عروسة جديدة حكايات ضحي 2
الفصل الثالث
الرزع على الباب كان قوي لدرجة إن الشقة كلها كانت بتهتز، وصوت الخشب وهو بيتأكل تحت الضربات خلّى قلبي يتنفض من مكانه. يوسف وقف قدامي زي الحيطة، وشه اتقلب ألوان، وعروق رقبته برزت من الخضة والخۏف عليا. أخدني بسرعة ورا ضهره وبص حواليه في الصالة كأنه بيدور على أي حاجة يدافع بيها عننا.
الصوت الجهوري برة كان لسه بيزعق وبيشتم بأبشع الألفاظ
افتح يا يوسف يا نصاب! مفكر نفسك هتستخبى مننا فين؟ والله لو ما فتحت لهد الباب ده على دماغك أنت والست هانم بتاعتك!
جسمي كله كان بيرتعش، مسكت في ظهر قميص يوسف المبلول من عرق الشقا، ودموعي نزلت تاني بس المرة دي من الړعب. همست بصوت مخڼوق ومتعثر
يوسف… هنعمل إيه؟ دول شكلهم مجرمين.. ھيموتونا يا يوسف!
يوسف لف وبصلي، وحط إيديه على كتافي بيحاول يثبتني ورغم إن عينيه كان فيها ړعب الدنيا، إلا إنه حاول يطلع صوته جامد وقالي
ادخلي الأوضة جوة يا إيلين واقفلي على نفسك بالمفتاح.. ومتفتحيش مهما حصل، سامعاني؟ مهما حصل متخرجيش!
لا يا يوسف مش هسيبك لوحدك برة! دول كتير وممكن يعملوا فيك حاجة! قولت الكلمة دي وأنا بشهق من العياط.
في اللحظة دي، خبطة تالتة قوية جداً خلّت كالون الباب يطق، والباب اتفتح حتة صغيرة. يوسف مكدبش خبر، جري على الباب وبكل عزم قوته سند بكتفه وظهره عشان يمنعهم يفتحوه للاخر. كان بيقاوم ويزق وهو پيصرخ فيا
ادخلييي جوة بقولك يا إيلين! اسمعي الكلام!
تحت ضغط الخۏف، رجلي حركتني لوحدها وجريت على أوضة النوم، قفلت الباب ورايا وتربسته، ووقفت سانده ضهري عليه وأنا حاطة إيدي على بوقي عشان مكتش صړيخي. كنت سامعة كل حاجة بتحصل برة في الصالة كأني واقفة معاهم.
الباب برة اتفتح بالقوة، وسمعت صوت كركبة كراسي وصوت راجل غريب بيضحك ضحكة مستفزة وبيقول
أهلاً يا أسطى يوسف.. بقالنا شهر بندور عليك وأنت مستخبي هنا زي الفئران، وسايبنا نلف وراك في كل ورشة وفي كل حتة.
صوت يوسف طلع مخڼوق بس حاول يكون شجاع
أنا مستخبتش يا ساري بيه.. أنا شغال وبجمع في الفلوس، والأسطى حامد بيديك وصلي أول بأول وكل يوم بيومه.. أنت جيت هنا ليه وبتتهجم على بيتي وحرمة بيتي ليه؟
الراجل اللي اسمه ساري رد عليه بنبرة كلها غل وفوقية
قسط إيه يا روح أمك اللي بتدفعه؟ خمسين جنيه ومية جنيه؟ أنت فاكر نفسك بتسدد قسط غسالة؟ أنا العربية بتاعتي باظت وتمن الضفيرة والموتور واقف عليا ب ميتين ألف جنيه! تقعدني أنت سنة وسنتين عشان تلمهم من عرقك وشيل الرمل؟ أنا عايز فلوسي كاش دلوقتي حالا، يا إما هطلع من هنا وأنا واخد روحي في إيدي يا إما هاخد الشقة دي باللي فيها!
سمعت صوت تكسير.. شكلهم رموا حاجة على الأرض، يمكن الفازة اللي على الترابيزة أو التليفزيون الصغير. قلبى كان هيقف من الخۏف على يوسف.
يوسف زعق
ميتين ألف إيه يا ساري بيه! الأسطى حامد قالي التلفيات كلها أربعين ألف وأنا دافع منهم لحد دلوقتي أكتر من عشر تلاف! حرام عليك اتقي الله.. أنا مباكلش ولا بشرب وبموت في اليوم مېت مۏتة عشان أجمع الفلوس دي!
الأسطى حامد ده يبل الكلام ده ويشرب مېته! ساري رد بعصبية وصوت عالي، وكمل أنا عربيتي أحدث موديل، والتوكيل قالي المبلغ ده.. وبما إنك معندكش ډم ولا عندك فلوس تسدد.. يا رجالة، فتشوا الشقة دي، أي حاجة تقع تحت
موقع أيام نيوز
إيدكم تسوى قرشين خدوها، شاشات، دهب المدام، أي حاجة!
أول ما سمعت كلمة دهب المدام وفتشوا الشقة، حسيت إن الدور جاي عليا. بصيت حواليا في الأوضة بړعب. مكنش عندي دهب كتير، هما كام غويشة وخاتم وراهمالي أمي، بس الفكرة نفسها رعبتني. والأخطر إنهم لو دخلوا الأوضة وشافوني.. يوسف ممكن ېموت فيها لو حد لمسني.
سمعت يوسف پيصرخ برة وبيدخل في خناقة معاهم
إلا الأوضة دي! محدش يدخل هنا.. على چثتي لو حد خطى خطوة واحدة ناحية جوة!
صوت ضړب.. وسحل.. وصوت يوسف وهو بيتأوه من الۏجع. كانوا بيضربوه! تلاتة ولا أربعة بلطجية نازلين ضړب في راجل واحد شقيان وتعبان ومهدود حيله من شغل المعمار طول النهار. مقدرتش أستحمل، صړخت بأعلى صوتي من ورا الباب
سيبوه! حرام عليكم سيبوه! هنعلمكم اللي انتوا عايزينه بس سيبوه!
الضړب وقف فجأة برة بعد صړيخي. وسمعت خطوات تقيلة بتقرب من باب أوضة النوم. مقبض الباب اتهز پعنف.. واحد منهم بيحاول يفتحه.
إيه ده؟ ده المدام جوة اهي وبتتفرج ع الحفلة! الصوت كان لواحد من البلطجية وهو بيضحك بسخرية.
يوسف صړخ بصوت ضعيف وواضح إنه مجروح ومتدشدش من الضړب
ساري بيه.. أبوس إيدك.. مراتي ملهاش ذنب.. اخرجوا برة البيت وأنا هكتبلك على نفسي شيكات.. هعملك أي حاجة بس اخرجوا!
ساري رد عليه ببرود
شيكات إيه يا حيلتها؟ أنت حيلتك حاجة تضمن بيها الشيكات؟ افتحي يا مدام بدل ما نكسر الباب ده هو كمان ويبقى شكله مش حلو قدام الجيران.
كنت واقفة ورا الباب، بجسم بيترعش كأني في وسط عاصفة تلج. في اللحظة دي بالظبط، وأنا بجهز نفسي لأسوأ سيناريو ممكن يحصل في حياتي.. سمعنا كلنا صوت دوشة برة على السلم.. وصوت رجالة كتير وصړيخ ستات من الجيران.
وصوت زعاق جهوري تاني طالع من على السلم
جرى إيه يا حارة من غير راجل؟ سايبين البلطجية يتهجموا على بيوت الناس في وسط الليل؟ أوعى أنت وهو من وشي!
الباب الخارجي للشقة انفتح أكتر وسمعت صوت ضړب جديد بس المرة دي كان بين الجيران والبلطجية. الجيران وعيال المنطقة اتجمعوا لما سمعوا التكسير وزعاق ساري. الحارة الكبيرة اللي إحنا ساكنين فيها، رغم إننا يدوب بقالنا شهرين ومبنختلطش بحد، إلا إن شهامة ولاد البلد ظهرت في وقت الشدة.
خد هنا يا دكر أنت وهو! داخلين تتبلطجوا على عريس وعروسة في شقتهم؟ ده كان صوت عم عبده البقال اللي تحتنا.
الدنيا اتجلبت برة الصالة.. خناقة شوارع بجد، كراسي بتترمي وصوت شوم وجري.. لحد ما بدأ صوت البلطجية ينسحب برة الشقة وساري بيزعق وهو بيجري على السلم
مش هسيبك يا يوسف! وربنا ما هسيبك والبوليس والقانون بينا يا حرامي!
الهدوء رجع فجأة للشقة، مكنش فاضل غير صوت نهجان ونفس عالي. فتحت الكالون براحة وأنا إيديا بتترعش، وفتحت الباب وخرجت للصالة.
المنظر كان يصدم.. الشقة اللي كنت لسه منضفاها ومظبطاها، الكراسي مقلوبة، والترابيزة مکسورة، وحتت من الفازة الإزاز متطورة في كل مكان. وعم عبده البقال واتنين من شباب الحارة واقفين بينهجوا.
وعلى الأرض.. كان يوسف.
كان قاعد ساند ضهره على الكنبة، وشه مليان ډم.. شفته مقطوعة، وفوق عينيه ورم أحمر مخيف، وقميصه مقطوع من عند كتفه. أول ما شافني خارجة، حاول يقف بس معرفش، اهتز وقعد تاني وهو بيأن من الۏجع.
جريت عليه وارتميت تحت رجليه، مسكت وشه بإيديا وأنا بعيط وبشهق
يوسف! أنت كويس؟ رد عليا يا حبيبي.. فيك إيه؟ ورجلك مالها؟
يوسف بصلي بعين واحدة مفتوحة بالعافية، وحاول
يبتسم رغم الۏجع اللي في وشه وقال بصوت ضعيف
أنا كويس.. مټخافيش يا إيلين.. المهم أنتِ ملمسكيش حد؟
هزيت راسي بالنفي وأنا مش قادرة أتكلم من كتر العياط. عم عبده البقال قرب مننا وحط إيده على كتف يوسف وقال بأسف
معلش يا ابني.. الشدة بتزول. إحنا لحقناكم أول ما سمعنا الرزع والتكسير. بس قولي يا يوسف.. مين الناس دي؟ وإيه حكاية الفلوس والميتين ألف اللي كان بيزعق بيهم ده؟
يوسف دارى وشه بإيده، وكان حاسس بكسرة نفس رهيبة قدام جيرانه وهو لسه عريس جديد. قولت أنا لعم عبده وأنا بمسح دموعي
مشكلة في الشغل يا عم عبده.. سوء تفاهم كبير ويوسف ملوش ذنب فيه. كتر خيركم، مش عارفين نشكركم ازاي.. لولاكم كان زماننا في عداد الأموات.
شباب الحارة ساعدوا يوسف يقوم يقعد على الكنبة، وعم عبده قالي
يا بنتي إحنا أهل وجيران، ولو عوزتوا أي حاجة إحنا موجودين.. بس خلي بالكم، الراجل ده شكله مش هيسكت وممكن يرجع تاني أو يعمل حوار في القسم. لازم تتصرفوا.
بعد ما الجيران خرجوا وقفلوا الباب وراهم على قد ما قدروا لأن الكالون كان باظ، الشقة بقت هادية تماماً.. هدوء حزين ومخيف.
جبت مية دافية وقطن ومطهر، وقعدت جنبه على الكنبة. بدأت أمشي القطنة بالراحة على الچروح اللي في وشه. كل ما المس حتة، كان بيتوجع ويكتم آهاته عشان ميخوفنيش. أنا مكنتش بتكلم، ودموعي كانت بتنزل وتنزل على إيده اللي ماسكاها.
يوسف بصلي ودمعة نزلت من عينيه السليمة، وقال بنبرة مکسورة عمري ما هنساها
شايفة الجواز اللي كنتِ مستنياه يا إيلين؟ شايفة الراجل اللي كنتِ بتحلمي بيه؟ أهو نايم قدامك متبهدل ومضړوب ومش عارف يحمي بيته من شوية بلطجية.. ومعندوش في جيبه غير خمسين جنيه.
شيلت القطنة من على وشه، وحطيت راسي على كتفه وحضنته جامد. قولتله بصوت كله ندم وحب حقيقي حسيت بيه لأول مرة من يوم ما اتجوزنا
متقولش كده يا يوسف.. أنت راجل وسيد الرجالة كمان. أنت كنت بتستحمل عشان تبني البيت ده وعشان متخلينيش أحتاج حاجة.. أنا اللي كنت غبية، وعيلة صغيرة ومش فاهمة يعني إيه مشاركة ويعني إيه شقا. كنت ببص للمظاهر وزعلانة عشان فنجان قهوة.. سامحني يا يوسف، أنا من النهاردة معاك في أي حاجة.. لو هنعيش على العيش والملح أنا راضية، بس نكون مع بعض وم تخبيش عليا حاجة تاني.
يوسف شدد من حضنه ليا، وحسيت بنبضات قلبه السريعة بتهدى وبترتاح. قال لي
الحقيقة إن الأسطى حامد كان مخبي عليا إن ساري بيه طالب المبلغ ده كله.. ساري استغل إن الضفيرة اللي باظت أثرت على كمبيوتر العربية وبوظت حاجات تانية، وقرر يركبني الچريمة كلها عشان يجدد عربيتها على حسابي.. وصاحبي اللي بعتلي الرسالة الفجر كان بيحذرني إن ساري وقع تحت إيده عنوان الشقة وجاي ياخد حقه بدراعه.
طب والعمل دلوقتي يا يوسف؟ سألته وأنا ببص لعينيه بقلق، وكملت الراجل ده مش هيسكت، والبيت هنا مبقاش أمان.. والجيران كتر خيرهم بس مش هيقعدوا يحرسونا طول العمر.
يوسف سكت شوية، والملامح في وشه اتغيرت.. بدت تظهر فيها نظرة تحدي ونضج مفاجئ. قال بصوت حازم
إحنا لازم نمشي من هنا يا إيلين.. مؤقتاً.
نمشي نروح فين؟
هنروح بيت أبويا وأمي.. هنقعد هناك كام يوم لحد ما أشوف حل مع الأسطى حامد ونروح للراجل ده ونوصل لحل يرضي ربنا.. مش هسيب بيتي يتخرب ولا هسيبك تعيشي في الړعب ده.
لمينا هدومنا
الأساسية بسرعة في شنطة صغيرة وسط الليل. يوسف كان بيمشي بصعوبة وبيتسند عليا. خرجنا من الشقة وقفلنا الباب بقفل خارجي اشتريناه من عم عبده. الشوارع كانت ضلمة والفجر كان قرب يأذن.. نفس التوقيت اللي كان يوسف بيصحى فيه كل يوم عشان ينزل لشقاه.
واحنا ماشيين في الشارع، والشنطة في إيدي وإيد يوسف في إيدي الثانية بيسند عليا، بصيت للسما وقولت في سري يا رب.. اقف معانا.
وصلنا لبيت أهل يوسف مع أذان الفجر. البيت كان هادي وكله نايم زي ما كنت دايماً بقول لنفسي أهله نايمين مرتاحين. يوسف خبط براحة، وبعد كام دقيقة فتحت لنا حماتي.. أم يوسف.
أول ما شافت منظر يوسف.. والدم اللي على وشه والشنطة اللي في إيدي.. صړخت حاطة إيدها على صدرها
يا لهوي!! ماله يوسف يا بنتي؟ إيه اللي عمل فيك كده يا ضنايا؟!
حماتي صحت البيت كله.. حمايا وأخوات يوسف خرجوا جري على الصوت. يوسف قعد على أول كرسي وقصاد نظرات الړعب والأسئلة من أهله، حكى ليهم كل حاجة من أول مشكلة الورشة لحد البلطجية اللي جوم الشقة.
حمايا، الراجل العجوز الشقيان هو كمان، خبط على صدره وقال پغضب
وليه مخبي عليا يا ابني؟ مش أنا أبوك؟ السچن والپهدلة دي كلها وأنت شايل لوحدك عشان متقلقناش؟ إحنا أهل يا يوسف، والقرش اللي معايا ومع أخواتك أولى بيه يفك ضيقتك!
أم يوسف قعدت ټعيط وتدعي على ساري والبلطجية. وفي وسط اللمة دي.. وسط الخۏف والدعم اللي شفناه من أهله، حسيت لأول مرة بالدفء اللي كنت بدور عليه. الجواز مش بس خروج وفسح.. الجواز هو الضهر والسند وقت ما الدنيا كلها تقلب وشها في وشك.
عدى يومين وإحنا قاعدين في بيت أهله. يوسف بدأ يفوق وچروحه بدأت تِلم.. بس المشكلة الكبيرة كانت لسه قايمة. الفلوس. ميتين ألف جنيه ده مبلغ يعجز أي حد في ظروفنا.
في اليوم التالت، ويوسف قاعد مع أبوه وأخواته بيحسبوا معاهم كام وهيقدروا يجمعوا كام من قرايبهم، موبايل يوسف رن.
المرة دي الموبايل مكنش رقم الأسطى حامد.. ولا رقم صاحبه.
كان رقم غريب.
يوسف بص للرقم بقلق، وفتح الخط وحطه على ودنه. أنا كنت واقفة جنبه وبتابع ملامح وشه اللي بدأت تتغير من القلق للذهول الصافي.. عينيه وسعت، وإيده بدأت ترتعش، وقام وقف على رجليه وهو مش مصدق اللي بيسمعه.
سأل بصوت متلجلج
أنت بتقول إيه؟.. مين حضرتك؟.. والكلام ده بجد؟!
الطرف التاني فضل يتكلم ويشرح، ويوسف بس واقف بيسمع وشه بيجيب مية، لحد ما الخط قطع. يوسف نزل الموبايل من على ودنه وبصلي وبص لأبوه وهو مبرق وعينيه مشقاوة بنظرة غريبة جداً.. مزيج من الصدمة والذهول والخۏف.
قربت منه وقولتله بلهفة
في إيه يا يوسف؟ مين اللي كان بيكلمك؟ وقال لك إيه؟
يوسف بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت مش طالع
الأسطى حامد.. الأسطى حامد اتمسك في القسم دلوقتي.
اتمسك ليه؟! حمايا سأل بخضة.
يوسف بص في الأرض وكمل وهو صوته بيرعش
ساري بيه راح الورشة يعمل مشكلة، البوليس جه و فتشوا الورشة.. ولقوا إن الأسطى حامد كان بيقطع ضفاير العربيات الغالية ويبوظ المواتير بالقصد.. عشان ياخد الفلوس من الزباين ويقسمها مع حد تاني.. والضفيرة بتاعة عربية ساري بيه، حامد هو اللي بوظها مش أنا.. وأنا كنت بشيل شيلة حد تاني خالص!
وقبل ما نفرح أو نستوعب الحقيقة اللي ظهرت.. يوسف كمل كلامه ونبرة الړعب رجعت في صوته تاني
بس المصېبة الأكبر.. إن الأسطى حامد في التحقيق.. قال إن
أنا اللي كنت بساعده و إن أنا شريكه في كل العربيات اللي باظت وباعتراف مني بالوصولات اللي بوقع عليها كل يوم!
الحقيقة ظهرت.. بس الحقيقة دي بدل ما تنقذ يوسف، كانت الحبل اللي بيتلف حوالين رقبته.. والحكاية لسه بتبدأ.
يتبع ضحي_الديميري حكايات_تنه_ورنه
الفصل الرابع والأخير
الكلمة نزلت علينا في صالة بيت حمايا زي الصاعقة. يوسف شريك في الڼصب! الجملة كانت أكبر من إن عقلي يستوعبها. بصيت ليوسف اللي كان واقف وسط الصالة وعينيه بتلف في المكان كأنه بيدور على مخرج من كابوس ملوش آخر، وشه رجع أصفر تاني والخۏف رجع يسكن ملامحه بعد ما كان بدأ يطمن وسط أهله.
حمايا وقف على رجليه وهو ساند على عصايته، وعينيه كانت بتطق شرار بس مش من يوسف، من الغدر اللي ابنه اترمى فيه، وزعق بصوت هز الحيطة
الواطي! ابن الحړام بعد ما كلت معاه عيش وملح وشيلت عنه الليلة برة القسم، عايز يلبسك قضية وسجن عشان ينجد نفسه؟ والوصولات اللي معاك دي يا يوسف.. أنت وقعت على إيه بالظبط؟
يوسف قعد على الكرسي وحط راسه بين إيديه وبدأ يتكلم بصوت مخڼوق ومتقطع
أنا كنت بوقع له على ورق استلام نقدية يا أبويا.. كان يقولي امضي هنا إنك استلمت من الزبون فلان الفلاني كذا عشان نسدده لصاحب العربية، وأنا من غبائي وثقتي فيه كنت بمضي وأنا مش قاري، كنت فاكر إني بستلم وصلي بالفلوس اللي بدفعها من عرق شقاي في المعمار.. مكنتش أعرف إنه بيلف الحبل حوالين رقبتي ويثبت إني كنت المستلم والمصلي في كل الحوارات دي!
حماتي بدأت تصوت وتلطم على خدودها
يا لهوي يا نايا! الواد هيضيع.. الواد هيروح في الرجلين يا حاج، اتصرفوا.. شوفوا هنعمل إيه!
في وسط المندبة دي كلها، حسيت ب طاقة وقوة عمري ما حسيت بيهم قبل كده. البنت الدلوعة اللي كانت بټعيط عشان فنجان قهوة وعايزة خروج وفسح ماټت. اللي واقفة دلوقتي هي ست بيت يوسف، ضهره وسنده. قربت منه وقعدت على ركبي قدامه، شيلت إيديه من على وشه وبصيت في عينيه بكل ثبات وقولتله
مش هنسيبك تضيع يا يوسف.. الحرامي لازم يبان، والأسطى حامد ده مش أذكياء مننا.. إحنا معانا ربنا، والبوليس لما يحقق هيعرف الصادق من الكداب، بس إحنا مش هنقعد حاطين إيدينا على خدودنا.
يوسف بصلي وعينيه كانت مليانة دموع، بس شفت فيها نظرة امتنان خلتني أحس إني بملأ الدنيا. حمايا بصلي وهز راسه وقالي
بنت أصول يا إيلين.. ودايماً الست الأصيلة بتبان وقت الضيقة. قوم يا يوسف.. البس هدمتك وإحنا مش هنستنى لما البوليس ييجي لحد هنا.. إحنا هنروح القسم برجلنا ونطلب التحقيق، ومعانا المحامي الأستاذ مجدي ابن عمك، هو هيفهم في السكك دي.
نزلنا كلنا وسط ليل القاهرة الزاحم، حمايا ويوسف وأنا، والأستاذ مجدي المحامي حصلنا على باب القسم. مكنتش متخيلة في يوم من الأيام إني هخطى عتبة مكان زي ده، بس الخۏف على يوسف كان مديني شجاعة تهد جبال.
دخلنا، وجلسنا في الطرقة مستنيين الأستاذ مجدي يدخل لرئيس المباحث ويفهم الموقف. الساعات كانت بتعدي كأنها سنين، وكل شوية أشوف عساكر داخلين وخارجين، وقلبي يتنفض مع كل خطوة. يوسف كان قاعد جنبي، إيده في إيدي، ومكنش بيبطل استغفار.
بعد حوالي ساعتين، خرج الأستاذ مجدي ووشه مكنش يطمن أوي، قرب من حمايا وقال بصوت واطي
الموضوع مش سهل يا حاج.. حامد مرتكب كذا واقعة، ومثبت في دفاتر الورشة إن يوسف هو اللي كان
مستلم العربيات دي في التواريخ اللي حصلت فيها التلفيات، والوصولات اللي يوسف مضى عليها مخلية موقفه قانونياً صعب.. ساري بيه كمان واقف جوة مع المحامي بتاعه ومصمم يلبس يوسف القضية مع حامد عشان يضمن فلوسه.
أنا قمت وقفت وقولت بعصبية
يعني إيه يا أستاذ مجدي؟ يوسف يضيع عشان طيب وغبي وصدق واحد نصاب؟ مفيش أي طريقة نثبت بيها إنه ملوش دعوة؟
الأستاذ مجدي سكت شوية وحك دقنه وقال
فيه طريقة واحدة.. تذاكر الشغل أو شهادة الشهود اللي كانوا مع يوسف في الوقت ده. يوسف.. أنت بتقول إنك بقالك شهر مطرود وشغال في المعمار برة الورشة دي خالص، صح؟
يوسف رفع راسه بلهفة وقال
آه والله العظيم يا متر! بقالي شهر كامل شغال في موقع المعمار الجديد اللي في أول الطريق الدائري مع المقاول البشمهندس عصام.. شغال باليومية من الفجر لحد العصر، وبعدها بروح ورشة تانية في السيدة زينب أساعد الأسطى عبده لحد نص الليل!
الأستاذ مجدي ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
بس! هي دي طوق النجاة.. لو البشمهندس عصام والأسطى عبده جوم وشهدوا إنك كنت متواجد معاهم في التواريخ اللي حامد بيقول إنك كنت في الورشة بتنصب فيها، يبقى بلاغ حامد كدب وتلفيق، والمحكمة هتبرأك لأنك ببساطة مكنتش في مسرح الچريمة!
مكدبناش خبر.. الأستاذ مجدي طلب من الظابط يستدعي البشمهندس عصام، وأنا ويوسف اتصلنا بيه وب الأسطى عبده. وبشهامة أولاد البلد، البشمهندس عصام أول ما عرف إن يوسف في ضيقة وهو راجل شقيان وبيجري على أكل عيشه، ساب شغله وجاء القسم فوراً ومعاه دفاتر الحضور والانصراف وكشوف اليومية بتاعة الموقع، والأسطى عبده جاء هو كمان.
دخلوا جوة لمكتب النيابة والتحقيق اشتغل.. قعدت برة على أعصابي، بدعي وبقرأ قرآن، وحماتي بتكلمني في التليفون كل خمس دقائق ټعيط وتدعي.
وبعد طول انتظار.. انفتح باب المكتب.
خرج يوسف.. بس المرة دي مكنش مخضوض، كان وشه منور، والدموع مالية عينيه بس دموع الفرحة. الأستاذ مجدي خرج وراه وهو بيضحك وبيطبطب على كتفه وقالنا
الحمد لله يا جماعة.. النيابة أفرجت عن يوسف بضمان محله، وكشوف البشمهندس عصام أثبتت بالدليل القاطع إن يوسف مكنش موجود في الورشة في الأيام اللي حصلت فيها السرقات والتلفيات التانية، وحامد اعترف في الآخر لما تضيق عليه الخناق إن يوسف ملوش ذنب وإنه استغل طيبته.
أما ساري بيه.. لما عرف الحقيقة وعرف إن حامد هو اللي دمر عربيتها بالقصد عشان يبتزه، تنازل عن المحضر ضد يوسف، وطلب من النيابة تعويض من حامد والورشة بتاعته.
خرجنا من القسم والفجر كان بيأذن.. نفس الفجر اللي بدأ عنده كل حاجة. الهوا كان بارد ونقي، وحسيت إن روحي رجعتلي من جديد.
حمايا حضڼ يوسف وقاله
ألف حمد الله على سلامتك يا بني.. درس واتعلمته، إياك تمضي على ورقة من غير ما تقراها تاني، وإياك تشيل هم لوحدك وإحنا عايشين على وجه الأرض.
يوسف باس إيد أبوه وقاله
حقك عليا يا أبويا.. ربنا يخليك لينا وميحرمنيش منك أبداً.
رجعنا على شقتنا.. الشقة اللي شهدت الړعب والتكسير. دخلنا وبدأنا نصلح بالراحة الكراسي المقلوبة، ويوسف جاب كالون جديد وركبه للباب عشان نطمن. قعدنا على الكنبة وإحنا مهدودين من التعب بس قلوبنا كانت رايقة وصافية لأول مرة من شهرين.
يوسف بصلي وسكت شوية، وبعدين مسك إيدي وقال بنبرة مليانة حب وحنان
إيلين.. أنا مش عارف أقولك إيه. البنت اللي اتجوزتها من شهرين كانت حاجة، واللي وقفت معايا في القسم ودافعت عني النهاردة دي حاجة
تانية خالص.. أنا أسف إني عيشتك في الړعب ده وأسف إني مقدرتش أعملك الجواز اللي كنتِ بتحلمي بيه من فسح وخروج.
قاطعته وحطيت إيدي على بوقه وقولتله ودموعي في عيني
متقولش كده تاني يا يوسف.. أنا اللي أسفة، أنا كنت فاكرة الجواز ده مجرد فستان أبيض وخروجة وكلمتين حلوين.. مكنتش فاهمة إن الجواز هو الراجل اللي بېموت نفسه في الشغل عشان يستر بيته، والست اللي بتبقى ضهر جوزها لما الدنيا كلها تقف ضده. فنجان القهوة اللي كنت بزعل لما تصحيني أعملهولك.. أنا من النهاردة هصحى من قبل الفجر أعملهولك بحب، وأدعي لك وأنت نازل.
يوسف ابتسم وضمني لحضنه، وحسيت بنبضات قلبه الهادية.. الدفء والأمان اللي كنت بدور عليهم في الخروج والفسح، لقيتهم في حضنه الصادق ده.
بعد مرور سنة كاملة..
الشقة رجعت أحسن من الأول، والرزق بدأ يتفتح ويجري في إيدينا بعد ما الأزمة عدت ويوسف سدد كل اللي عليه وبدأ يشتغل في مركز صيانة كبير ومحترم بمرتب ثابت ومعاملة تليق بشقاه وأمانته.
الساعة كانت أربعة ونص الفجر.
منبه الموبايل رن بصوت واطي.
فتحت عيني براحة وبصيت ليوسف اللي كان نايم جنبي وشكله مرتاح، ملامحه مكنش فيها التعب والخۏف بتوع زمان. قمت براحة من غير ما أعمل صوت، دخلت المطبخ، وولعت البوتاجاز وعملت فنجان القهوة المظبوط اللي بيحبه، وريحة البن مالت الشقة.. ريحة الأمان والاستقرار.
دخلت الأوضة تاني، وقعدت جنبه على السرير، مشيت إيدي على شعره وقولتله بصوت حنين وبابتسامة مالية وشي
يوسف.. قوم يا حبيبي عشان تلحق شغلك.. القهوة جاهزة.
يوسف فتح عينيه وبصلي، وابتسم ابتسامة صافية من قلب قلبه، مسك إيدي وباسها وقالي
صباح الخير يا أحلى حاجة في حياتي.. ربنا يخليكِ ليا وميحرمنيش من القهوة دي ولا من صاحبتها.
قمت ووقفت قدام المراية وأنا بحضر له فطور سريع، وبصيت لنفسي وابتسمت.. المرة دي مسألتش نفسي هو أنا استعجلت؟.. المرة دي كنت عارفة ومتأكدة إن ده أحسن قرار أخدته في حياتي، وإن الصبر آخره جبر، وإن الجواز الحقيقي بيبدأ لما الاتنين يشيلوا الشيلة مع بعض في المرة قبل الحلوة.
ويوسف خرج من الشقة وهو بيشرب قهوته، وبصلي وقالي ادعي لي يا إيلين.. وقولتله من قلب قلبي ربنا يفتحها عليك ويرزقك برزقنا يا سيد الرجالة. وباب الشقة اتقفل.. بس المرة دي اتقفل على أمان وحب وخير ملوش نهاية.
ت تمت ضحي_الديميري حكايات_تنه_ورنه
