تركت ارملة مع ابنتين

في تلك الليلة لم تنم تيريزا. كانت تنظر إلى النبع وهو يتدفق بلا توقف وتفكر في النساء اللواتي يمشين حاملات الدلاء وفي الأطفال العطشى. وسألت نفسها سؤالا أثقل من الذهب
هل تحفظ البركة أم تشارك

قررت أن تشاركها. حفرت قنوات وتركت الماء يجري. خلال أيام بدأت الحديقة تخضر. وخلال أسابيع أصبحت أرضها الوحيدة الخضراء في محيط كيلومترات. تغيرت نظرات الجيران. عادت دونيا بيترا. من أين حصلت على الماء

بالحفر عميقا أجابت تيريزا. هل تبيعينه
هزت تيريزا رأسها. لا أبيع. من يحتاج فليأت. انتشر الخبر سريعا. جاءت عائلات بأكملها تحمل الدلاء. ولم يعد أحد يموت عطشا ما دام ذلك الماء يتدفق.

ومع الماء جاء الاحترام. في أحد الأيام ظهر أنطونيو فلاح بيدين متشققتين. جئت لأشكرك قال محصولي نجا بفضلك. أحضر بذورا فاصولياء وذرة مقاومة. عاد في اليوم التالي ثم الذي بعده.

ساعد أنطونيو في إصلاح البيت لوحا بعد لوح وسقفا بعد سقف كأنما كان يعيد ترميم شيء أعمق من الجدران. لم يكن كثير الكلام لكنه كان حاضرا بثبات يشبه الأرض حين تستقر بعد المطر.

كان يعرف متى يعمل ومتى يصمت
ومتى يترك المكان لضحكات الطفلتين. أحبته آنا حبا فوريا حب الأطفال الذي لا يعرف الحسابات ولا الحذر.

كانت تركض نحوه كلما رأته قادما من بعيد تمسك بيده وتريه ما زرعته أمها أو تحكي له عن حلم رأته في الليل. أما روزا فكانت تبتسم كلما وقع بصرها عليه ابتسامة صغيرة صامتة لكنها صادقة كأن قلبها الصغير أدرك قبل الكلمات أن هذا الرجل لا يحمل تهديدا.

كانت تيريزا تراقب كل ذلك من بعيد بقلب متردد. لم تكن تخشى الحب بقدر ما تخشى الفقد من جديد.

كان جرحها لم يندمل بعد وكانت الذكريات لا تزال ثقيلة لكنها شعرت للمرة الأولى منذ زمن طويل أن صدرها لم يعد موحشا كما كان. شيء ما بطيء ودافئ بدأ يلتئم. مرت الشهور ومعها تغير كل شيء.

الأرض التي كانت قاحلة أصبحت خضراء والبيوت التي كانت مغلقة بدأت تفتح والوجوه التي اعتادت الانكسار بدأت ترفع رؤوسها. ازدهر المجتمع حول النبع كما تزدهر الحياة حول القلب.

لكن الخير لا يمر دائما دون أن يوقظ الطمع. في صباح جاف وصل رسول يمتطي حصانا يحمل في ملامحه قسوة السلطة. قال إن اسمه مرسل من زعيم المنطقة دون أوسيبيو باراغان رجل عرف بنفوذه وبأن يده أطول من العدالة نفسها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *