دار المسنين 2
شفتها وهي بتطحن حبوب دواء لونها أزرق، وبتحطها في كوباية الشاي بلبن اللي بتقدمهالي كل يوم الصبح مع الفطار. استغربت، ومستنيتش لما تديهالي.. دخلت وراها الأوضة بعد ما خرجت، ودورت في علب المكياج بتاعتها لحد ما لقيت علبة دواء مخبية ورا الرف.. دواء مهدئ ومخ..در قوي جداً، من الأعراض الجانبية بتاعته إنه بيسبب هلاوس، وفقدان مؤقت للذاكرة، وعصبية شديدة، ومع الوقت بيبوظ خلايا المخ ويوصل لحالة شبه الزهايمر!
واجهتها يا أحمد.. واجهتها وأنا بترعش وبقولها ليه بتعملي فيا كده؟ ردت عليا بمنتهى البرود والجبروت وقالتلي: ‘أنا زهقت منك ومن خدمتك، والبيت ده ضيق عليا وعلى عيالي، وأحمد لازم يكتبلي الشقة دي باسمي، وإنتِ قاعدة عائق في طريقنا.. لو نطقتي بكلمة لأحمد، أو حاولتي فهميه حاجة، هخليه يكرهك.. هتبلّى عليكي إنك بتضربي عياله، وهخرب البيت وأطلق منه وأحرمه من يوسف وسارة، وإنتِ عارفة إن ابني بيموت في عياله ومش هيستحمل’.
خفت عليك يا أحمد.. خفت على بيتك يتخرب وعيالك يتشردوا. قررت
إني مأشربش الشاي، وبقيت أدلقه من وراها في الحوض، وبدأت أمثل إني بنسى فعلاً عشان تتقي شري ومتأذيكش أنت وعيالك.
فاكر يوم المطبخ لما قولتلك إني جعانة؟ نهى هي اللي دخلت ورايا وقالتلي بكلام يسم البدن: ‘مفيش أكل ليكي انهارده يا عجوزة يا كركوبة لحد ما أحمد يرجع، عشان يحس إنك بقيتي عبء’. ولما أنت جيت، حطت الأكل بسرعة وقالتلك إني لسه واكلة عشان تطلعني كدابة ومجنونة قدامك!
وفاكر يوم الغسيل والملايات؟ نهى هي اللي رمت الغسيل في الأرض وقطعت الملايات بإيدها وصوتت، ولما أنا دخلت اتصدمت، راحت قايلالي: ‘أهو المشهد ده اللي هيخلي أحمد يرميكي بره البيت الليلة’.
أنا مشيت يا أحمد بمزاجي.. مشيت عشان أشتريلك راحتك وراحة عيالك، وعشان بيتك ميتخربش. بس مكنش ينفع أمشي وأسيبك عايش مع حية في بيت واحد وإنت مش عارف. خفت تظلمني وتفتكر إن أمك كانت مسببالك نكد.. أنا سبتلك الجواب ده مع عم محمد البواب، وحلفته على المصحف ما يديهولكش ولا يحطه تحت الباب إلا الساعة 7 الصبح بعد ما أكون
مشيت وسبت البيت تماماً.
خد بالك من نفسك يا ابني، وخد بالك من عيالك.. أمك اللي بتحبك ودعياالك لآخر نفس في عمرها.”
المواجهة الحذرة.. التخطيط الهادئ
الرسالة خلصت.. وأنا حاسس إن روحي هي اللي بتخلص. النفس بقيت أخده بصعوبة، وكأن جبل كبس على صدري. الغضب كان هيحرقني، وكان في مارد جوايا عايز يقوم يهد البيت فوق دماغ نهى. بس فجأة، افتكرت كلام أمي: “خفت تتبلى عليكي وتخرب بيتك وتحرمك من عيالك”.
لو واجهتها دلوقتي وزعقت وطردتها، هتاخد العيال وتجري على بيت أهلها، وممكن ترفع قضايا وتتهمني بالجنون أو تتبلى عليا وتضيع عيالي.. الحية دي ذكية ومخططة لكل حاجة، ولازم أكون أذكى منها عشان أجيب حق أمي وحق عيالي بالقانون ومن غير ما أخسرهم.
بلعت ريقي بصعوبة، وحاولت أهدي ضربات قلبي اللي كانت زي الطبول. كرمشت الجواب في جيبي بسرعة، ورسمت على وشي علامات التعب والدوخة، وقولت لنهى بصوت مجهد وممثل: “مفيش يا نهى.. ده هبوط حاد من قلة النوم والضغط بتاع انبارح.. والورقة دي إعلان تافه
من شركة إبادة حشرات حد رماها من تحت الباب”.
نهى بصتلي بشك، بس ملامح التعب الحقيقية اللي على وشي خلتها تصدق. طبطبت عليا وقالت: “سلامتك يا حبيبي.. طب قوم ارتاح شوية وأنا هعملك كوباية ليمون دافي”.
أول ما دخلت المطبخ، قمت جري على أوضتها.. بدأت أدور بهستيريا بس بذكاء ومن غير ما كركب المكان.. في علب المكياج، ورا المنظم، لحد ما لقيت علبة دواء صغيرة مخبية في شريط ستان.. سحبتها وبصيت للاسم.. هو نفس الاسم اللي أمي كاتباه في الجواب! دواء مخ..در ومهدئ جدول!
أخدت العلبة في جيبي، وطلعت تلفوني، وكلمت صاحبي “شريف” المحامي.. حكيتله الحكاية في دقيقتين وأنا بترعش.. شريف قالي بلهجة حاسمة: “أحمد.. متواجههاش بأي حاجة دلوقتي.. انزل فوراً روح لعم محمد البواب وخليه يشهد معاك، واطلع على قسم الشرطة واعمل بلاغ شروع في قت..ل وتسميم، وقدم علبة الدواء والجواب كأدلة.. وإحنا هنتحرك فوراً عشان نعمل تحليل سموم لوالدتك في المستشفى عشان نثبت الجري..مة في دمها قبل ما مفعول الدواء يروح!”.
الفخ
القانوني
نزلت من البيت بسرعة بحجة إني رايح الصيدلية.. عديت على عم محمد البواب اللي كان واقف خايف.. قولتله: “يا عم محمد.. الجواب وصل، وأنا مش زعلان منك.. بس عايزك تقولي الحق، نهى كانت بتعمل إيه مع أمي؟”.
عم محمد بكى وقال: “يا أحمد بيه.. الست نهى هددتني بالطرد من العمارة لو فتحت بوقي.. كانت بتدلق أكل الحاجة في الزبالة قدام عيني وتقولي متقولش لأحمد.. والحاجة فاطمة هي اللي حرجت عليا أديك الجواب الصبح عشان تكون مشيت ومتحصلش خناقة قدامها”.
أخدت عم محمد معايا في العربية، وطلعنا على قسم الشرطة.. عملت البلاغ، والظابط لما قرأ الجواب وشاف علبة الدواء، ملامحه اتغيرت وطلب قوة تتحرك معايا فوراً للبيت عشان تضبط المتهمة متلبسة بالدواء والأدوات اللي بتستخدمها، وقوة تانية تروح لدار المسنين عشان تسحب عينة دم من أمي للطب الشرعي.
رجعنا البيت، ومعايا البوكس ورجال الشرطة.. دخلت الشقة، نهى كانت قاعدة في الصالة بتتفرج على التلفزيون وبتشرب قهوة بمنتهى الروقان وكأنها خلصت من هم كبير.. أول ما شافتني ومعايا الظابط
والعساكر، قامت مفزوعة والكبابة وقعت من إيدها اتكسرت: “في إيه يا أحمد؟ مين الناس دي؟!”.
الظابط تقدم وقال بلهجة حازمة: “الست نهى؟ أنتِ مقبوض عليكي بتهمة الشروع في قت..ل الحاجة فاطمة عن طريق وضع مواد مخد..رة وسامة في طعامها بهدف إتلاف خلايا المخ”.
نهى وشها بقى أبيض زي الأموات، وبصتلي بذهول وصوتها بقى يرعش: “أحمد! أنت بتصدق الكلام ده؟ دي أمك مجنونة وعايزة تخرب بيتنا!”.
طلعت الجواب من جيبي ورفعته في وشها وقولت بصوت يهز الحيطان: “أمي عقلها يوزن بلد يا حية.. أمي كشفتك من سنة، واستحملت السم بتاعك ومثلت الجنون عشان تحميني أنا وعيالي من جبروتك! الدواء أهو اتمسك في بيتك، وعم محمد البواب شهد عليكي، ودلوقتي الطب الشرعي بيحلل لأمي عشان يثبت جرمك بالدليل القاطع.. غوري.. مكانك السجن يا مجرمة!”.
نهى بدأت تصرخ وتنهار وتعيط، والعساكر كلبشوها وأخدوها وهي بتصرخ: “سامحني يا أحمد.. عشان خاطر العيال!”.. بس قلبي كان زي الحجر، ومبصتش ورايا وهي بتتجر على السلم قدام الجيران اللي طلعوا على الصوت.
رحلة التطهير
والندم
أخدت عيالي يوسف وسارة اللي كانوا نايمين وصحيوا مرعوبين، حطيتهم في العربية وقولتلهم: “إحنا رايحين نجيب تيتة.. تيتة خفت وبقت زي الفل وهترجع معانا”.
طول الطريق لدار المسنين، كنت بسوق وأنا ببكي بحرقة.. دموع الندم بتغسل قلبي.. كنت بفتكر كل لحظة زعقت فيها لأمي، كل لحظة صدقت فيها إنها بقت عبء ونكد.. أمي كانت بتموت بالبطيء بسببي وبسبب غبائي وثقتي العمياء في مراتي.
وصلت الدار، الموظفين هناك كانوا عارفين باللي حصل لأن النيابة كانت وصلت فعلاً وأخدت العينة.. طلعت جري للدور التاني.. فتحت باب الأوضة رقم ٢٠٤..
أمي كانت قاعدة على السرير، باصة من الشباك والدموع في عينيها.. أول ما شافتني ومعايا العيال، فتحت دراعاتها والعيال جريوا عليها: “تيتة.. وحشتينا أوي!”.
رميت نفسي تحت رجليها، وبقيت أبوس رجليها وإيدها وأنا بشهق من كتر البكاء: “سامحيني يا أمي.. أنا كنت أعمى.. الغباوة عمتني والمجرمة كانت بتقت..لك وأنا مش دريان.. أبوس إيدك سامحيني واضربيني.. أنا مأستاهلش أكون ابنك”.
أمي نزلت لمستوايا على
الأرض، واحتضنت راسي وصدرها بقى يتهز بالبكا: “قوم يا أحمد.. قوم يا قلب أمك.. الأم مبتشيلش من ضناها.. أنا كنت بدعي ربنا بس الحقيقة تظهر وأنت بريء من ذنبي.. أنا مسمحاك يا حبيبي من كل قلبي”.
النهاية الجديدة
بعد كام شهر.. المحكمة حكمت على نهى بالسجن المشدد بتهمة الشروع في القت..ل وتدبير مؤامرة لتسميم وإيذاء مسن، وأخدت حكم بضم حضانة العيال ليا بشكل نهائي وبدون منازعة بسبب عدم أهليتها الأخلاقية والجنائية.
رجعنا لبيتنا.. البيت اللي اتمسحت منه ريحة الخيانة والجر..يمة.. أمي رجعت تنور الصالة، وريحة خبيزها رجعت تملى المكان.. يوسف وسارة مبيفارقوش حضنها.. وأنا بقيت أرجع من شغلي، أول حاجة بعملها بدخل أبوس إيدها ورجليها وأحمد ربنا على نعمة “البركة” اللي في حياتي.
اتعلمت إن الحقيقة ممكن تتأخر، بس العدالة الإلهية ملهاش غفلة.. وإن الست اللي تطلب منك تتخلى عن أمك عشان “ترتاح”، هي أول واحدة هتتخلى عنك وعن عيالك لما المصلحة تخلص.. الأم هي الحصن، وهي السند، ورضاها هو الحبل الوحيد اللي بيشدنا من وسط ظلمات
الدنيا لنور الأمان.
