رجعت من الشغل 2
تراجعت إلى الخلف وأنا أرفع الشماعة الحديدية بكلتا يدي، وجسدي كله ينتفض. نظرت خلفه أبحث عن كريم، فرأيته ملقى على أرض الصالة بلا حراك، والدماء تحيط برأسه!ابتسم سامح ابتسامة إبليسية وهو يتقدم داخل الغرفة بخطوات متأنية، وعيناه مثبتتان على الطفلة مريم الجالسة في الزاوية.
قال بنبرة جافة تشبه صفير الأفعى: “أخيراً… لقيتك يا حلوة. خلصت من أمك، وبعدين طاردت عمك لحد ما أكل علقة عمره… ودلوقتي دورك عشان السر يموت معاكي.”صرخت فيه بأعلى صوتي وأنا أتقدم أمامه لأحجب عنه مريم: “على جثتي!
مش هتقرب منها خطوة واحدة!”ضحك بصوت عالٍ ورفع المطواة: “يبقى على جثتك فعلاً يا شاطرة!”وقبل أن يتحرك سامح خطوة واحدة نحوي، حدث ما لم يكن في حسبان أحد…من خلفي، انطلقت مريم كالسهم!لم تكن طفلة تتصرف، بل كائنًا مشحونًا بغريزة انتقام عمياء.
أطلقت صرخة حادة تقشعر لها الأبدان، ورمت بنفسها بكل ثقلها على ساق سامح، وغرست أظافرها وأسنانها بقسوة جنونية في جرح قديم في رجله!صرخ سامح متألماً واختل توازنه، وفي اللحظة التي تراجع فيها للخلف، انتهزت الفرصة بكل ما أوتيت من قوة ورغبة في البقاء، ورفعت الشماعة الحديدية وهويت بها بكل قوتي على رأسه!
سقط سامح على الأرض بجثة هامدة، وانطلقت المطواة من يده لتتدحرج على أرضية الغرفة. وقفت ألهث وصدري يعلو ويهبط، والشماعة تسقط من يدي. كانت مريم تقف فوق جسد سامح الفاقد للوعي، وتنظر إليه بأنفاس متسارعة، قبل أن تلتفت إليّ وتنظر في عيني مباشرة.
.. ولأول مرة منذ أن دخلت هذا البيت، رأيت في عينيها بريقاً من الإدراك والانتماء. ركضت فوراً نحو الصالة وجثوت بجوار كريم. وضعت يدي على عنقه… الحمد لله، كان نبه لازال ينبض، ولكنه كان يئن بفقدان للوعي جراء الضربة.
رفعت رأسه بحذر وأنا أبكي وأقبله: “كريم… اصحى يا كريم… كل حاجة انتهت… قوم معايا.”فتحت عيني كريم ببطء شديد، ونظر إليّ بضبابية وهو يهمس: “إنجي… مريم… أمي…”قلت له وأنا أضمه إليّ: “هم بخير… إحنا بخير يا كريم.”لكن…
وقبل أن أستوعب الهدوء الذي حل بالشقة، ومن بين صمت الليل، سمعنا جميعاً صوت سرينات سيارات الشرطة والإسعاف وهي تقترب بسرعة وتتوقف أسفل العمارة، وأصوات أقدام كثيرة تصعد السلم بجرائم مسرعة.