عيال جوزى حكايات صافي هاني 1
عيال جوزي حطوا عينهم في عيني وقالوا لي: “مش أنتِ اللي ربتينا.. بلاش تعيشي الدور.” من ساعتها وأنا اختفيت تماماً، مبقتش أظهر في حياتهم، ولا بدفع مليم في فواتيرهم، ولا حتى برد على مكالماتهم. ولما فجأة سألوا أنا رحت فين، أمهم الحقيقية كانت عارفة الإجابة كويس أوي.
أنا اسمي كريمة، وبقالي اتناشر سنة بعمل كل اللي المفروض الأم تعمله، من غير ما يكون من حقي حتى أنطق الكلمة دي.
لما اتجوزت جلال، عياله كان عندهم تمن وعشر سنين. ليلى كانت لسه سنتها قاطعة وشنطة مدرستها أكبر من جسمها. وحازم كان دايماً حاطط إيده في جيوب الجاكيت ومقفل على نفسه، وبيبص لي كأني غريبة داخلة تسرق بيتهم. أمهم، ولاء، كانت لسه عايشة وقاعدة في نفس المنطقة، ولسه برضه بتديهم وعود مبتنفذش منها حاجة.
فعشان كده، بقيت أنا الظهر والسند اللي دايماً موجود.
كنت بحضر اللنش بوكس لما جلال ينزل لشغله قبل الفجر. كنت بقف بالساعات في عز البرد أتابع تمارين الكورة بتاعة حازم وإيدي مثلجة. حفظت مواعيد دوا الحساسية بتاع ليلى. أنا اللي كنت بودي المدرسة، ودكاترة السنان، وأعياد الميلاد، والمستشفيات، ولفيت معاهم على الكليات. ولما شغل جلال في المقاولات كان هيقع والبيت هيتخرب، طلعت تحويشة عمري وسددت أقساط البيت عشان نستر نفسنا. ولما ولاء كانت بتطنش مصاريف المدرسة، كنت بدفعها من جيبى. ولما حازم احتاج مدرس خصوصي، أنا اللي جبتهاله. ولما ليلى عازت تشترك في كورس رسم غالي، مضيت الشيك وقلت لها “ده تعبك ومجهودك يا حبيبتي”.
عمر ما طلب منها يقولوا لي “يا ماما”، كل اللي كنت طالباه هو الأصول والاحترام وبس.
كل ده انتهى في يوم جمعة على طبلية الغدا في بيتنا في التجمع.
حازم بقى عنده اتنين وعشرين سنة، راجع من الجامعة، طول بعرض ولسانه ينقط سم. وليلى بقت عشرين سنة، بتتكلم بثقة وبشياكة مصطنعة كأنها مسمعة الكلام. ولاء كانت قاعدة جنبهم، بتبتسم وهي بتشرب عصيرها. وجلال كان بيقطع الفراخ على رأس الترابيزة، وبيعمل نفسه مش واخد باله من التنشنة والنظرات اللي مالية الأوضة.
كنت لسه بفكر حازم إن قسط تأمين العربية ميعاده جه، ومحتاجة منه الرخص الجديدة.
راح رامي الشوكة من إيده.
وقال: “أنتِ مش محتاجة مني حاجة.”
برقت له وقلت: “نعم؟ بتقول إيه؟”
ليلى ربعت إيدها ورجعت لورا وقالت: “أنتِ دايماً بتعملي كده.. بتعيشي الدور وتتعاملي كأنك أمنا.”
الدنيا اسودت في وشي والأوضة هديت تماماً.
بصيت لجلال.. متحركش من مكانه.
حازم بقّه اتلوى وقال: “مش أنتِ اللي ربتينا.. بلاش تعيشي الدور.”
الكلمة نزلت عليا زي السك..ينة. لا كانت بزعيق ولا دراما.. كانت رصاصة وخلصت.
ولاء بصت في الأرض، بس كانت بتداري ضحكتها.
#حكايات_صافي_هاني
طبقت المنديل وحطيته جنب الطبق وقلت: “يعني هو ده شعوركم ناحيتي؟”
ليلى هزت كتافها: “أنتِ كنتِ بتساعدي بابا.. ده موضوع تاني.”
وحازم زود عليها: “أنتِ اللي اخترتِ تعملي كده، إحنا مطلبناش منك حاجة.”
جلال أخير نطق وقال: “يا كريمة، كبري دماغك متعمليش من الحبة قبة.”
وقفت على حيلي.
ولأول مرة من اتناشر سنة، مبررتش، معيطتش، ومترجيتهمش يفتكروا لي لقمة عيش وملح. طلعت فوق، لميت شنطة هدوم واحدة، وأخدت دوسيه حساباتي البنكية، ومشيت قبل ما يحلوّوا.
يوم السبت الصبح، حساب مصاريف الكلية اتجمد. تأمين عربية حازم اتلغى. شيك كورس الرسم بتاع ليلى سحبته قبل ما يتصرف. والفيزا المشتركة اللي كنت بدفع منها قفلتها خالص.
بعد تلات أيام، ليلى بعتت لي رسالة: “أنتِ رحتِ فين؟”
مردتش عليها.
أمهم كانت عارفة الإجابة كويس.
#حكايات_صافي_هاني
يتبع في التعليقات ♥❤❤🌹🌹🌹🌹🌹
مرت الأيام وكأنها نزع جلد قديم؛ مؤلم لكنه ضروري. انقطعتُ تماماً في شقة قديمة ورثتها عن والدتي في مصر الجديدة، مكان لم يكن يعلم عنه جلال أو أولاده شيئاً، جلستُ هناك أراقب الانهيار الصامت لإمبراطورية “الدلع” التي بنيتها لهم على حساب صحتي وأعصابي وفلوسي.
بعد أسبوع كامل من الاختفاء، بدأت الهواتف تشتعل، لم تكن اتصالات حب أو قلق، بل كانت اتصالات حنفية الأموال التي جفت.
كنت أجلس في شرفتي أرتشف كوباً من الشاي الدافئ حين رنّ هاتفي للمرة العشرين، وكان المتصل هذه المرة هو جلال نفسه، قررتُ أن أرد، ليس ضعفاً، بل لأضع النقاط فوق الحروف.
”جرى إيه يا كريمة؟ بقالك أسبوع قافلة تليفونك وسايبة البيت؟ والنهارده حازم كلمني من التوكيل قالب الدنيا عشان تأمين العربية اتلغى والبوليس وقفه! وليلى بتعيط برضه لأن شيك الكورس اترفض والجامعة بتبعت إنذارات بمصاريف التيرم الثاني اللي وقفتيها فجأة! إيه شغل العيال ده؟”
تنحنحتُ بهدوء، وأخذتُ رشفة من شايي، وقلت بنبرة باردة لم يعهدها مني طوال اثني عشر عاماً: “شغل عيال؟ مش عيالك دول برضه اللي قالوا لي إني كنت بساعدك أنت بس، وإنهم مطلبوش مني حاجة؟ أنا ببساطة نفذت رغبتهم. رفعت إيدي عن حياة ناس غريبة ماليش صفة معاهم.”
”بس الفلوس دي إحنا ماشيين بيها حالنا يا كريمة! الشراكة اللي بيننا والبيت…”
قاطعته بقسوة لأول مرة في حياتي: “البيت اللي سددت أقساطه من تحويشة عمري مسجل باسمك واسمي مناصفة يا جلال. وأنا رفعت دعوى فض شركة وتصفية حسابات.. يعني البيت ده هيتباع، وكل واحد ياخد حقه. خليهم بقى يوروني مين هيشيل فواتير عيشة التجمع.”
أغلقتُ الخط في وجهه دون أن أنتظر رده، تاركة إياه يغرق في حقيقة أن الست الطيبة التي كانت تشتري رضاهم بدم قلبها، قد ماتت.
في المقابل، كانت ولاء، أمهم الحقيقية، تعيش أسوأ كوابيسها. لسنوات طويلة، كانت ولاء هي الأم الروتينية التي تأتي لتأخذ اللقطة؛ تشتري لهم ملابس براندات في الأعياد من أموال نفقتها، وتجلس في المطاعم الفخمة لتلتقط الصور معهم، تاركة لي الطبخ، والغسيل، والمذاكرة، ودفع الفواتير الكارثية. حين اختفيتُ أنا، لجأ الأولاد لولاء بطبيعة الحال لتنقذهم. ليلى ذهبت إليها باكية: “مامي، محتاجة خمسين ألف جنيه فوراً عشان كورس الرسم ومصاريف الكلية”، وحازم قال لها: “أمي، عربيتي محجوزة محتاج أدفع الغرامة والتأمين الجديد”. ولاء التي لا تملك سوى مظهرها الاجتماعي، وجدت نفسها فجأة مطالبة بدور الأم الحقيقية الذي يتطلب دفع مئات الآلاف، وليس مجرد جمل حب زائفة على فيسبوك.
بعد أسبوعين من الاختفاء، اضطررتُ للذهاب إلى فيلا التجمع بصحبة المحامي الخاص بي، لإحضار بقية أوراقي الرسمية وبعض متعلقاتي الشخصية قبل أن تبدأ إجراءات بيع الفيلا قانونياً. لم أكن أتوقع أن أجد العائلة كلها مجتمعة، ومعهم ولاء!
الأجواء داخل الصالة كانت مشحونة. ليلى كانت تجلس وعيناها حمراوان من البكاء، وحازم يدور في الصالة كالمجنون، وجلال يجلس واضعاً رأسه بين يديه، بينما ولاء واقفة تصرخ فيهم وتلوح بشنطتها الفاخرة. حين فتحتُ الباب بالمفتاح ودخلت بصحبة المحامي، ساد صمت رهيب.
خطى حازم نحوي بغضب اندفاعي: “أنتِ إزاي تعملي كده؟ دمرتِ مستقبلي ومستقبل أختي عشان كلمتين اتقالوا وقت نرفزة؟ أنتِ طلعتِ أنانية ومبتفكريش غير في نفسك!”
قبل أن أنطق بكلمة، تحركت ولاء من مكانها ووقفت بيني وبين حازم. كانت ملامحها شاحبة، والماكياج على وجهها يسيل من فرط التوتر. نظرتْ إليّ بعينين مليئتين بالغل والإنكسار في آن واحد، وقالت بصوت مسموع هز جدران الصالة: “بس يا حازم! اخرس خالص أنت وأختك!”
التفتتْ إليّ، واقتربت حتى أصبحت أنفاسها قريبة من وجهي، وقالت بنبرة فيها رجاء مرير ممزوج بالتهديد: “كريمة.. أنتِ فاكرة نفسك ذكية لما سحبتِ الفلوس واختفيتِ عشان تذلينا؟ لاء يا حبيبتي. لو فاكرة إنك باللي عملتيه ده هتخليني أشيل شيلتك وتبهدليني مع عيالي وتبوظي حياتي الجديدة.. تبقي غلطانة! أنا مش هدفع ليهم مليم واحد، والجامعة دي هيقعدوا منها لو مدفعتيش!”
نظرتُ إليها ببرود وقلت: “والمطلوب؟”
هنا، التفتت ولاء لجلال ولأولادها، ثم نظرت لي وابتسمت ابتسامة خبيثة، وطلعت من حقيبتها ورقة مطوية، ورمتها على الطاولة أمام المحامي، وقالت الكلمة التي وقعت كالصاعقة على الجميع: “المطلوب إنك ترجعي تدفعي غصب عنك يا كريمة.. لأن الورقة اللي قدامك دي تثبت إن جلال كاتب لك الفيلا دي والشركات من زمان ‘بيع وشراء صوري’ عشان يهرب من الضرائب ونفقتي القديمة.. والورقة دي معايا أنا! يعني أنتِ مش بس هتدفعي مصاريف عيالي.. أنتِ لو مشيتِ، هسجنك أنتِ وجلال بتهمة التزوير والنصب العقاري، والسر اللي مخبينه عن العيال من ١٢ سنة.. حان الوقت إنه يتفتح للعلن!”
تصلب حازم في مكانه، وبص لجلال بصدمة: “بابا؟! يعني إيه الكلام ده؟ يعني كريمة مش بتصرف علينا من جيبها؟ دي فلوسنا إحنا اللي كانت مخبياها عننا؟!”
وقع نظري على جلال الذي انهار تماماً وجلس على ركبتيه في الأرض ووجهه في التراب.. بينما المحامي بتاعي مسك الورقة، وبص لي وعينيه واسعة من الصدمة وهز رأسه بالإيجاب!