شفت حماتي بالصدفة 2
الجزء الثالث والأخير
فضل أحمد واقف في وسط صالون بيت أمي، وشه مخطوف كأن الدم هرب من عروقه كلها مرة واحدة. الورق اللي رمته نهى على الترابيزة كان ليه صوت أعلى من صوت أي خناقة. الأختام الزرقا بتاعة المحكمة، وإشعار الحجز التحفظي، واسم أمه سعاد اللي مكتوب في عريضة الدعوى… كل ده خلى جبروته اللي كان داخل بيه يتبخر في ثواني.
مريم… إنتي بتهزري صح؟ ده لعب عيال، انتي فاكرة الورقتين دول هيخوفوني؟ أنا جوزك! قالها وهو بيحاول يستجمع شوية من ثقته الميتة، بس صوته كان بيتهز وريقه ناشف.
ردت عليه نهى بابتسامة محامي باردة، وهي بتعدل نضارتها ده مش لعب عيال يا أستاذ أحمد، دي دعوى خيانة أمانة وتبديد أموال مشتركة، مرفقة بشهادات تحويلات بنكية موثقة من الحساب المشترك لحساب الوالدة، ومعاها جنحة تدليس ونصب بموجب التسجيلات اللي بتثبت نيتك للاستيلاء على أموال والدة موكلتي بغير وجه حق. الحجز التحفظي صدر أمره النهاردة، وبكرة الصبح كل بنك في مصر عنده حساب لسعاد هانم أو لحضرتك هيكون مجمد لحد ما المحكمة تفصل.
أحمد بصلي، وعينيه كانت بتدور في الصالة زي الفار المحبوس مريم! اتكلمي! إنتي هتفضحينا عشان شوية فلوس؟ أنا عملت إيه يعني؟! كنت بأمن مستقبل بنتي! دينا دي مش يتيمة زي يوسف؟ مش كنت بعامل يوسف زي ابني؟!
أول ما نطق اسم يوسف، حسيت بنار ولعت في صدري، قربت منه ووقفت قدامه،
نظرة الضعف اللي كان متعود يشوفها في عيني لما كان يطلب فلوس أو يضغط عليا اتمسحت تماماً متجيبش سيرة يوسف على لسانك تاني أبداً! يوسف ابني مش يتيم وأنا عايشة، يوسف كان بيحبك بجد وبيعتبرك مثل أعلى، بس إنت طلعت أندل من إنك تكون أب لأي حد. بتستكتر عليه شقاي وتعب سنيني وبتقول لأمك ابن راجل تاني؟ الفلوس اللي في البنك دي عرق جبيني، مكافآت شغلي، ودهب أمي اللي بعته زمان، جايب الجراءة منين تاخدهم وتديهم لأمك عشان تجيب شقة في مصر الجديدة لبنتك؟! وكمان جاي تطمع في شقة الست دي؟!
أمي وقفت على رجليها، ورغم تعبها ووجع مفاصلها، وقفت بضهر مفرود وبصتله بعينين مليانة حسرة اطلع برة يا أحمد. اطلع برة بيتي. كنت فاكراك ابني البار، كنت بدعيلك في كل صلاة، وأقول ربنا عوض بنتي بعد سنين المرار، تطلع جاي تضحك عليا وتاخد سقفي اللي ساترني عشان تروح تراضي بيه أمك؟ ربنا ينتقم منك ومنها.
أحمد حاول يمسك إيدي مريم، اسمعيني بس، نقعد في بيتنا ونتفاهم، الكلام ده ميرضيش ربنا، البيوت مبتتخربش كده… نفضت إيده بقوة لدرجة إنه رجع لورا بيتنا؟ بيتي أنا ويوسف بس. حاجتك كلها ملمومة في الشنط على باب الشقة هناك، ومفتاح الباب اتغير من الضهر، مترجعش تعتب العتبة دي تاني. ومسمعش صوتك غير عن طريق الأستاذة نهى.
أحمد مسك شنطته الجلد من على الترابيزة بغيظ هستيري، وشه اسودّ وبصلي بنظرة كلها حقد ورب الكعبة ما هسيبك! هندمك يا مريم، وهتشوفي مين اللي هيضحك في الآخر، الفلوس دي بتاعتي، ومش هطولي منها مليم!
خرج ورزع باب الشقة وراه برزعة هزت الحيطان القديمة. في اللحظة دي، أول ما الباب اتقفل، حسيت برجلي مش شيلاني، قعدت على الكنبة وأنا بتنفس بصعوبة. أمي جت جنبي وحضنتني وبدأت تبكي حقك عليا يا بنتي، أنا السبب، أنا اللي وثقت فيه وخليته يطمع. لا يا ماما، إنتي مش سبب حاجة، ده واحد ملوش أمان، والحمد لله إن ربنا كشفه قبل ما الكارثة تكبر ونلاقي نفسنا في الشارع.
نهى قعدت قصادي وحطت إيدها على كتفي مريم، الضربة وجعته، وأول رد فعل منه ومن أمه هيكون هجوم غبي، اسمعي مني وركزي في اللي جاي كويس أوي. سعاد مش هتسكت، وأحمد حس إن كل اللي بناه بيتهد، فإحنا لازم نكون جاهزين لكل كارت هيلعبوا بيه.
ما كدبتش نهى خبر. الساعة مكنتش كملت تسعة بالليل، وتليفوني مبطلش رن. في الأول كانت اتصالات من أحمد، بعدها اتصالات من أرقام غريبة، ولما عملت بلوك، ظهر الرقم اللي كنت مستنياه حماتي سعاد. فتحت الاسبيكر وخليت نهى تسمع معايا.
صوت سعاد كان طالع زي الفحيح، مفيش فيه حتى نبرة السوقية الهادية اللي شفتها بيها في السوق ألو! يا مريم يا خطافة الرجالة، يا ناكرة الجميل! إنتي فاكرة نفسك مين عشان تحجزي على فلوس ابني وفلوسي؟ إنتي بتتبلي علينا يا حرباية؟ ده أنتي جيتي لابني بشنطة هدومك وابنك في إيدك، وهو اللي علاكي وخلاكي بني آدمة!
رديت عليها بصوت بارد جداً، هدوء كان بيحرق دمها أكتر من الصريخ أهلاً يا طنط سعاد. فاكرة كلامك في السوق ولا أفكرك بيه؟ فاضل بس أمها تبيع الشقة والفلوس دي عمرها ما كانت تروح ليوسف؟ فاكرة؟
الخط سكت ثانيتين، الصدمة خلت سعاد تتلجم، عرفت في اللحظة دي إني سمعت كل حرف بودني إنتي… إنتي كنتي واقفة؟! أيوة كنت واقفة، وسمعت خطتك إنتي وابنك المصون. وعشان كده بقولك من دلوقتي الفلوس اللي أحمد حولهالك هترجع، والمليون وسبعمية ألف هيتحطوا في حسابي غصب عنكم بالقانون، وبنتك دينا تقعد في شقة عين شمس وتبوس إيدها وش وضهر إنها لاقية حيطة تسترها. وأعلى ما في خيلكم اركبوه.
قفلت السكة في وشها قبل ما تنطق بكلمة زيادة، وعملتلها بلوك.
تاني يوم الصبح، كانت المواجهة الأصعب، مواجهة يوسف. كنت قاعدة معاه في الصالة بعد ما رجعنا بيتنا، والشنط بتاعة أحمد كانت مركونة برة فعلاً ونهى بعتت مين ياخدهم يسلمهم لأحمد بمحضر تسليم رسمي. يوسف قعد قدامي، عينيه كانت تايهة، مصدوم من غياب أحمد ومن تغيير الكوالين. ماما… في إيه؟ هو طنط نهى بتعمل إيه هنا؟ وبابا أحمد فين؟ أخدت نفس طويل، ومسكت إيد ابني. كان لازم أكون صريحة معاه، يوسف مابقاش عيل صغير ولازم يفهم مين معاه ومين بيستغله يوسف، أحمد مكنش بابا. أحمد كان واخدنا واجهة عشان يصرف من فلوسنا على أهله.
لمحة نيوز