مكتوب كتابنا حكايات روماني مكرم الاخير

مر أسبوعان على ذلك اليوم الذي عادت فيه السيارات محملة بـ “الجهاز”. كانت قد عادت كما كانت قبل الخطوبة، لكن البيت لم يعد كما كان. كانت الأجواء محتقنة بالترقب والهمس؛ أمهات أقاربها يتناوبن على زيارة منزلها، يحملن نظرات تتراوح بين المشوب بالفضول، واللوم المبطن على “قرار متسرع” قبل الفرح بأيام معدودة.

كانت ندى تجلس في صمت، تصغى إلى الهمسات التي كانت تصلها من وراء الأبواب المغلقة: “عروسة ترجع حاجتها قبل فرحها بشهر؟”، “كانت تصبر والموضوع كان يعدي!”، “مين هيتقدم لوحدة كتبت كتابها واطلقت قبل الزفة؟”. لكن كل تلك الأسماك الميتة التي سبحت في بحر كلام الناس لم تكن لتهز اليقين الذي استقر في قلبها.

في صباح يوم الثلاثاء، كان الموعد المحدد عند المأذون لإنهاء إجراءات الطلاق الرسمي. جلست ندى في مكتب المأذون الصغير بملابسها السوداء الهادئة، يرافقها والدها وعمها. وبعد دقائق، دخل حسام برفقة والده. كان يبدو عليه الإرهاق، لكن عينيه كانتا تشعان بنوع من التحدي الرخيص؛ رغبة في إثبات أنه هو من “يستغني”، وليس هو من أُقصي بسبب سوء تصرفه.

حاول المأذون، بحكم وظيفته وطبيعته، أن دور : “يا جماعة، ده أبكار وكتب كتاب، شاطر.. الفرح كان فاضل عليه أيام، ما تدوا فرصة ثانية؟”

قبل أن يتكلم والدها، نظرت ندى للمأذون بثبات وقالت: “يا شيخنا، الفرصة بتُعطى للي يغلط في حق أو ، مش للي ينتهك حرمة وحق غيره ويشوف إن الاستقواء فرض واقع. أرجوك كمل الإجراءات.”

نزل كلامها كالصاعقة في الغرفة الصغيرة. نظر إليها حسام بنظرة حادة، ثم قال وهو يوقع على الأوراق بحدة: “أنتِ فاكرة إنك كده كسبتي؟ أنتِ خرجتي من التجربة دي بلقب مطلقة، وشوفي مين هيقبل بيكِ بعد كده دي والتفكير ده!”

رفعت ندى رأسها، ونظرت في عينيه دون أن يطرف لها جفن، وبنبرة خالية تماماً من الانفعال ردت: “لقب مطلقة بشرف وكرامة أحسن ألف مرة من لقب زوجة مكسورة ومستباحة جوة باب مقفول. أنا ما خسرتش يا حسام.. أنا أنقذت نفسي منك، وده أكبر مكسب طلعت بيه.”

وقّع الجميع، وأمسكت ندى بورقة طلاقها. لم تشعر بالانكسار وهي تمسك بتلك الورقة ذات الإطار الأسود، بل شعرت وكأنها شهادة ميلاد جديدة تُكتب لها، قسيمة إفراج عن مستقبلي كان يتجه نحو الهاوية.

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *