رجعت من الشغل 2
كانت النبرة القادمة من الخلف مليئة بشرٍّ عاري، تهديد صريح ومباشر أرسل القشعريرة في كل إنش من جسدي. التفتُّ إلى كريم، ورأيت في عينيه خوفاً لم أعهده فيه من قبل، خوف رجل يعرف جيداً أن المهلكة تقف على بعد خطوات معدودة منه.
كرر كريم هتافه المكتوم وهو يدفعني بكفيه المرتجفتين نحو الممر: “إنجي! أرجوكي اسمعي الكلام! خدي أمي ومريم وادخلوا جوة واقفلي الباب بالمفتاح من جوة! متخرجيش مهما سمعتي!”لم أجد مساحة للجدال. تحركت بحركة أوتوماتيكية يدفعها الرعب الخالص.
مسكت بكتف حماتي التي كانت تنزف وتئن بوهن، وسحبتها بجهد جهيد نحو غرفة النوم، بينما كانت مريم تسير بجانبنا بجمود غريب، وكأن الأحداث من حولها لا تخصها، أو كأنها اعتادت هذا النوع من الكوابيس. أدخلتهما الغرفة بسرعة، وأغلقت الباب الخشبي المتين، ثم أدرت المفتاح مرتين.
وقفت وخلف الباب أسترق السمع، وقلبي يتخبط في أضلعي كالعصفور الذبيح. سمعت صوت كريم يقترب من الباب الخارجي ويصيح بنبرة يحاول جاهداً أن يجعلها ثابتة: “امشي من هنا يا سامح! مش هفتحلك! البنت مش هتاخدها، وإنت مالكش أي حق فيها!
“جاءه صوت الرجل المدعو سامح، ضحكة خشنة ملؤها الاستهزاء من خلف الباب: “مش هتاخدها؟ إنت فاكر نفسك مين يا كريم؟ فاكر إنك لما تهرب بالبنت من الشقة وتخبيها في بيتك هتداري على الجر. يمة؟ افتح الباب بدل ما أكسره فوق دماغك!
البنت دي هي الوحيدة اللي عارفة أنا مين، وهي الورقة الوحيدة اللي فضلالي عشان أقفل قضية أمها لحسابي!”سقطت الكلمات على مسامعي كالصاعقة. سامح… خال الطفلة أو قريب أمها المتوفاة، لم يكن يبحث عن مريم ليأخذها أو يرعاها، بل كان يبحث عنها ليتخلص منها!
هي الشاهدة الوحيدة على الجر. يمة التي راح ضحيتها والدتها!سمعت صوت محاولة كسر الباب بالقوة، ضربات متتالية بجسد ثقيل تجعل الخشب يئن. صرخ كريم: “أنا بلغت الشرطة يا سامح! زمانهم في الطريق!”رد سامح بصرخة غاضبة: “بتكذب!
إنت أجبن من إنك تدخل الشرطة في الموضوع لأنك عارف إن أختك المرحومة وزوجها طارق كان بينهم وبيننا بلاوي، ولو الشرطة فتشت ورانا كلكم هتتقبض عليكم!”في تلك اللحظة، والتفتُّ داخل الغرفة لأرى حماتي الجالسة على الأرض وهي تحاول كتم نزيف يدها بقطعة القماش.
