الملياردير اتهم الخدامة

الملياردير اتهم الخدامة… لحد ما لعبة ابنه سجلت صوت الست اللي كان ناوي يتجوزها

الجزء الأول

أول كلمة قالها آدم بعد ما فاق في المستشفى ما كانتش:

“بابا…”

ولا حتى:

“أنا بتوجع.”

أول حاجة قالها كانت:

“فين ندى؟”

وقف كريم عزام جنب سرير ابنه الوحيد، هدومه لسه عليها بقع ډم، والكرافتة مفكوكة، وعينيه مليانة خوف عمر الفلوس ما قدرت تشتري له علاج.

طول عمره كان بيعرف يحل أي أزمة.

يشتري شركات.

يقفل قضايا.

ويدفن أي ڤضيحة قبل ما توصل للصحافة.

لكن ولا كل نفوذه قدر يهيأه إنه يشوف ابنه، اللي عنده ست سنين، نايم على سرير مستشفى، وشه شاحب، دراعه متجبس، وكدمة بنفسجية مالية جنب راسه.

قرب منه وهمس:

“يا حبيبي… أنا هنا.”

آدم فتح عينه بالعافية.

وشفايفه اترعشت.

وقال:

“ندى… معملتش حاجة.”

الأوضة كلها سكتت.

في آخر الأوضة، ياسمين فؤاد رفعت راسها ببطء.

خطيبته.

لابسة بالطو شيك بلون أوف وايت.

وشعرها متظبط.

ودبلة الألماس بتلمع تحت نور المستشفى.

ورغم إنها قعدت أكتر من تلات ساعات في الطوارئ…

كانت باينة كأن الفوضى معدتش عليها.

بص كريم لابنه…

وبعدين لياسمين…

ورجع بصله تاني.

“معملتش إيه؟”

آدم حاول يتكلم.

لكن الۏجع ظهر على وشه.

وجهاز المراقبة بدأ يطلع صوت أسرع.

قالت ياسمين بهدوء:

“بلاش تضغط عليه.”

“الدكتور قال إن الارتجاج ممكن يخليه مشوش.”

كريم كان نفسه يصدقها.

كان محتاج يصدقها.

لأن البديل…

كان أسوأ بكتير.

من ساعة ونص بس…

كان القصر في التجمع الخامس عادي جدًا.

آدم كان فوق في أوضته.

مع لعبة التسجيل الحمرا اللي ما كانتش بتفارق إيده.

من يوم ما ندى، المربية ومدبرة البيت، قالت له:

“لو سجلت صوتك، هتفضل فاكر كل الحكايات اللي بتحبها.”

أما كريم…

فكان في مكتبه بيكلم محاميه.

وياسمين كانت بتجهز عشان حفلة خيرية.

وفجأة…

دوّى صړيخ.

مش طويل.

ولا عالي.

صړخة قصيرة…

وبعدها صوت خبط جسم صغير في الرخام.

كريم جري.

ولما وصل للسلم…

لقى ابنه مرمي تحت.

جسمه متني بطريقة خوّفته.

وساكت…

بشكل مش طبيعي على طفل عمره ما كان بيقعد ثابت.

ندى كانت راكعة جنبه.

إيديها بتترعش.

وپتبكي وهي بتهز فيه.

“آدم…”

“بصلي يا حبيبي…”

“ارجوك افتح عينك.”

في اللحظة دي…

ياسمين نزلت من فوق.

وحطت إيدها على بقها.

وقالت:

“إيه اللي حصل؟”

ندى رفعت وشها.

وشها كان أبيض.

“معرفش…”

“سمعته وقع…”

“وجريت عليه.”

سألتها ياسمين بصوت هادي…

لكن كلامها وقع زي السکينة.

“كنتي فين؟”

ندى ردت بسرعة:

“في أوضة الغسيل.”

“كان بيلعب فوق.”

“قال إنه عايز يوريني حاجة.”

بعدها…

كل حاجة بقت مشوشة.

الإسعاف.

المسعفين.

أبواب العربية وهي بتتقفل.

ندى ماسكة إيد آدم.

لحد ما ياسمين قالت:

“دلوقتي محتاج أبوه.”

واتقفلت العربية.

وسابت ندى واقفة قدام البيت…

حافية.

لأنها جريت من غير حتى ما تلحق تلبس الجزمة.

في المستشفى…

الخۏف اتحول لاتهام.

ياسمين قالت إن ندى كانت لازم تراقبه.

الدكاترة سألوا مين كان مسؤول عنه.

والظابط كتب اسم ندى في المحضر.

أما كريم…

فمن شدة الخۏف والڠضب…

عمل أغبى حاجة ممكن يعملها.

بص لندى…

كأنها هي السبب.

ودلوقتي…

آدم كان صاحي…

وبيكرر نفس الجملة.

“ندى… معملتش حاجة.”

ابتسمت ياسمين ابتسامة هادية وقالت:

“يا حبيبي… محدش زعلان من ندى.”

كريم لف ناحيتها بسرعة.

“ياسمين.”

قالت وهي بتتنهد:

“أنا بس بحاول أحميه.”

“هو متعلق بيها جدًا.”

“الأطفال ساعات بيدافعوا عن الناس اللي بيحبوهم.”

آدم لف وشه بعيد عنها.

كريم لاحظ.

لأن ابنه طول عمره كان بيعامل ياسمين بأدب…

لكن أول مرة…

يبعد عنها بالشكل ده.

قرب كريم من ابنه.

وقال بهدوء:

“احكيلي يا بطل.”

“فاكر إيه؟”

آدم بص ناحية الترابيزة.

كانت لعبة التسجيل الحمرا موجودة.

اتخربشت من الوقعة.

وعليها استيكر صاروخ مائل…

ندى هي اللي كانت ساعدته يلزقه.

همس:

“المسجل…”

كريم مسكه.

“ده؟”

آدم هز راسه.

لكن قبل ما يتكلم…

الدكتور دخل.

وكشف عليه.

وقال تعليماته.

ارتجاج بسيط.

والجبس هيفضل كام أسبوع.

وقال الجملة اللي خلت كريم يحس بالسخرية.

“الحمد لله… الطفل محظوظ.”

محظوظ؟

إزاي؟

بالليل…

الأوضة هديت.

آدم نام.

وياسمين كانت قاعدة بتبص في موبايلها.

أما كريم…

فخرج برا الأوضة.

ولقى ندى قاعدة لوحدها قدام ماكينة المشروبات.

لابسة نفس الكارديجان الرمادي.

وعنيها وارمة من العياط.

ندى كانت مع آدم من وهو عنده تلات سنين.

بعد ۏفاة مراته مريم فجأة.

كانت هي اللي ربته.

علمته أسماء الديناصورات.

وشالت هم حزنه.

ولما كان يعيط على أمه…

كانت تقعد جنبه على الأرض في أوضة الغسيل…

وتسيبه يعيط في حضنها…

من غير ما تخلي أبوه يسمع.

كريم كان عارف كل ده.

ومع ذلك…

لما رفعت ندى عينها وبصت له…

ما عرفش يبصلها.

قالت بصوت واطي:

“يا فندم…”

“ممكن أشوف آدم؟”

قال:

“نايم.”

“هقف دقيقة بس.”

“مش هصحيه.”

مسح كريم وشه بإيده.

وقال:

“أنا محتاج أفهم حصل إيه.”

وشها اتغير.

ۏجع.

وبعدين صدمة.

“أنا قلت لحضرتك.”

“كنت في أوضة الغسيل.”

“وآدم كان فوق.”

“وسمعت صوت مدام ياسمين…”

“وبعدين سمعت آدم پيصرخ.”

كريم وقف مكانه.

“صوت ياسمين؟”

ندى قامت.

“يمكن أكون غلط.”

“كل حاجة حصلت بسرعة.”

“بس أنا متأكدة إني سمعت…”

قاطعها بعصبية:

“متأكدة؟”

ندى اتخضت.

وفي اللحظة دي…

طلع صوت ياسمين من وراه.

“كريم.”

لف ناحيتها.

كانت واقفة وإيديها متشابكة.

وقالت:

“ممكن أكلمك؟”

ندى بصتلهم وقالت:

“أرجوك…”

“ماتخلوش حد يلبسني اللي حصل…”

“قبل ما آدم يحكي الحقيقة.”

ياسمين تنهدت وقالت:

“يا ندى…”

“محدش عايز يظلمك.”

“بس طفل كان ھيموت النهارده.”

وش ندى اتهز…

لكن صوتها فضل ثابت.

“وأنا أول واحدة حضنته…”

“لما كان مش قادر يتنفس.”

قربت ياسمين خطوة.

وقالت وهي بتبص في عينيها:

“طيب… كنتِ فين بالظبط قبل ما يقع؟”

ندى ما نزلتش عينيها من عين ياسمين، كانت نظرة تحدي ممزوجة بۏجع، وقالت بصوت هادي بس ثابت: “كنت في أوضة الغسيل زي ما قلت للمحضر، كنت بخلص لبس آدم اللي كان محتاجه للرحلة بتاعته بكرة. مدام ياسمين، حضرتك كنتِ في الجناح بتاعه، أنا شفتك طالعة من عنده قبل ما أسمع الصوت بدقيقة واحدة.”

ياسمين ضحكت ضحكة خفيفة، ضحكة مليانة ثقة، وبصت لكريم وقالت: “كريم، أنت عارف إن آدم بيحب يتنطط، وأنا كنت طالعة عشان أقوله يبطل لعب عشان يلحق ينام. لقيت ندى مش موجودة، وآدم كان بيجري في الطرقة. نبهته وقلتله بالراحة، ونزلت عشان أشوف الترتيبات اللي ناقصة للحفلة.. ده كل اللي حصل.”

كريم كان حاسس بصداع نصفي بيفتت دماغه. ندى خادمة بقالها سنين، عمرها ما كذبت، وياسمين… ياسمين خطيبته اللي اختارها عشان تكون أم لآدم، ست أنيقة، مثقفة، ومن عيلة كبيرة. مين فيهم اللي بيحاول يداري غلطته؟

سابهم كريم وفتح باب الأوضة ودخل بهدوء، ياسمين دخلت وراه وهي بتحاول تمسك إيده، بس هو سحب إيده ببطء وقعد على الكرسي اللي جنب السرير. بص لآدم، وبص للعبة التسجيل الحمراء اللي كانت مرمية على الكومودينو.

آدم كان بدأ يتململ، فتح عينه ببطء، ولما شاف أبوه، بدأت دموعه تنزل.

كريم وطى جنبه وقال بصوت واطي: “آدم، حبيبي.. بابا محتاج يعرف الحقيقة. مش عشان أعاقب حد، بس عشان أطمن.”

آدم مسك إيد أبوه بأيده السليمة، وبص لياسمين اللي كانت واقفة بعيد شوية، ملامحها هادية بس عينيها فيها نظرة “أوعى تتكلم”. آدم خاف. الطفل الصغير حس إن ياسمين “كبيرة” ومسيطرة، وأبوه مشغول.

كريم لاحظ نظرة ابنه، فرفع لعبة التسجيل وقال: “دي كانت معاك؟”

آدم هز راسه.

“كانت بتسجل؟” سأل كريم.

آدم غمض عينه بضعف: “هي دايمًا بتسجل الحكايات.. ندى قالتلي إنها بتحفظ الأوقات الحلوة.”

كريم داس على زرار التشغيل بصباعه. الصوت كان مشوش. ضوضاء، صوت خطوات، وبعدين…

صوت ياسمين. مش زي ما كانت بتتكلم دلوقتي، كان صوتها حاد، مشحون پغضب مكبوت:

“قلتلك مليون مرة، اللعبة دي تقرفني! ارميها دي، أنت طفل صغير ولازم تتعلم إن فيه حاجات في البيت ده مش مسموح بيها.”

كريم اتجمد. صوته طلع مخڼوق: “دي ياسمين؟”

ياسمين اتغير لون وشها، وخطت خطوة قدام وقالت بتوتر: “أنا… أنا كنت بكلمه عن التربية. أكيد الصوت ده قديم.”

كريم ما ردش، كمل استماع.

صوت آدم: “لا يا طنط ياسمين، ندى قالتلي إنها بتسجل الحكايات.. سيبيني في حالي!”

صوت خبطة. تليها صوت زعيق ياسمين: “أنت بتبجح فيا؟ ندى مين اللي بتملى دماغك؟ ندى دي مكانها المطبخ، مش تربيتك!”

كريم حاسس بقلبه پيتحرق. كمل.

صوت آدم پيصرخ: “أنا هقول لبابا!”

صوت حركة عڼيفة، صوت صړخة خنقة لآدم: “اوعى تقرب مني!”

صوت خبطة قوية في الرخام، وبعدها صوت ياسمين وهي بتنفخ بضيق: “يا غبي.. وقعت نفسك؟ قوم… قوم بسرعة قبل ما حد يجي!”

الأوضة بقت مېتة تماماً.

جهاز المراقبة بدأ يصفر بسرعة، وآدم اڼفجر في العياط من الړعب والۏجع.

كريم وقف.

ما كانش غاضب. كان في حالة هدوء مرعب، زي الهدوء اللي بيسبق الإعصار. بص لياسمين، اللي بقت شاحبة زي المۏتى، كانت بتبص للمسجل بړعب، وبتحاول تلاقي مبرر.

قالت بصوت بيترعش: “كريم… اسمعني… الولد كان بيستفزني… كان…”

كريم ما سابهاش تكمل. شاور بإيده على الباب.

“بره.”

“كريم، أنت فاهم غلط، اللعبة دي…”

“قلت بره!” صړخ كريم بصوت خلى الممر كله يتهز.

ياسمين جريت بره الأوضة وهي بتلم شتات نفسها، عارفة إن اللعبة انتهت. كريم ما بصش وراها، قرب من آدم، وحضنه، كان بيحضنه وكأنه بيعتذر منه عن كل يوم ساب فيه “الغريبة” دي تقرب من حياتهم.

خرج كريم للممر، لقى ندى واقفة، أول ما شافته، فهمت من نظرة عينه إن كل حاجة انكشفت.

كريم وقف قدامها، للحظة، الراجل اللي بيشتري شركات ويدفن فضايح، الراجل اللي الناس پتخاف منه، كان عايز يركع قدام الخدامة اللي ظلمها.

قال بصوت مكسور: “آسف.”

ندى مسحت دموعها وقالت: “المهم آدم بخير يا فندم.”

كريم بص للمسجل في إيده، وبعدين سلمها للممرضة اللي كانت واقفة، وقال: “ده دليل. وده مش بس يخرجك من المحضر، ده يدخل حد تاني مكانه.”

بص لندى تاني وقال: “أنا مش بس ظنيت فيكي… أنا خليتك تحسي إنك قليلة. قوليلي يا ندى، إيه اللي يخليكي تستحملي كل ده من إنسان كان هيخلي واحدة زي دي أم لابنه؟”

ندى بصت للأوضة اللي فيها آدم، وقالت بابتسامة حزينة: “لأن آدم محتاج حد يحبه بجد يا فندم. وأنا كنت بعرف إنه في يوم من الأيام، هيعرف مين اللي بيحبه بجد.”

في اللحظة دي، كريم عرف إن أغلى حاجة امتلكها في حياته، مش فلوسه، ولا نفوذه، ولا حتى القصر اللي في التجمع… كانت الست اللي وقفت قدام ابنه تحميه، واللعبة الحمراء اللي سجلت الحقيقة اللي نسي الكبار يشوفوها.

تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *