ورثه حكايات روماني مكرم 1

حسنين كان النص التاني مني، بس الشيطان دخل بينه وبين ناس كبار هنا في مطروح على حتة أرض، وانتهت الحكاية بدم. حسنين اتقتل في وشي، وأنا أخدت حقه وحق عيلته، ودفنت السالفة ورجعت للقاهرة باسم جديد وربيت ثروة من الشقا والغل.
طوال السنين دي، كنت باخد كل قرش أرجعه مطروح، اشتريت الأراضي بتاعة حسنين، وبنيت المجمع، ورجعت اسم العيلة بالدهب والكرامة، بس من غير ما حد في القاهرة يعرف. لما حسيت إن أجلي قرب، وشفت عيالنا محمد وشهد بيحسبوا انفاسي وبيستكتروا عليا قرص الدواء اللي بتجيبيه من شقا خياطتك، عرفت إن الفلوس دي لو راحت لهم هتضيع في باطل وهتخليهم يرموكِ في دار مسنين.
عمارات القاهرة والشقق والعربيات اللي قطّعوها في مكتب المحامي… دي كانت الفكة يا أمينة. دي العقارات المديونة للمصالح الحكومية والضرائب، والشركات اللي على وش إفلاس. سبيتلهم الظاهر عشان ينشغلوا بيه ويعضوا في بعض، وسيبتلك أنتِ الروح والأصل. أنتِ اللي صنتيني في مرضي، وأنتِ اللي تستاهلي تكوني ست مطروح كلها.
الأستاذ مجدي معاه التوكيلات، ومصنع الزيتون تحت إيدك، ووراكِ رجال حسنين وحسين اللي هيحموكِ. خدّي حقك من الدنيا يا أمينة، وافتكري إن جوزك عمره ما بايعك.”*
مسحت دموعي بإيدي اللي انطفت فيها الشباب، والصدمة تتحول لجبل من الخزي لعيالي، وولاء غريب للراجل اللي افتكرته ظلمني.
وقف جنب المحامي راجل راجل بدوي كبير في السن، لابس كوفية بيضا ولحية شايبة، قرب مني ووطى راسه باحترام وقال:
— مرحب بيكِ يا حاجة أمينة في بيت الحبايب. أنا الشيخ طاهر… دراع الحاج حسنين زمان، ودراع الحاج حسين لحد ما فارقنا. أهلاً بيكِ في أملك وملكك.
دخلت القصر، المكان كان دافي ومفروش بفرش بدوي شيك وحصائر ملونة، وعلى الحيطان صور قديمة للحاج حسين وأخوه حسنين، كان صعب تفرق بينهم، نفس الملامح والنظرة الحادة.
الأستاذ مجدي قعد معايا على الطاولة وبدأ يشرح لي:
— يا حاجة أمينة، العقارات اللي عيالك أخدوها في القاهرة عليها مديونيات وضرايب ومشاكل قضائية تتجاوز الـ 15 مليون جنيه. الحاج حسين كان سايب اللعب مفتوح، ومحمد وشهد في خلال أسبوعين من تسجيل العقود باسمهم، هتوصلهم إخطارات الحجز والتحفظ. هم افتكروا إنهم أخدوا الكعكة، بس هم أخدوا الخازوق! أما هنا… المجمع ده بيدخل أرباح سنوية لا تقل عن ثمانية مليون جنيه صافي، غير المزارع اللي متقدرة بأرقام خيالية.
ابتسمت ابتسامة مكسورة، مش فرحانة بالفلوس، بس فرحانة إن كرامتي اللي اتدهست في جاردن سيتي رجعتلي في مطروح.
عدى شهر كامل وأنا قاعدة في مطروح. غسلت قلبي بالمية المالحة والهوا النظيف. غيّرت جلابيات الخيش، ولبست الشال البدوي الفاخر، وشعر الأبيض بياخده هوا البحر. الشيخ طاهر والأستاذ مجدي كانوا بينظموا العمل في المزرعة والمصنع، وأنا بقيت أدير المبالغ والأرباح ووجهتها لأعمال الخير ودور أيتام في مطروح باسم الحاج حسين وحسنين.
وفي يوم، وأنا قاعدة في الصالة العالية للبيت قدام البحر وبشرب شاي بالمرمية، التليفون الأرضي رن. الأستاذ مجدي رفع السماعة وسكت شوية، وبعدين بص لي وقال:
— ابنيكِ محمد وبنتك شهد على الباب برة يا حاجة أمينة… ومعاهم المحامي بتاع القاهرة.
قلبي دق دقة واحدة قوية، وبعدين سكن. جمدت الدموع في عيوني، وبصيت للشيخ طاهر اللي كان واقف جنب الشباك.
قال الشيخ طاهر بصوت هادي كأنه صخرة:
— يغوروا يا حاجة لو مش عايزة تشوفيهم؟
رديت بصوت حاد وجاف عمري ما سمعته من نفسي قبل كده:
— لا يا شيخ طاهر… دخلهم. دخلهم عشان يشوفوا تذكرة السفر اللي رمتها لي شهد، جابتني فين!
دخل محمد وشهد وشيماء مراته. كانوا باين عليهم التعب والبهدلة. الوشوش المشرقة بتاعت جاردن سيتي اختفت، والبدل الشيك والمناكير بقت مطفية. محمد كان وشه أصفر وشفتيه ناشفة، وشهد عيونها زي اللي طالعة من جنازة.
أول ما دخلوا الصالة الفاخرة وبصوا على السقف المذهب والأثاث والأراضي الممتدة لغاية البحر، عيونهم اتوسعت بصدمة شلتهم في مكانهم.
محمد بص لي وأنا قاعدة على كرسي هزاز من الخشب الزان، وفي إيدي سبحة العاج، وجنبي الأستاذ مجدي والشيخ طاهر واثنين من شباب العرب الحاملين لسمات الهيبة.
محمد اتكلم بصوت مرتعش ومش مصدق:
— أمي؟ أنتِ… أنتِ بتعملي إيه هنا؟ والمكان ده ملك مين؟
شهد قربت وهي بتبص للوحات العائلة وللأستاذ مجدي:
— أمي… المحامي بتاعنا في القاهرة قال إن بابا كان عنده أملاك هنا في مطروح باسمه وباسم أخوه التوأم… وقال إنك أنتِ المالك الوحيد لكل حاجة! ده صحيح؟
قمت وقف ببطء. مشيت خطوات ثابتة لحد ما بقيت واقفة قدامهم بالظبط. بصيت في عين محمد، وبعدين شهد، وبعدين شيماء اللي كانت مستخبية ورا جوزها خايفة.
قلت لهم بنبرة أبرد من تكييف جاردن سيتي:
— مش أنت يا محمد اللي قلت لي في مكتب المحامي: “مطروح هادية يا أمي وهتغيري جو… طراوة ومناسبة لسنك”؟
محمد بلع ريقه وصوته ضاع:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *