عروسة جديدة 3

ساد صمت مهيب في الصالة بعد كلمات والدي التي نزلت كالصاعقة على رؤوس الجميع. كان والدي يقف شامخاً، يوزع نظراته الحادة بين حازم المربك، وطارق الذي يغلي غضباً، وسمر التي بدأت تتلوى كالأفعى بحثاً عن مخرج بعدما تحول الأمر إلى مواجهة بين رجال وعائلات.

تقدم شقيقي أحمد خطوة نحو حازم، وكانت عروق يده بارزة وهو يشير إلى أثر القلم على وجهي، وقال بنبرة هادرة زلزلت أركان المكان: “أنا عايزك تبص في عيني هنا يا حازم! الكف اللي انضربت بيه أختي ده، ورب العزة هتدفع تمنه غالي أوي. إحنا جوزناك بنت ناس، متربية في بيت أصول، لا انضربت من أبوها ولا من أخوها، تيجي أنت في أول خمس شهور تمد إيدك عليها؟! وبسبب إيه؟ بسبب كدبة من واحدة ناقصة؟!”.

حازم حاول أن يستجمع شجاعته الزائفة ويظهر بمظهر الرجل الذي يدافع عن شرفه، فقال بصوت مرتعش: “يا عمي.. يا أحمد.. الموضوع مش موضوع قلم! الهانم أختكم واقفة في الصالة وعينها من أخويا طارق، ومراته كشفتهم قدامي! أنا راجل ومقبلش على نفسي الدياثة، ولما دخلت وسمعت سمر بتصرخ وتكشفها، عيني عمت ومادريتش بنفسي!”.

هنا لم يتمالك طارق نفسه، فاندفع نحو حازم وضربه بقبضة يده في صدره وهو يصرخ بجنون: “اخرس يا جاهل! اخرس قطع لسانك ولسان مرتك! أنت لسه بتعيد الكلام المقرف ده قدام حماك؟! يا عمي، ورب المصحف البنت دي مظلومة وطاهرة، سمر هي اللي مريضة وبتتبلى عليها عشان أنا طلبت من سمر فنجان قهوة ورفضت بقلة أصل، فمرات أخويا عملتهولي بذوق واحترام، قامت سمر قلبت الدنيا وعملت الفتنة دي عشان تداري على خيبتها!”.

التفت والدي نحو سمر، التي كانت تحاول الاختباء خلف حازم، ونظر إليها بنظرة جعلت ركبها ترتجف، وقال لها بصوت هادئ لكنه يحمل تهديداً يهد الجبال: “انتي بقا يا سمر اللي طعنتي بنتي في شرفها؟ انتي اللي رميتي عِرض عروسة ملهاش خمس شهور في البيت؟ قوليلي بقا.. إيه دليلك؟ إيه اللي شفتيه يخليكي تخرجي من بوقك كلام يودي في داهية ويخرب بيوت؟!”.

تعلثمت سمر وحاولت المراوغة وهي تبكي بصوت عالٍ: “يا عمي.. أنا.. أنا بشوف نظرات.. وبشوفها بتدخل المطبخ كل ما طارق يكون موجود.. والسباكة الأسبوع اللي فات..”.

لم تكد تكمل جملتها حتى اندفع أحمد شقيقي نحوها، لكن والدي حجز بيده وقال بحسم: “استنى يا أحمد”. ثم التفت والدي إلى طارق وقال له: “يا طارق يا ابني.. أنت راجل البيت الكبير هنا، والسباكة اللي مرتك بتتكلم عنها دي كانت طافحة في العمارة كلها والكل عارف. لكن سمر مش بس بتكذب، سمر في قذارة في قلبها من ناحية بنتي من يوم ما دخلت البيت ده، وأنا عارف السبب اللي حازم نفسه ما يعرفوش!”.

انعقدت الحواجب، والتفت حازم نحو والدي بوجوم واستغراب، وقال: “سبب إيه يا عمي؟ أنت تقصد إيه؟!”.

نظر والدي إلى حازم بنظرة شفقة وازدراء في آن واحد، وقال: “أقصد إن مرتك المصونة سمر، قبل ما نخطب بنتي ليك بـثلاث شهور، كانت جايبة أختها المطلقة وعايزة تجوزها لطارق أخوك لما كان بيفكر يجدد، ولما طارق رفض وقال أنا مستريح مع مراتي، سمر حطت في دماغها إنها تسيطر على البيت كله. ولما جيت أنت خطبت بنتي والكل فرح بجمالها وأصلها، سمر غارت! غارت لأن بنتي دخلت البيت ده بكرامتها وفرحتها، فكانت عايزة تكسرها من أول يوم!”.

وقع الكلام على حازم كالصاعقة. التفت ببطء نحو سمر، التي شحب وجهها تماماً واهتزت نظراتها، وبان الكذب والخوف في عينيها. صرخ فيها حازم بصوت زلزل العمارة: “الكلام ده صح يا سمر؟! أنتِ كنتِ عايزة تجوزي أختك لطارق؟ وأنتِ اللي بتألفي الحكاية دي كلها من غلك؟!”.

بدأت سمر تتراجع وتصرخ بانهيار: “لا يا حازم متصدقوش! دول بيلفوا عليك الكلام عشان يطلعوا بنتها بريئة! أنا مش كدابة!”.

في تلك اللحظة، تقدمتُ أنا ووقفت أمام حازم مباشرة، ونظرت إلى الكف الذي ضربني به، وقررت أن ألقي بالقنبلة التي ستنهي كل شيء في هذا الجزء. أخرجتُ هاتفي المحمول، وفتحتُ تسجيل الصوتي، وقلت له بجفاء: “أنا مكنتش هقول الكلام ده عشان مكنتش عايزة أخرب بيت طارق وأبين له حقيقة مراته، لكن بعد ما مدة إيدك عليا وشكيت في شرفي، اسمع يا حازم.. اسمع مرتك المحترمة كانت بتقولي إيه في المطبخ من أسبوعين لما كنا لوحدنا!”.

ضغطتُ على زر التشغيل، فخرج صوت سمر واضحاً من الهاتف وهي تقول لي بخبث وتهديد: *(لو مفكرتش نفسك هتكوشي على حب العيلة هنا يا عروسة تبقي غلطانة.. أنا هنا الكل في الكل، وطارق وحازم بيمشوا بكلمتي، وأنا قادرة في ثانية واحدة أقلب حازم عليكي وأخليه يطلقك ويرميكي بره البيت ده، وأهو فنجان قهوة ولا نظرة كفيلة تخليه يشك فيكي ويطردك!)*.

انتهى التسجيل، وساد المكان صمت كصمت القبور. التفت حازم نحو سمر وعيناه تشتعلان بنيران الجحيم، بينما تراجع طارق وهو ينظر لزوجته بقرف واشمئزاز لا حدود له.

#الكاتب_رومانى_مكرم

يا ترى حازم هيتصرف إزاي مع سمر بعد ما سمع صوتها وهي بتخطط لخربان بيته وبتعترف بنيتها؟ وإيه اللي هيعمله طارق مع مراته؟ وأنا وأهلي هناخد حقي إزاي من حازم بعد ما بان حقدي وبراءتي؟

ارتدّ الصوت من الهاتف ليعيد رسم ملامح الوجوه في الصالة؛ سمر التي كانت تتلوى بالأكاذيب، تجمدت أطرافها وشحب وجهها كالموتى، بعد أن حاصرها صوتها المسجل وهي تخطط بدم بارد لهدم البيت.

وقع التسجيل على حازم كأنه سوط يجلد كبريائه وغباءه. التفت ببطء نحو سمر، وكانت أنفاسه تخرج محشرجة، وعيناه تشتعلان بنار الندم والغل. تقدم نحوها بخطوات ثقيلة مرعبة، وصرخ بصوت شرخ جدار الصمت: “أنتِ؟! أنتِ تطلعي بالوساخة دي كلها؟! تخليني أمد إيدي على مراتي وأشك في أخويا ابن أبويا وأمي عشان غلك وعقدك؟! أنتِ مش بني آدمة، أنتِ شيطان!”.

قبل أن تفتح سمر فمها بكلمة اعتذار أو محاولة مراوغة جديدة، اندفع نحوها حازم، لكن طارق سبقه بقوة. جذب طارق زوجته سمر من ذراعها بعنف هز كيانها، ونظر في عينيها بنظرة تقطر قرفاً واشمئزازاً وقال بصوت حاد كالسكين: “كنت شاكك فيكي وفي سواد قلبك من زمان، بس مكنتش أتخيل إن قذارتك توصل لطعن الأعراض وتخريب بيوت إخواتي! اجهزي يا سمر، عشان اليمين اللي قولته من شوية مش هيرجع فيه راجل.. أنتِ طالق بالتلاتة، وورقتك هتوصلك على بيت أهلك، ومش عايز أشوف وشك في البيت ده دقيقة واحدة!”.

صدمة سمر بالطلاق جعلتها تصرخ بانهيار وتبكي حقيقةً هذه المرة، محاولةً التشبث بملابس طارق: “يا طارق سامحني! أنا كنت بغيظها بس، مكنتش أقصد أخرب البيت! يا حازم قول لأخوك!”. لكن طارق نفضها عنه بعنف، ودفعها نحو غرفتها لتجمع أشيائها وسط بكائها وعويلها الذي ملأ منور العمارة.

هنا، التفت حازم نحوي ونحو والدي وأخي أحمد. انطفأت نيران غضبه وحلت محلها ذلة الانكسار والخزي. نظر إلى والدي وعيناه ممتلئتان بالدموع، وتقدم بخطوات مرتجفة، وحاول أن يمسك بـيد والدي ليقبلها وهو يقول بنبرة مخنوقة: “سامحني يا عمي.. أنا غبي.. الشك عَمى عيني والشيطان دخل بيننا.. أنا مستعد أعمل أي حاجة ترضيكم، بس سامحوني!”.

لكن شقيقي أحمد دفعه في صدره بعنف وقال بلهجة حاسمة: “ابعد عن أبويا! الكف اللي ضربته لأختي مش هيمسحه كلمتين ندم. أنت مصدقتش مرتك، ومسمعتش منها، وهنتها قدام الكل. إحنا مش شاريين راجل يمد إيده مع أول هبة ريح!”.

وقف والدي بكل هيبته، وأشار إليّ وإلى أحمد وقال بصوت رصين قوي لا يقبل النقاش: “خلاص يا حازم.. الكلام خلص. بنتي دخلت البيت ده معززة مكرمة، وخمس شهور يظهر فيهم طبعك ويمد إيدك عليها، يبقى مفيش قعاد. بنتي هتيجي معايا، والشرع والقانون بيننا.. يلا يا بنتي”.

مشيتُ بجوار والدي وأخي وأنا مرفوعة الرأس، تاركةً وراءه بيتاً يملؤه الندم والخراب. التفتُّ للمرة الأخيرة، فرأيتُ حازم واقفاً في منتصف الصالة، يمسك خده الذي رددتُ عليه القلم، ويبكي بدموع العجز والندم بعد أن خسر كل شيء في ليلة واحدة.

#الكاتب_رومانى_مكرم

يا ترى حازم هيسكت على خروج العروسة من البيت وهي معاها حقها بالدليل، ولا هيحاول يرجعها بأي طريقة حتى لو وصل الأمر لتدخل كبار العائلات؟ وإيه اللي هيحصل لسمر بعد ما انطردت واتطلقت؟

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *