سلفتي الاخير

هبطت الطائرة في مطار فرانكفورت الدولي. كانت درجات الحرارة منخفضة، والغيوم تغطي السماء، لكن الدفء الذي كان في قلوبنا كان كفيلاً بأن ينسينا برودة الجو. استقبلنا في المطار وفد رسمي من مؤسسة الدكتور هانز للأبحاث الطبية والتكنولوجيا الحيوية، ومعهم مترجم خاص وسائق لنقلنا إلى مقر إقامتنا الجديد في مدينة بون.
المدينة كانت هادئة وجميلة، وكل شيء فيها يسير بنظام دقيق. وصلنا إلى المنزل المخصص لنا، وكان شقة واسعة مجهزة بكل ما نحتاجه، وتطل على حديقة خضراء ساحرة. حسام كان يمشي في الشقة وهو مشدوه ومش مصدق التحول الهائل في حياتنا، وأنا كنت أحمد ربنا في كل خطوة وأدعيه يحفظ ياسين ويمده بالقوة.
في الأسبوع الأول، بدأ ياسين عمله رسمياً في المركز الطبي المتقدم. كان الشاب العربي الوحيد وسط نخبة من أكبر المهندسين والأطباء الألمان والأوروبيين. ورغم صغر سنه مقارنة بباقي أعضاء الفريق، إلا أن ذكائه الخارق في برمجة خوارزميات الذكاء الاصطناعي وتطوير المستشعرات العصبية فرض احترام الجميع عليه من اليوم الأول.
في المقابل، كنا في مصر نتابع أخبار العمارة يومياً. نادية أصبحت شخصية أخرى تماماً؛ كانت تتصل بي أسبوعياً لتطمئن علينا، وصوتها يملأه التواضع والمحبة. «جنى» بنت عم ياسين بدأت تتكلم بطلاقة أفضل بكثير بفضل متابعة الدكتور الذي تكفل به ياسين، و«شهيرة» اجتازت أول مستوى في كورس البرمجة واللغات، وبدأت تبتسم وتستعيد أملها في الحياة. سعيد تعافى تماماً وعاد لممارسة حياته الطبيعية، وكان لا يكف عن الدعاء لياسين في كل صلاة.
مرت ستة أشهر في ألمانيا بسرعة، وياسين يعمل ليل نهار على مشروع إنساني ضخم: جهاز عصبي محمول يساعد الأطفال الذين يعانون من ضمور الأعصاب أو صعوبات النطق على التواصل وتحريك أطرافهم بدقة عالية.
وفجأة، جاءت اللحظة المنتظرة. تقرر عقد المؤتمر الطبي الدولي للتكنولوجيا الحيوية في برلين، وتم اختيار ياسين ليقف على المنصة الرئيسية ويلقي كلمة الاستعراض العلمي للمشروع أمام مئات الأطباء والعلماء والوسائل الإعلامية من كل دول العالم!
حضرنا أنا وحسام المؤتمر بدعوة خاصة، وقعدنا في الصفوف الأمامية. القاعة كانت ضخمة وممتلئة بالعلماء والوفود الدبلوماسية. لما أعلن المذيع عن اسم «المهندس ياسين حسام»، وقام ياسين ببدلته الأنيقة وصعد على المسرح بثقة وثبات، دمعت عيني وبكيت بصوت واطي. افتكرت لما كانت نادية بتقول عليه «عيل أهبل ومعاق»، وافتكرت اليوم اللي زقت فيه كوباية الشاي وقالت «أنا بقرف منه ده أعفين».. والنهارده نفس الولد ده واقف أمام العالم كله، والجميع ينصت له باحترام شديد!