تركت ارملة مع ابنتين
قال بهدوء رجل تعلم الانتظار وتعلم الخسارة وتعلم الأمل
لست بحاجة إلي لكنني أنا بحاجة إليكم.
بحاجة إلى هذا البيت وهذا الصوت وهذا الماء وهذه الحياة التي تعلمت فيها معنى العطاء.
لم تتردد تيريزا.
لم تراجع الماضي ولم تفاوض الخوف.
قالت نعم وهي تعلم الآن أن الشجاعة ليست في غياب الخوف
بل في العبور رغم وجوده.
تزوجا في كنيسة القرية حيث الجدران تعرف أسماء الناس وحيث الدعاء يخرج صادقا بلا زخرفة.
كانت الزهور برية والضحكات طفولية والدموع حقيقية.
لم يكن زفافا فقط بل شهادة حية على أن الفقد لا يكون نهاية وأن القلب قادر على أن يفتح بابه مرة أخرى.
مرت السنوات ببطء جميل.
كبرت الأرض كما يكبر الأبناء موسما بعد موسم.
ازدهرت الحقول وتعلم الناس أن الماء حين يشارك لا ينقص بل يزداد أثره.
أنجبا طفلا آخر حمل ضحكتهما معا.
وظل النبع يتدفق ثابتا كريما لا يعرف البخل ولا التعب.
وتحولت الصحراء بصبر وعمل وإيمان إلى حديقة.
ليس فجأة ولا بمعجزة بل خطوة خطوة كما تبنى الحياة الحقيقية.
وحين جلست تيريزا وقد اشتعل الشيب في شعرها عند الغروب تراقب أحفادها وهم يركضون قرب الماء تضحك وتدمع في آن واحد فهمت أخيرا السر الحقيقي لتلك الأرض.
لم يكن مجرد نبع مخفي تحت التراب.
ولا معجزة حدثت مصادفة.
كان درسا طويلا صامتا لمن يجرؤ على الإيمان حين لا يؤمن أحد
ويعمل حين يسخر الجميع
ويشارك حين يخاف الآخرون الخسارة.
لأن أعظم الكنوز لا تكون دائما على السطح.
بل في العمق
تنتظر من لا يخاف أن يواصل الحفر
حتى حين يضحك العالم كله
وحتى حين يقول الجميع لا فائدة.
فبعض الأرض
لا تعطي سرها إلا لمن يصبر.