ورثه حكايات روماني مكرم 1

مين حسنين ده؟
أربعة وأربعين سنة جواز وعمري ما سمعت الاسم ده!
حطيت الصورة مع التذكرة، ولأول مرة حسيت إن الحاج حسين ما طردنيش… ده كان بيزقني لسِرّ دفنه طوال حياته.
بعد ساعات في الأتوبيس، نزلت في محطة مطروح.
وهناك لقيته.
راجل هيبة في الستينات، لابس جلابية بلدي نضيفة ومسكين محفظة جلد.
أول ما شافني جه عليا مباشرة وقال:
— الست أمينة؟
قلت له وأنا خايفة:
— أيوه أنا… أنت مين؟
ابتسم وقال:
— أنا الأستاذ مجدي… المحامي الخاص بالحاج حسين الله يرحمه في مطروح.
جسمي قشعر.
كمل وهو بيفتح باب العربية:
— الحاج وصاني ما أظهرش ولا أتكلم إلا لما تطلعي التذكرة وتيجي برجليكي هنا.
العربية مشيت بينا في شوارع مطروح، والأستاذ مجدي فهمني إن عيالي خدوا القشور واللي عينهم فيه، بس التذكرة دي كانت هي المفتاح لكل حاجة.
وقف قدام مجمع مباني وضخم بيطل على البحر مباشرة، وبص لي وقال:
#الكاتب_رومانى_مكرم_
— يا أمينة… الحاج حسين عمره ما حكالك عن أخوه التوأم حسنين والأملاك اللي تتوزن بالدهب هنا؟
طلعت الصورة بيد بترتعش، بص لها ونزل ملف أحمر تقيل وختمه رسمي وحطه في حجري.
كان مكتوب عليه:
“الوصية الحقيقية — تتفتح فقط لإيد أمينة حسن.”
وقال لي قبل ما ننزل:
— عيالك افتكروا إنهم خدوا كل حاجة… بس أبوهم سابلهم الفكة، وشايلك أنتِ الأصول والملك كله!
مشت العربية بينا في طريق كورنيش مطروح، والبحر أزرق صافي ملوش نهاية، والشمس بترمّي غزلها الذهب على المية، بس قلبي كان بيغلي زي أرجار فخار على نار هادية. مسكت الملف الأحمر في حضني وكأنه عيل صغير خايفة يضيع مني في الزحمة. بصيت للأستاذ مجدي والمقود في إيده، وسألته بصوت مخنوق بالوجع والدهشة:
— توأم؟ أربعة وأربعين سنة يا أستاذ مجدي… أربعة وأربعين سنة عايشة مع راجل في بيت واحد، بناكل في طبق واحد، وننام على مخدة واحدة، وما يقلش كلمة واحدة عن أخوه التوأم؟ إزاي؟ وليه؟
الأستاذ مجدي ما بصليش، كمل سواقة وهز رأسه بأسى وهو بيبص في المراية:
— الحاج حسين الله يرحمه كان شايل سر يهد جبال يا ست أمينة. السر ده هو اللي خلاكِ تشوفي القسوة في عينيه طوال السنين اللي فاتت، وهو اللي خلاه يسيب عيالك يرقصوا على تذكرة الأتوبيس. حسين ما ظلمكيش… حسين كان بيحميكِ منهم، وبيحمي حكايته من الطمع اللي كان عارف إنه هيعشعش في قلوبهم.
العربية وقفت قدام بوابات حديد فورفورجيه ضخمة، بيتفتح بعدها طريق متسفلت بين جنينتين زيتون ونخل، وفي الآخره قصر قديم بطراز معماري بدوي فاخر، الحجر بتاعه أبيض وجدرانه متطرزة بالنحاس.
نزل الأستاذ مجدي وفتح لي الباب:
— اتفضلي يا ست أمينة… مرحب بيكِ في أطيراط وعقارات آل شرقاوي. المكان ده كله، وست عمارات على البحر، وخمسين فدان زيتون وتين، ومصنع تعبئة زيت زيتون، مكتوبين باسمك أنتِ… بعقود بيع وشراء نهائية ومسجلة بالشهر العقاري من خمس سنين، مش وصية تتلغي ولا ورث يتقسم.
رجلي ما شالتنيش. قعدت على مصطبة رخام جنب البوابة، وفتحت الملف الأحمر بيد بترتعش. الورق كان ريحته عتق ومسجل بختم النسر. عقود ملكية، وفي نص الورق، لقيته حاطط جواب مكتوب بخط إيده اللي بعرفه كويس، الخط المايل اللي كنت بساعده يمسك القلم بيه وهو عيان.
فتحت الجواب وقريت بصوت مسموع والدموع بتجمع في عيوني:
*”يا أمينة… لو قريتي الجواب ده، يبقى أنا بقيت تحت التراب، ويبقى عيالنا عملوا اللي كنت متوقعه وأصعب. عارف إنك دلوقتي مجروحة، وعارف إن تذكرة مطروح كانت كرباج نزل على قلبك قدامهم. بس يا أمينة، العيال دول مش عيالي أنا بس، دول عيال الشبع بعد جوع، والطمع اللي أكل نفوسهم.
سنة 1980، لما اتجوزتك، كنت طالع من مطروح بهدومي اللي عليا، هربان من طار ومن سر دفنته مع أخويا التوأم حسنين.