جوزى كل اسبوع يعطر جسمي 3

الأجزاء من الثانية، تحول المطبخ الصغير إلى ساحة معركة حقيقية من أجل البقاء. اندفع ياسر نحو القيء والغضب الأعمى يملأ عينيه، ويمده بقوة مرعبة. امتدت يده القوية وقبضت على عنقي بكل غل، وبدأ يضغط بقسوة مانعاً الهواء عن رئتيّ.

شعرتُ بالاختناق، والرؤية بدأت تشوش أمام عيني. غريزة البقاء كانت أقوى من خوفي. رفعتُ يدي المخفية وراء ظهري، والتي كانت تقبض على سكين المطبخ بكل ما تبقى لي من عزم، ودفعتها للأمام دفاعاً عن حياتي.

لم أقصد قتله، كنت أدافع عن أنفاسي فقط. اخترق نصل السكين ذراعه الممتدة نحو عنقي. صرخ ياسر صرخة دوت في أركان الشقة، وتراجع إلى الخلف فجأة وهو يمسك بذراعه التي بدأت الدماء تنزف منها بغزارة، وتلطخ أرضية المطبخ البيضاء.

سقطتُ على ركبتي وأنا أسعل بشدة، أحاول التقاط أنفاسي والهواء يمزق صدري. نظرتُ إليه بفزع؛ كان ينظر إلى جرحه، ثم رفع عينيه إليّ، ولم أقرأ فيهما سوى الرغبة في الانتقام التام. تلاشت نبرة الهدوء المريضة تماماً، وصاح بصوت يشبه زئير وحش جريح:

“أنتِ طعنتيني يا فريدة؟ الست اللي عيشتها في خير سنيين بتمد إيدها عليا؟”

تحرك نحوي بخطوات ثقيلة ومخيفة بالرغم من نزيفه. حاولتُ الوقوف والهروب، لكنه هجم عليّ ودفعني بقوة نحو الأرض. سقطتُ مجدداً، وطارت السكين من يدي لتستقر أسفل رخامة المطبخ، بعيداً عن متناول يدي.

ثبّتني بكل ثقله على الأرض، وضغط بركبته فوق صدري ليمنعني من الحركة، بينما كانت يده السليمة تمتد نحو جيبي لتخرج زجاجة المهدئ والمسحوق الأبيض الذي كان يجهزه لي. أخذ نفساً عميقاً وهو يلهث، وقال والشر يتطاير من عينيه:

“كنت عايز الموضوع يمر بهدوء وتنامي من غير ما تحسي بحاجة… لكن أنتِ اللي اخترتي الطريقة الصعبة. من هنا ورايح، مفيش فريدة… مفيش كلام، ومفيش خروج. أنتِ هتفضلي هنا مجرد ريحة وصورة!”

بدأ يحاول فتح فمي بالقوة ليدفع بجرعة مكثفة من ذلك المسحوق المخدر. كنتُ أقاوم بكل ما أوتيت من قوة، أهز رأسي يميناً ويساراً وأصرخ بأعلى صوتي: “الحقوني!.. يا ناس الحقوني!”، لكن صوتي كان يضيع داخل جدران الشقة المعزولة.

وفي قمة يأسي، وأنا أشعر بأن قواي تخور تماماً وأنني على وشك الاستسلام للظلام الذي يفرضه عليّ، دوت في الشقة فجأة أصوات طرقات عنيفة ومستمرة على الباب الخارجي!

تصلب ياسر في مكانه. تلاقت أعيننا؛ نظرة الرعب عادت لتشل حركته، بينما عادت الروح إلى جسدي. لم تكن طرقات عادية، بل كان هناك من يحاول كسر الباب بعنف، وصوت صياح بالخارج.

استغللتُ لحظة ذهوله، وبكل ما أملك من قوة دفعته بقدمي في بطنه، ليتراجع إلى الخلف مصطدماً بطاولة المطبخ. قمتُ أركض نحو الصالة وأنا أصرخ بأعلى صوتي:

“إلحقوني! أنا جوه! هيقتلني!”

وصلتُ إلى الصالة، ونظرتُ نحو الباب الخارجي الذي كان يهتز تحت وطأة الضربات، وفجأة، تحطم قفل الباب الخارجي، واندفع إلى داخل الشقة ثلاثة رجال… كان في مقدمتهم شقيقي الأكبر “أحمد”، وبصحبته اثنان من أصدقائه!

أحمد لم ينتظر؛ بمجرد أن رآني والدماء تسيل من جبهتي وعلامات الخنق على رقبتي، صرخ بغضب عارم واندفع نحو المطبخ حيث كان ياسر يحاول الخروج مسكاً بذراعه النازفة. في ثوانٍ معدودة، تحولت الصالة إلى ساحة عراك آخر، حيث هجم أحمد وأصدقاؤه على ياسر وشلوا حركته تماماً وطرحوه أرضاً.

ارتميتُ في زاوية الصالة وأنا أبكي بهستيرية، وجسدي كله ينتفض. التفت إليّ أحمد بعد أن تأكد من تقييد ياسر بالكامل، واقترب مني وخلع قميصه ليضعه على جرحي وهو يضمني إليه قائلاً بصوت يرتجف من الصدمة:

“فريدة! أنتِ كويسة؟ إيه اللي حصل؟ دكتورة سلمى كلمتني وقالتلي إنك رحتيلها وإن كلامك قلقها جداً، ولما جيت أتصل بيكي لقيت تليفونك مقفول.. قلبي حس إن فيه مصيبة وجيت جري!”

نظرتُ نحو ياسر الملقى على الأرض؛ كان ينظر إليّ بنظرات غريبة، لم تكن نظرات ندم، بل كانت نظرات حسرة وكأن الوهم الجميل الذي عاش فيه لسنوات قد تحطم الآن إلى الأبد أمام عينيه.

أخرج أحمد هاتفه بسرعة واتصل بالشرطة والإسعاف وهو يصرخ في الهاتف ليبلغ عن محاولة قتل واحتجاز.

لكن، بينما كنا ننتظر وصول الشرطة، وياسر مقيد على الأرض، التفتَّ إليّ فجأة بابتسامة صفراء مرعبة، وبالرغم من ألمه والنزيف، قال بصوت هادئ ومخيف هز كياني مجدداً:

“فاكرة إن الموضوع خلص يا فريدة؟ فاكرة إنك لما تمشي من هنا هتخلصي مني؟ السر اللي في الدرج مش مجرد مذكرات… رانيا ما ماتتش في حادثة عادية يا فريدة… رانيا أنا اللي…”

ولم يكمل جملته، لأن أحمد ضربه بقدمه ليصمته، لكن الكلمات كانت قد استقرت في عقلي كخناجر جديدة. أنفاسي تصاعدت، ونظرت إلى باب الشقة بانتظار الشرطة، وأنا أشعر أن الكابوس لم ينتهِ بعد، بل بدأ يأخذ منحنى أكثر رعباً ودموية مما تخيلت!

#الكاتب_رومانى_مكرم

## الجزء السادس

ساد صمت رهيب في الصالة بعد الكلمة المبتورة التي نطق بها ياسر. “رانيا أنا اللي…”! هل كان يقصد أنه قتلها؟ هل كانت تلك الطقوس، وذلك الجنون بالعطور، ليس مجرد حزن مرضي على فراقها، بل كان شعوراً هائلاً بالذنب ومحاولة للتكفير عن جريمة بشعة ارتكبها في الماضي؟

كانت أنفاسي تتلاحق، ونظراتي معلقة بوجهه الشاحب والدم الذي يقطر من ذراعه. أحمد كان يتنفس بسرعة والغضب يعميه، وصاح فيه: “اخرس خالص! مش عايز أسمع صوتك لحد ما البوليس ييجي!”

دقائق قليلة بدت وكأنها سنوات، حتى دوت أصوات سرينات الشرطة في الشارع، تلتها خطوات قوية تصعد السلم. دخل ضابط المباحث ومعه القوة، وعاينوا المكان بسرعة. الدماء على أرضية المطبخ، وجهي المشوه، السكين الملقاة، وأكياس المسحوق الأبيض والمهدئات التي كانت كفيلة بإثبات النية في الاحتجاز والاعتداء.

أحمد شرح للضابط ما حدث باختصار، بينما اقترب مني أحد المسعفين ليطهر جرح جبهتي ورقبتي. تم تقييد ياسر بالكلابشات الحديدية. وهو يمر من أمامي متوجهاً نحو الباب، لم ينظر إلى الضابط ولا إلى العساكر، بل التفت إليّ، وبنفس الابتسامة المريضة همس بصوت مسموع:

“دوري في المكتبة يا فريدة… ورا كتاب رانيا المفضل.. هتعرفي إنك كنتِ عايشة مع مين.”

اقتادوه إلى الخارج، وتوجهتُ أنا وأحمد إلى قسم الشرطة للإدلاء بأقوالي. قضيتُ بقية الليلة في التحقيقات، أسرد للنيابة كل شيء منذ بداية زواجنا وحتى تلك اللحظة المرعبة في المطبخ. تم تحريز العطور، والمسحوق الأبيض، والمذكرات التي كانت في الدرج المكسور.

بعد انتهاء الإجراءات، صمم أحمد أن آتي معه إلى بيت العائلة. دخلتُ غرفتي القديمة، لكنني لم أستطع النوم. كانت جملته الأخيرة تتردد في أذني كطنين لا ينقطع: “دوري في المكتبة… ورا كتاب رانيا المفضل”.

في تمام الساعة العاشرة صباحاً، وبينما كان أحمد نائماً من أثر تعب الليلة الماضية، وجدتُ نفسي أقوم بحركة لا إرادية. لم يكن عقلي ليهدأ دون أن يغلق هذه الصفحة تماماً. ارتديتُ عباءتي، وخرجتُ من البيت بهدوء دون أن يشعر بي أحد، واستقللتُ سيارة أجرة متجهة إلى شقتي… شقة الرعب.

فتحتُ الباب الخارجي بيد ترتجف. كانت رائحة العطر واللافندر ما زالت عالقة في المكان، ممزوجة برائحة الدماء الجافة والمطهر. شعرتُ بقشعريرة تجتاح جسدي، لكنني تشجعت ودخلت غرفة المكتب.

توجهتُ فوراً إلى مكتبته الكبيرة المليئة بالروايات والكتب الطبية والنفسية. بدأتُ أبحث بعيني عن أي شيء يخص رانيا. تذكرتُ في مذكراته أنه كان يذكر حبها للشعر، وبالتحديد ديوان شعري قديم. لمحتُ الديوان في ركن منزوٍ في الرف العلوي.

سحبتُ الكتاب، وخلفه تماماً، في عمق التجويف الخشبي للمكتبة، وجدتُ علبة معدنية صغيرة مغبرة. سحبتها بسرعة وفتحتها.

داخل العلبة، كان هناك جهاز تسجيل صوتي صغير (ديكتافون) قديم، ومعه شريط كاسيت صغير، وتقرير طبي صادر من مستشفى خاص بتاريخ قديم جداً، قبل زواجنا بثلاث سنوات.

فتحتُ التقرير الطبي أولاً، وقرأت السطور بصدمة جعلت ركبتي تعجزان عن حملي، فسقطتُ على مقعد المكتب. التقرير كان يفيد بدخول المدعوة “رانيا…” إلى المستشفى بحالة تسمم حاد نتيجة جرعة زائدة من نفس المادة المهدئة التي حاول ياسر إطعامها لي بالأمس! والتقرير يشير إلى شبهة جنائية تم حفظ التحقيق فيها وقتها لعدم كفاية الأدلة!

أمسكتُ بجهاز التسجيل، وضغطتُ على زر التشغيل بيد ترتعش كأوراق الشجر في الخريف.

خرج من الجهاز صوت ياسر، لكنه كان أصغر سناً، وبجانبه صوت امرأة تبكي وتتوسل. عرفتُ فوراً أنها رانيا.

كانت رانيا تقول في التسجيل وهي تبكي بصوت متقطع:

“ليه بتعمل فيا كده يا ياسر؟ أنا مش قادرة أتنفس… أنت حطيتلي إيه في العصير؟ حرام عليك أنا وثقت فيك!”

وجاء صوت ياسر، بارداً، حاداً، وخالياً من أي إنسانية:

“عشان ترفضي تسافري معايا؟ عشان عايزة تسيبيني وتطلبي الطلاق؟ أنا قولتلك أنتِ بتاعتي، ومحدش هياخدك مني.. لو مش هتشيلي اسمي وأنتِ عايشة، هتشيليه وأنتِ تحت التراب.. اشربي العصير يا رانيا، اشربيه عشان نفضل مع بعض للأبد…”

انتهى التسجيل بصوت اختناق وسقوط شيء ثقيل على الأرض.

وضعتُ يدي على فمي لأكتم صرخة رعب هزت كياني. ياسر لم يكن مجرد مريض نفسي يحن لزوجته المتوفاة… ياسر كان قاتلاً متسلسلاً، سيكوباتياً، يقتل النساء اللاتي يرفضن الخضوع لملكيته المطلقة! والأخطر من ذلك، أنني أدركتُ الآن أنه لم يكن يحاول تخديري بالأمس لابقائي معه فقط… كان يجهز لي نفس مصير رانيا تماماً لأنني تجرأت وطلبت الطلاق!

وفي تلك اللحظة القاتلة، وبينما أنا مستغرقة في ذهولي والرعب يربط لساني، سمعتُ صوت فتحة الباب الخارجي للشقة تعود لتتحرك ببطء…

تصلبتُ في مكاني، والتسجيل ما زال في يدي. أحمد كان نائماً ولا يعرف أنني هنا، والشرطة تحفظت على ياسر… إذن، من الذي يفتح باب الشقة الآن وبكل هدوء؟

#الكاتب_رومانى_مكرم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *