هوريك دلوقتي بسرعة 1
الجزء الاول
“هوريكِ دلوقتي بسرعة الراجل في البيت ده المفروض كلامه يمشي إزاي!”
قالها كريم بنبرة حادة، وصداها رن في أركان الشقة الضيقة أول ما باب الخشب التقيل اتقفل وراهم، معلنًا نهاية ليلة فرحهم.
بس كان فيه حاجة كريم مايعرفهاش…
أبو سلمى عمره ما ربى بنته على الخوف. رباها وجهزها لليوم ده بالذات؛ اليوم اللي الخوف يدخل فيه بيتها وهو متداري في شكل حب.
الفرح خلص متأخر، زي عادة الأفراح في مصر. الناس مشيت، والكوشة اتفكت، والورد اتوزع على القرايب والجيران، وكل واحد أخد نصيبه من بواقي التورتة في علب كرتون. بس سلمى كان لسه في ودانها صوت الزغاريط والأغاني وكلام الناس اللي مابيبطلش:
“مبروك يا عروسة… خلاص بقيتي ست بيت متجوزة.”
جملة بسيطة في ظاهرها، بس كأنها بتقولها إن إمضتها على قسيمة الجواز معناها إنها لازم تلغي شخصيتها القديمة وتبتدي تبقى حد تاني خالص ما تعرفوش.
طول السكة وكريم ساكت تماماً. وده ماكانش غريب عليه؛ طول عمره بيحب يستخدم السكوت كسلاح يوتر بيه اللي قدامه ويخليهم يلفوا حوالين نفسهم عشان يرضوه ويفتحوا معاه أي كلام. بس سكوته النهاردة كان تقيل ومختلف.. رطوبة أغسطس كانت مخلية الجو خانق، وكأن فيه حاجة جوا صدره مستنية اللحظة المناسبة عشان تنقض.
سلمى كانت حاسة بالتحول ده من وهما لسه في القاعة. كان بيرد مكانها، ويتكلم بلسانها، ولما حد ييجي يبارك لها أو يهزر معاها، كان يمسك دراعها بقوة غريبة، كأنه بيحط عليها ختم ملكية قدام الناس كلها.
اللي يشوفهم من برة يقول دي غيرة حب، أو اهتمام زيادة. بس ستات كتير بيكتشفوا متأخر إن الغيرة المرضية دي مش حب خالص، دي مجرد رغبة في السيطرة وعايز يمتلك اللي قدامه وخلاص.
طلعوا السلم لحد الدور الرابع في عمارة قديمة في شبرا.
روايح الأكل طالعة من تحت الأبواب، وصوت التلفزيونات جاي من بعيد، ورطوبة الصيف كاتمة النفس.
فتح كريم الباب ودخل الأول، وسلمى وقفت ثانية واحدة عند العتبة. بصت لنفسها في مراية الصالة: الروج باهت، الكحل سايح شوية من التعب، وطرف الطرحة البيضاء لسه متثبت بكام دبوس في شعرها.
من جوة المطبخ، سمعت صوت قزازة اتهبدت على الترابيزة، وبعدها جاله صوته الآمر:
— يا سلمى… ادخلي بسرعة.
دخلت وهي مستغربة ومستنكرة طريقته:
— غيري هدومك دي بسرعة، وحضري لنا عشا سخن.
بصت له باستغراب:
— عشا إيه دلوقتي يا كريم؟
— العشا!
قالها بنبرة ناشفة ومالهاش رجعة:
— أنا واقف طول اليوم على رجلي في الفرح، وعايز آكل لقمة عدلة.. مش الأكل الخفيف اللي كلناه هناك.
سلمى قلعت طرحتها بكل هدوء وثبات، طبقتها وحطتها فوق التسريحة. في اللحظة دي بالذات، الخوف ما جاش ناحيتها، جيلها شعور بارد شبه الصدمة، كأن عقلها بيحاول يستوعب: هو ده بجد؟ ولا الخناقة بدأت بدري أوي كده؟
قالت بهدوء:
— إحنا لسه داخلين البيت حالا يا كريم، والأكل كان كتير جداً في الفرح.. متهيألي مش وقت عشا سخن خالص دلوقتي.
كان قاعد على كرسي خشب في المطبخ، فك أول زرارين من قميصه الأبيض، وقدامه كباية مياه وشوية عيش. النور الأصفر الباهت بتاع اللمبة كان ضارب في وشه ومخلي ملامحه قاسية وغريبة، كأنه حد تاني خالص غير اللي عرفته أيام الخطوبة.
رفع عينه وبص لها علطول وقال:
— أنا قولتلك تعملي الأكل.
المشكلة ماكانتش في الكلام، كانت في الطريقة.. النبرة الواطية، الباردة، والواثقة زيادة عن اللزوم. دي النبرة اللي بيجرب بيها أي حد عايز يسيطر حدود اللي قدامه لأول مرة: هترجع لورا وتستسلم؟ ولا هتقف وتواجه؟
في الثانية دي، سلمى رجعت سنين لورا…
لمطبخ بيت أبوها الدافي. ريحة الشاي بالنعناع، وصوت المروحة القديمة وهي بتزن، وإيد أبوها الخشنة والتعبانة وهي بتحط كباية قدامها. أبوها ماكانش من نوع الرجالة اللي بتتكلم كتير، بس كلمته كانت بتفضل محفورة في القلب.
كان دايماً يقولها:
“افتكري يا سلمى.. الحب يعني أمان وراحة. لو الخوف دخل من الباب، الحب بيهرب من الشباك. أوعي في يوم تسمحي لحد يكسر نفسك.”
أبوها ماكانش بيوديها دروس رقص ولا أنشطة بنات، كان بياخدها في إيده كل جمعة لمركز شباب الحي، يعلمها إزاي تعتمد على جسمها وقوتها. وكان دايماً يقولها:
“القوة مش إنك تضربي حد يا بنتي… القوة الحقيقية إن محدش يعرف يذلك أو يستضعفك.”
وعشان التربية دي، سلمى كانت شايفه اللي بيحصل قدامها بوضوح كامل، من غير أي زواق.
كانت عارفة إن النوع ده من الرجالة مابيبدأش بضرب؛ بيبدأ بنبرة آمرة، بعدين منع، بعدين لوم على كل حاجة، لحد ما الضحية تفقد ثقتها في نفسها خالص، وساعتها تيجي الضربة. العنف مابيقتحمش البيوت فجأة، ده بيتسلل خطوة خطوة كأنه صاحب حق.
فهمت سلمى دلوقتي كريم اختار الليلة دي بالذات ليه. ليلة الفرح، الفستان الأبيض، الدبلة الجديدة، والذكريات اللي المفروض تفضل أجمل ليلة في العمر. كان عايزها تكون أول ليلة استسلام ليها عشان يثبت إنه سيد البيت من أول ثانية.
وقف كريم من على الكرسي وقرب منها:
— سمعتي أنا قولت إيه؟
— أيوه.. سمعت.
— أومال واقفة مكانك كأنك تمثال ليه؟
سلمى ماردتش. والسكوت ده جننه أكتر من أي رد؛ لأن اللي عايز يسيطر بيموت في الأعذار والتبرير، وأول ما تسكت قدامه بثقة، حساباته بتلخبط ويبدأ يتوتر.
خد خطوة ناحيتها وهدر بغضب:
— شكل كلامي ماكنش واضح.. وإنتِ شكلِك محتاجة تتربي من أول وجديد!
سلمى بصت له كويس أوي. شافت عروق رقبته المشدودة، وإيده اللي اتقفلت وبقت قبضة قوية، وجسمه وهو بيتحرك ناحيتها كأنه أخد قراره وهيستخدم إيده.
وفي الثانية دي، مرت قدام عينيها كل نصايح أبوها، كل تمرين، كل حركة اتعلمتها في مركز الشباب. تذكرت كلامه: “أوعي تخليهم يفتكروا إن خوفك حق مكتسب ليهم”. حكايات منــال عـلـي
وعرفت إن اللحظة دي هي اللي هتحدد كل حاجة: لو رجعت خطوة واحدة لورا النهاردة عشان تشتري دماغها، هتفضل ترجع طول عمرها.
كريم اندفع ناحيتها بسرعة، كان ناوي يمسك دراعها بعنف أو يكتفها عشان يوريها قوته. بس سلمى كانت خلاص أخدت قرارها. أبوها ماعلمهاش تخاف من القوة، علمها إزاي تفككها وتلعب بيها لصالحها، وعلمها إن الصوت العالي مابيكسبش معارك، الصح هو الحركة الصح في الوقت الصح.حصري على صفحه روايات واقتباسات
ومع خطوة كريم الأخيرة وهو مندفع…
سلمى اتحركت أخيراً.
بس حركتها ما كانتش لورا خالص.
في جزء من الثانية، عيون كريم وسعت من الصدمة، وبدأ يفهم إنه غلط غلطة عمره.. غلطة فادحة مفيهاش رجوع.
بس كان خلاص، الوقت فات.
وأول صوت كسر السكوت المرعب جوة المطبخ…
ماكانش صوت صريخه هو، كان صوت تاني خالص أعلن إن اللعبة اتغيرت!
(يُتبع…) …