخاص في تصميم الديكور، المجال اللي كنت درسته وزمان حسام أقنعني أسيبه عشان “أتفرغ للبيت وأراعي أمي الحاجة فاطمة”. الأستاذ فاروق وقف جنبي وساعدني في الإجراءات القانونية، وفريدة كانت بتكبر كل يوم قدام عيني، ملامحها هادية، وضحكتها رجعت تنور الوش الصغير اللي اتصدم في أنبل مشاعره يوم الفاجعة.
أما على الجانب الآخر.. فكانت العدالة الإلهية بتكمل رسم لوحتها الأخيرة بدقة متناهية.
حسام اتصدر عليه حكم نهائي بالسجن ثلاث سنوات في ق\ضية النصب والشيكات بدون رصيد اللي رفعها عليه أبو نادين، بجانب الغرامات الضخمة اللي فرضتها عليه هيئة الضرائب والنيابة المالية. كل أصوله وممتلكاته المتبقية اتباعت في مزاد علني لسداد ديونه.
والحاجة فاطمة؟ الشقة الفخمة في المنيرة اللي كانت بتتباهى بيها، ولابسة الدانتيل والذهب عشان تستقبل العروسة الجديدة، اضطرت تبيعها بسعر بخس عشان تدفع مصاريف علاجها ومصاريف المحامين لحسام. نقلت تعيش في شقة صغيرة بالإيجار في حارة ضيقة، مفيش جنبها نادين، ولا مفرش متأجر، ولا صواني ورد.. مفيش غير كرسي متحرك، وممرضة باليومية بتاخد أجرها من بواقي الفلوس اللي فاضلة، وندم ينهك في عظامها كل ما تفتكر إن الست اللي قالت عنها “عمرها ما كانت من توبنا”، كانت هي الوحيدة اللي صايناها وشايلاها في مرضها الحقيقي.
في يوم أخير.. يوم تنفيذ حكم السجن على حسام، طلب عن طريق محاميه إنه يشوف فريدة للمرة الأخيرة قبل ما يترحل للسجن المركزي.
الأستاذ فاروق سألني: “هتروحي يا ياسمين؟ القانون بيمكّنك ترفضي”.
بصيت لفريدة اللي كانت قاعدة بترسم ورقة كاملة فيها شمس وبيتنا الجديد وأنا وهي ماسكين إيد بعض.
رديت بثبات: “هروح يا أستاذ فاروق.. مش عشان خاطره، بس عشان فريدة تفهم إن الصفحة دي اتقفلت بالأقفال والصغار، وإن باباها هو اللي اختار النهاية دي لنفسه”.
راحنا المحكمة، في الغرفة المخصصة للزيارات قبل الترحيل.
دخل حسام.. مكلبل بالإيدين، لابس البدلة الزرقاء. وشه مكنش مجرد تعبان، كان وش إنسان انطفى من جوه تماماً. مفيش قميص سليم، ولا دقن محلوقة، ولا ضحكة رايقة.
