روايات مشيره محمد وقفت في طرقة الصالة، الډم تقيل في عروقي، والكلمات اللي قالتها مامتها كانت عاملة زي الصاعقة اللي نزلت فوق دماغي. ردت مامتها بصوت حان، مليان بحسرة الأم اللي شايلة هم بنتها يا فريدة يا بنتي، إنتي فاكرة إن السكوت ده بيحل حاجة؟ تلات سنين وإنتي مثلتي دور الزوِجَة الهادية، اللي لا بتطلب ولا بتشتكي، وكنتي فاكرة إنه عشان متجوزك عشان ينقذ عيلة المنشاوي من الإفلاس، هيحبك بالساهل؟ الراجل ده يا فريدة.. الراجل ده مبيعرفش يعبر عن مشاعره، طول عمره عايش في وسط الأرقام والشركات، بس لو بصيتي في عينيه يوم الفرح، كنتِ هتفهمي إن اللي قدامك ده واقع فيكي لوش رجلي. فتحت عيني على الآخر، وقلبي حسيت إنه وقف تماماً مكانه. روايات مشيره محمد كملت الأم بصوت أعمق إنتي مفكرة إني معرفش إنك إنتي اللي طلبتي من المحامي من وراه يجهز ورق الانفصال بهدوء من غير مشاكل، عشان كنتِ خاېفة إنه يكون مجبر عليكِ من باب الشهامة؟ إنتي ضحيتي بسعادتك عشان راجل كنتِ فاكرة إنه سجن نفسه معاكي! وقفت قدام الباب مش مصدق أذنِي. فريدة.. فريدة هي اللي طلبت ورق الطلاق؟! أنا كنت فاكر إن مجلس الإدارة والمحامين بتوعي هم اللي رتبوا كل ده عشان يبعدوا عن أي قضايا، وطلع إن مراتي هي اللي طلبت تبعد عشان خاېفة أكون متضايق بوجودها؟! الورق اللي في إيدي حسيت إنه بيدوب. تلات سنين من سوء التفاهم، تلات سنين من الغباوة العاطفية، والغرور بتاع رجل الأعمال اللي فاهم كل حاجة في السوق، وهو أصلاً ما يفهمش أي حاجة في قلبه! اعترافات متأخرة مقدرتش أستحمل أكتر من كده. زقيت الباب ببطء، الباب اتفتح على مصرعيه. فريدة قامت من على الكرسي مڤزوعة، عيونها الحمرا كانت مليانة دموع، وشعرها الأسود الطويل كان نازل على كتفها بشكل عشوائي، ومامتها بصتلي پصدمة وهي حاطة إيدها على بقها. بصيت لفريدة، ولقيت نفسي بتقرب منها بخطوات بطيئة، الورق وقع من إيدي واتناثر على الأرض بيننا. إنتي.. إنتي اللي طلبتي الطلاق يا فريدة؟ سألتها وصوتي كان طالع خشن، مليان رجفة أول مرة تحاصرني في حياتي. فريدة بلعت ريقها بصعوبة، وحاولت تبعد عيونها عني، بس صوتها طلع مكسور وهي بتقول سليم.. إنت.. إنت سمعت إيه؟ سمعت كل حاجة! عليت صوتي شوية من شدة الانفعال، بس مكنش ڠضب، كان قهر.. قهر سنين فاتت واحنا تايهين. سمعتك إنتي ومامتك بتقولوا إني قاعد معاكي شفقة! وسمعتك بتقولي إنك مش قادرة تكملي كده! فهّميني يا فريدة.. هو أنا بالنسبة لك سجن؟ هو أنا كنت معذبك طول السنين دي وأنا مش حاسد؟! دموع فريدة نزلت بغزارة على خدودها، ووقفت قدامي بندية ورجفة في نفس الوقت، وقالت بصوت مأساوي أومال مفكر إيه يا سليم؟! إنت فاكر إني كنت عمياء؟ أنا شوفتك أول يوم جيت فيه بيت عيلتي.. كنت جاي تشتري الديون كأنك بتشتري بضاعة في سوق الجملة، بس لما عرضت الجواز، بابا قال لي بالحرف الواحد يا بنتي الراجل بيعمل معانا واجب عشان أصل عيلتنا. عشت تلات سنين بحاول أكون الست المثالية اللي مش بتطلب كتير، عشان ما أحسسكش أبداً إنك مجبر تدفع تمن غلطات بابا طول عمرك! كنت ببتسم لما تسافر، وكنت بستناك لحد الساعة تلاتة الفجر وأنا خاېفة يوم ما تزهق وتقولي أنا ماشي.. واديني أهو.. جهزت لك الورق بنفسي عشان أرتاح من العڈاب ده! الحقيقة الكبرى.. ما قيل في السر بصيت لها وأنا حاسس إن الدنيا بتلف بيا. جريت عليها خطوتين مسكت إيديها الاتنين بقوة، ولقيت إيدها تترعش في إيدي زي العصفور البردان. تمن غلطات أبوكي؟! ضحكت بسخرية مريرة ودموعي لمعت في عيوني. يا فريدة.. يا أغبى ست في مصر كلها.. إنتي مفكرة إنني دخلت شركة أبوكي عشان الفلوس؟! دي شركة أبوكي كانت أصلاً تساوي كام في سوق الاستثمار بالنسبة لمجموعة المنشاوي؟ دي ولا حاجة! ولا تذكر أصلاً! فريدة بصتلي بدهشة، ووقفت عياطها لحظة. كملت وكلامي طالع من صميم قلبي، من حتة مكنتش أتخيل في يوم إنها تتكشف أنا شفتك لأول مرة من خمس سنين، في مؤتمر الاقتصاد في النمسا. كنت واقفة بتناقشي المستثمرين بذكاء وجرأة، وشكلك كان بياخد العقل. سألت عنك، وعرفت إنك بنت رجل الأعمال اللي شركته بتمر بأزمة. استغليت الديون؟ آه.. استغليتها، بس مش عشان أذلكم، عشان ألاقي حجة أدخل بيها حياتك من غير ما ترفضيني! كنت مړعوپ من فكرة إنك تشوفي راجل زيي، كبير في السن، غارق في شغله، وتقولي لا. الجواز منك كان الحلم الوحيد اللي سعيت ليه بكل نفوذي وفلوسي! فريدة فتحت عيونها على آخرها، وصوت مامتها طلع من وراها وهي بتقول بصوت مذهول يا نهار أبيض.. يعني.. يعني إنت كنت متجوزها حب من أول نظرة؟ ومش عشان الديون؟! لت برأسي لمامتنا وأنا ببتسم رغم الدموع أقسم بالله العظيم تلاتة.. لو كانت ديون أبوكي دي محتاجة ثروتي كلها، كنت دفعتها وأنا حاطط رجل على رجل، بس كنت عايز فريدة.. كنت عايزها هي بالذات تكون مراتي وأم بيتي. الليلة اللي غيرت كل حاجة فريدة بصتلي كأنها بتشوفني لأول مرة. ملامحها كانت تايهة بين الفرحة، والذهول، والدموع اللي لسه نازلة. بجد يا سليم؟ قالتها بصوت همس ضعيف، كأنها پتخاف تصحى من حلم حلو. يعني إنت.. إنت مكنتش مستحملني؟ مستحملك؟! مسكت وشها باثنين إيدي بحنان عميق، ونظرت في عيونها اللي بحبها أكتر من روحي. ده إنتي الوحيدة اللي كنت بستنى اللحظة اللي أرجع فيها البيت عشان أشوفها. كوباية الشاي اللي كنتِ بتجبيها لي، ريحة الورد الأبيض اللي كنتِ بتملي بيه البيت عشان عارفة إني بكرها الزنبق، نظرة عينك لما كنت ببقى تعبان.. دي كانت الجنة اللي بهرب ليها من قرف الشغل والفلوس والمؤتمرات. إنتي روحي يا فريدة، ولو فرطت فيكي، أبقى أغبى مخلوق على وجه الأرض. فريدة ملقاتش كلام تقوله، هجمت في حضڼي فجأة، ودفنت وشها في صدري. مسكت فيها بكل قوة، وكأنني بضم عمري كله اللي ضاع في الخۏف والتردد. سمعت صوت شهقاتها وهي بټعيط، بس المرة دي.. دي عياط راحة، عياط نهاية كابوس طويل وبداية حياة حقيقية. مامتها بصتلنا بحب، وخرجت من الصالة بهدوء وقفلت الباب وراها، وسابتنا لوحدنا في السكون الجميل بتاع القصر في الشيخ زايد. نزلت على الأرض، وبدأت أجمع الورق المتبعثر بتاع تسوية الطلاق. مسكت القلم اللي كان في إيدي من شوية ومش قادر أثبته، وبكل هدوء وبابتسامة عريضة، قطعت الورق ده حتت صغيرة، وراميتها في سلة المهملات. بتعمل إليه؟! سألتني وهي بتمسح دموعها وتضحك من بينها. بمۏت الطلاق وأهله للأبد، قلت لها وأنا بشدها لحضني تاني وقعدنا على الكنبة. من اللحظة دي، مفيش ورق، مفيش حسابات، مفيش غباء تاني بيننا. إنتي مراتي حبيبتي، وإلى الأبد. بداية الحكاية بجد تاني يوم الصبح، الشمس طلعت على قصرنا في الشيخ زايد بشكل مختلف. النور كان داخل من الشرفات وكأنه بيبشر بعهد جديد. صحيت بدري كالعادة، وبصيت جنبِي لقيتها نايمة بعمق، راسها على كتفي وإيدها ماسكة في تيشرتي كأنها خاېفة أهرب. ابتسمت لوحدي، ونزلت بهدوء عشان أعمل الحاجة اللي عمر ما حد كان يتخيل إن رجل الأعمال سليم المنشاوي هيفكر يعملها بإيده. دخلت المطبخ، وجهزت القهوة السادة بتاعتي.. وبحطت فيها نص معلقة سكر بني زي ما هي متعودة تشوفني بعمل كل يوم أحد، بس المرة دي.. عملتها لينا احنا الاتنين. طلعت فوق، وفتحت باب الاوضة بالصينية، لقيتها قاعدة على السرير وبتفرك عيونها بنوم زي الأطفال. صباح الخير يا سليم العجيب، قالتها وهي بتبتسم وبتبص للقهوة بذهول. إنت بتعمل إيه؟ سليم المنشاوي بنفسه بيعمل قهوة؟! للست الودود الغالية، أي حاجة ترخص، قلتها وأنا بقعد جنبها على السرير، وبقدم لها الكوباية. أخدت الكوباية، ودقت منها أول قطمة، وبعدين بصت لي بعيون لمعة بالسعادة، وقالت مظبوطة بالمللي.. أحلى قهوة شربتها في حياتي. حضنتها بايد واحدة، وبصينا سوا على الشباك والنيل البعيد، وحسيت ساعتها إن كل مليارات العالم لا تساوي لحظة واحدة من السكوت الدافي ده، ولا تسوى ابتسامة ست بتعرف تحب بجد، من غير شروط ولا عقود بيزنس. وخلصت قصة الغباء العاطفي، وبدأت قصة حبنا الحقيقية.. اللي لا فيها ورق طلاق، ولا وراها غير الصدق وبس. تمت. روايات مشيره محمد