انا متجوزه وجوزى 1

وقف جميع الحاضرين في المجلس وكأن على رؤوسهم الطير، كانت كلمات أبويا كالرصاص الذي ينزل صامتاً ليفجر كل ما حوله. الوسطاء وكبار البلد تطلعوا في وجوه بعضهم بذهول، لم يكن الشرط مجرد طلب للقصاص، بل كان كسر عين وتهشيم لكبرياء عائلة طالما استقوت على زوجة وحيدة مغترب زوجها.

كان أحمد يقف خلف الباب، يسمع كل كلمة، ووجهه يتبدل بين ألوان الخزي والعجز. كيف لرجولته التي ادعاها تحت قدمي أمه وأخته أن تطالب الآن بالنجاة؟ أين صوته الذي كان يجلجل في الشقة بالأمس وهو يقول لي “مش هخسر أهلي عشان خناقة ستات”؟ لقد أدرك في تلك اللحظة أن الستات اللاتي استهان بهن وراءهن رجال يزنون الجبال.

أحد الوسطاء، وهو رجل مسن له كلمة مسموعة في البلدة، أخذ نفساً عميقاً، ثم التفت إلى أبويا وقال بنبرة هادئة يحاول بها امتصاص الغضب:

* “يا حاج، إحنا جينا بيت أصول ونعرف إنكم أصحاب حق، والقصاص حقكم شرعاً وقانوناً، لكن الشروط دي معناه نولع في المنطقة حرب مش هتخلص! بلاش ندخل الضرب والدم بيننا، طلباتكم الفلوس أو الحقوق المالية اللي تقولوها وهما جاهزين يرضوكم.. بسلاش فضيحة الضرب قدام الناس.”

ضرب عمي الكبير بعصاه الأبنوس على الأرض ضربة زلزلت المكان، وقام واقفاً بقامته الطويلة وقال بصوت حاسم:

* “الفلوس تداس بالجزم يا حاج! إحنا بنتنا مكنتش جعانة ولا شحاتة على بابهم، بنتنا اتضربت وهي شايلة حتة لحمة حمرا، طفل عنده سنتين يترمى على السلم وينزف دم، وهما تلاتة نازلين فيها ضرب من غير رحمة ولا مروءة! زي ما رخصوا دمها وكرامتها قدام المنطقة كلها، كرامتها مش هترجع غير بنفس الطريق.. يتدقوا بنفس الإيدين، والمنطقة كلها تتفرج! مش عاجبهم القصاص ده؟ القانون أهو، وهما محبوسين في الحجز، والبلاغ ببدل ومستندات وتقارير طبية، والقاضي مش هيحميهم.”

خرج الوسطاء من المجلس ووجوههم مكفهرة، لم يستطيعوا أن يقتطعوا من أبويا أو عمي ولو وعداً واحداً باللين. أحمد حاول أن يدخل وراءهم، مد قدمه عبر عتبة البيت، لكن أخي الأكبر “محمود” وقفه بيده في صدره، ودفعه للخلف بغير عناية وقال له بصوت كالصرير:

* “مكانك برة يا أحمد! البيت ده بيدخله الرجالة اللي بيصونوا حريمهم، مش اللي بيسيبوا أختهم وجوزها يقطعوا لحم مراته وابنه وينزل ياكل بطاطا معاهم تحت البلكونة! لو ليك طلب، استنى الرد مع الناس برة.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *