وصلت البيت اللى ورثته 1
وقف طارق على عتبة الصالة الكبيرة، وبصلي وقال بنبرة فيها أمر ومستخفي تحت غطاء الحنية:
– «ندى حبيبتي.. هاتي المفاتيح بزيادة، وسيبي أختي شيماء تطلع تشوف أوض الدور التاني عشان تختار الأوضة الكبيرة بالبلكونة اللي على الشارع، وأمي تأخد أوضة النوم الرئيسية اللي تحت عشان ركبتها وتعبها.. يلا يا حبيبتي بلاش توقفي حالنا الشارع يتفرج علينا!»
بصيت لطارق.. الراجل اللي عشت معاه خمس سنين على المرة قبل الحلوة، الراجل اللي كنت بمرضه لما يأتيه المغص ويسهر معايا وأنا مجهدة من وردية المستشفى.. بصيت له وكأني بشوفه لأول مرة.. كأنه مجرد شخص غريب واقف في بيتي بيوزع ممتلكاتي بدون وجه حق.
مشيت بكل ثبات لحد ما وقفت في نص الصالة، وحطيت الملف البيج – اللي فيه عقود الملكية وإعلام الوراثة – على الترابيزة الخشب الكبيرة اللي في النص.. حطيت إيدي في وسطي، وبصيت لهم واحد واحد.. عيني جابت الحاجة صفية، وبعدها هدى، وبعدها إبراهيم، وفي الآخر استقرت على طارق.
قُلت بصوت جهوري هز أركان الصالة المقفولة من ست شهور:
– «أظن إني اتكلمت بره وقُلت كلمة واحدة ومظنش إنها محتاجة ترجمة.. المفاتيح دي ما تطلعش من إيدي.. والبيت ده مفيش رجل بشر هتخطوه من غير إذني.. وأنتوا دخلتوا هنا بدون إذني!»
الحاجة صفية اتغيرت ملامحها في ثانية.. الابتسامة الصفرا اختفت، والنظارة الشمس نزلتها على مناخيرها وبصتلي بعيون مليانة شر وغضب:
– «جرى إيه يا ندى؟ هي النعمة طفحت عليكي ولا إيه؟ بقيتي تقولي بيت بيتي وأنتوا دخلتوا بدون إذني؟ نسيتي إنتِ مين وبنت مين؟ نسيتي إن أمك الله يرحمها كانت ست بياعة فول وطعمية وكانت بتيجي لحد عندي عشان استلف منها ولا أقف جنبها؟»
الكلمة كانت زي الجلدة، بس ما وجعتنيش.. بالعكس، دي سقتني قوة فوق قوتي.. افتكرت وصية أمي فاطمة: “أول ما يعرفوا إن حيلتك قرشين هيجربوا يشوفوا هنسكتي لحد فين.. ولو سكتِ ياكلوا لقتك!”
ابتسمت ابتسامة باردة جداً، وقربت من حماتي خطوات ببطء، وقُلت:
– «أمي الله يرحمها كانت بياعة فول وطعمية بلقمتها الحلال يا خالتي.. كانت بتعرق وتشقى عشان تسيبلي ورث أعيش بيه بكرامتي.. ما طمعتش في حق حد، ولا دخلت بيت غيرها وحطت إيدها عليه وقسمت أوضه وكأنه تكية أبوها! أمي فاطمة سابتلي بيت بشرعه وعقوده.. ومسابتليش قلة أصل!»