رجعت من الشغل 2
كانت حماتي تبكي بصوت خافت وتبث أنفاسها بصعوبة، وقالت وهي تنظر إليّ بعيون ملطخة بالندم: “سامحيني يا إنجي… سامحيني يا بنتي… أنا وكريم كدبنا عليكي… البنت دي مش مجرد مريضة… البنت دي شافت الموت بعينيها لما أمها اتق. تلت!
“توقفت يدي عن ضغط الجرح، ونظرت إليها بذهول تام: “أمها اتق. تلت؟! إنتي بتقولي إيه؟!”كريم وهو يحاول تثبيت مريم التي كانت تتلوى بين يديه كالأفعى، صرخ بقلة حيلة: “مش وقت الكلام ده يا أمي! لازم نطلب الإسعاف فوراً وننزل البنت دي من هنا!
“لكن حماتي واصلت الحديث وهي تنتحب: “لأ… لازم تعرف، إنجي مظلومة ولزم تفهم الحقايق… أمها أخت طارق الله يرحمه ما ماتتش موته طبيعية… مريم هي اللي.
.. هي اللي كانت موجودة في الأوضة لما أمها اتدبحت، والدكاترة في المستشفى قالوا إن النوبة اللي بتجيلها بتخليها تعيد نفس مشهد الجر. يمة بدون ما تحس!
هي مش قصداكي يا إنجي… هي فاكرة إن كل اللي حواليها عايزين يؤذوها!”وقفت في منتصف الصالة والذهول يلعمني. الحقيقة كانت أبشع بمراحل مما تخيلت. لم نكن أمام طفلة مريضة فقط، بل أمام طفلة تحمل في ذاكرتها صدمة جر.
يمة ق. تل مروعة، وتحولت هذه الصدمة إلى ميول إجر. امية وعدوانية بلا تدبير منه.
وفجأة، وبينما كان كريم يحاول سحب مريم نحو الغرفة لتقييدها لحين وصول المساعدة، اشتغلت كهرباء الشقة فجأة بنفس السرعة التي انقطعت بها. أضاءت الشقة بالكامل، وفي تلك اللحظة بالذات، سمعنا صوت خبط قوي ومتواصل على باب الشقة الخارجي!
كان الخبط شديداً وكأن أحداً يحاول كسر الباب، متبوعاً بصوت رجل غريب ينادي بنبرة حادة وتهديد واضح من خلف الباب: “افتح يا كريم! أنا عارف إن البنت عندك هنا… رجعلي بنت اختي بدل ما أبلغ الشرطة عنكم وعن اللي عملتوه في أمها!”تطلعنا جميعاً إلى باب الشقة برعب قاتل.
حماتي كتمت أنفاسها، وكريم تجمد في مكانه وهو يضم مريم إليه، بينما نظرت أنا إلى الباب ثم إلى كريم، وفهمت في تلك اللحظة أن السر الذي كان يخفيه كريم لم يكن يتعلق بمريم وحسب.
.. بل كان هناك شخص آخر يطارد هذه الطفلة، وأن الجر. يمة التي حدثت في الماضي لم تنتهِ بعد!
اقترب كريم من الباب بخطوات مرعوبة وهو يهمس لي: “إنجي… ادخلي الأوضة واقفلي على نفسك وعلى أمي ومريم… الراجل ده لو دخل هنا مش هيطلع حد فينا عايش!”تسمرتُ في مكاني وأنا أنظر إلى باب الشقة الذي كان يرتجف تحت ضربات الرجل الغريب.