ورثه حكايات روماني مكرم 1

فى جنازة جوزي، أولادي قطّعوا ورثه: عمارات وشقق وعربيات وحسابات في البنوك، وأنا كاتب العدل سلمني ظرف صغير مفيش فيه غير تذكرة سفر لمرسى مطروح… والكل ابتسم وكأنهم صدقوا يخلصوا مني. ابني قال إن مطروح هادية ومناسبة لست في سني، ومراته ضحكت تحت الضرس وهي بتداري شمتتها. افتكرت إن الحاج حسين أهانني حتى وهو تحت التراب، بس أول ما وصلت مطروح، لقيت راجل غريب نده باسمي وكأنه مستنيني من سنين، بص للصورة اللي في إيدي وقال كلمة جمدت الدم في عروقي:😮
“الحاج حسين عمره ما حكالك عن حسنين… صح؟”
اسم عمره ما عدى على وداني طوال أربعة وأربعين سنة جواز.
بس الكلام اللي قالهولي بعد كده، فهمت منه ليه جوزي ساب عيالي يضحكوا على تذكرة السفر…
وليه كان مصمم أروح مطروح لوحدي.
ولا دمعة نزلت من عين عيالي وهو بيتكتب عقد التوزيع.
كانوا مستنيين على نار يعرفوا الهبرة كام.
أما أنا، فعيوني كانت جفت من كتر البكا خلاص.
سبع سنين كاملة شلت فيها الحاج حسين وهو بينطفي قدام عيني يوم عن يوم. سبع سنين سهر ومرمطة، أعد في الأقراص وأغير في الملايات، وأشتغل في الخياطة لوش الفجر عشان أوفّر ثمن أدوية السكر والضغط اللي عيالي كانوا بيوعدوني يدفعوها ويفصعوا في الآخر.
أنا اسمي أمينة.
عندي سبعين سنة.
ولحد اليوم ده كنت فاكرة إن أربعة وأربعين سنة عشرة وصبر لازم يثمروا حاجة.
بس طلعت عبيطة.

/> القعدة كانت في مكتب محامي كبير في جاردن سيتي، التكييف بيسقع العضم، وريحة القهوة السادة مغرقة المكان، والأجواء أبرد من مشاعر عيالي.
جت بنتي شهد بلبس أسود شيك، بس المناكير الفاقع في أظافرها كان فاضح كل حاجة.
وابني محمد ما رفعش عينه من الموبايل غير لما المحامي بدأ يقرأ الركام.
ومراته شيماء قاعدة ضامة شنطتها الماركة لسنانها، خايفة لحزني يوسخها.
بدأ المحامي يقرأ:
العمارات اللي في نصر والمهندسين… لمحمد وشهد.
الشقق اللي في الشروق… لشهد.
العربيات الفارهة… لمحمد.
ودخل على الشهادات والودائع والأراضي اللي في الساحل.
مبالغ طائلة تخلي الريق ينشف.
شفاههم كانت بترقص من الفرحة.
وعيونهم بتلمع بطمع يوجع القلب.
وأنا مسكت سبحتي العاج وبسبس في سري.
ما كنتش طمعانة في ملايين ولا أطيراط.
كنت مستنية حتة بيت يسترني، ولا جواب يبرد ناري، ولا كلمة رد اعتبار بعد العمر ده كله.
فجأة المحامي مسك ظرف صغير مطوي.
وقال بصوت واطي:
— للست أمينة حسن.
مده لي، كان خفيف كأنه هواء.
بس شهد كانت أسرع من البرق، خطفته من يد المحامي وفتحته قبل ما أمد إيدي.
طلّعت ورقة من جواه… ووقفت مصدومة.
كانت تذكرة أتوبيس سوبر جيت.
من القاهرة لمرسى مطروح.
ذهاب بس.
من غير رسالة، ولا قرش صاغ، ولا كلمة.
محمد ضحك ضحكة خبيثة وقال:
— مطروح هادية يا أمي وهتغيري جو… طراوة ومناسبة لسنك.
شيماء وطت رأسها وهي بتطمز الضحكة.
وشهد عملت نفسها بظبط طرحتها عشان تداري الشماتة.
في اللحظة دي فهمت اللعبة.
أبوهم رمى لهم الدنيا، ورماني أنا برة حسابه خالص.
ما نطقتش بكلمة.
مش عشان مش موجوعة، بس في إهانات بتلجم اللسان وتخلي الكبرياء يسكت.
حطيت التذكرة في شنطتي.
قمت من غير ما أبص لهم.
ومشيت… بس في حاجة جوايا اتكسرت ومستحيل تتصلح.
رجعت بيتي في شبرا وأنا شايلة الظرف كأنه قنبلة.
حطيت التذكرة على طبلية المطبخ.
نفس الطبلية اللي كنت بأكل عليها الحاج حسين لما أيده ارتعشت وما بقاش قادر يشيل اللقمة.
ونفس الطبلية اللي قعدت عليها أفرز الشغل عشان أسدد المديونيات.
قعدت أصافح الفراغ.
مطروح؟ الحاج حسين عمره ما جاب سيرتها على لسانه بكلمة عدلة.
بس قبل ما يموت بتلت أيام، وهو بيلقط أنفاسه بالعافية، مسك إيدي وعصرها وقال:
— يا أمينة… أوعي تحكمي على الصندوق من برة.
افتكرته بيهتري من السخونية.
بس كمل وقال:
— أوقات الكنز المستخبي بيبقى جوة الحاجة اللي الكل بايعها.
تاني يوم، لميت شنطة خيش صغيرة.
جلابيتين، وشال، وسبحتي، وصورة فرحنا القديمة، وقرشين كنت شايلاهم للزمن تحت بلاطة.
وقبل ما أقفل الباب، فتحت درج الكومودينو بتاع الحاج حسين.
لقيت صورة قدمية مقصوصة ومصفرة.
كان فيها الحاج حسين وهو شاب خاسس، وواقف جنبه راجل شبهه الفولة واتفلقت نصين.
ونفس العينين القاسية، ووراهم كان فيه بيت قديم وشجر زيتون.
قلبت الصورة، لقيته كاتب بخط أيده:
“حسين وحسنين — مطروح 1980”
حسنين؟

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *