ورثه حكايات روماني مكرم الاخير

عدت الأيام والأسابيع في مطروح زي المية الصافية اللي بتجري في النهر. المجمع بقيت أديره بنفسي بمساعدة الشيخ طاهر والأستاذ مجدي. لبست الهيبة البدية، وبقت كلمتي هي اللي تمشي على الصغير والكبير في المزارع والمصنع. الناس هنا كانت بتبصلي باحترام وتقول “الست أمينة كبيرة آل شرقاوي”، وأنا جوايا كنت حاسة إن روح الحاج حسين حاضرة في كل شبر، بيطبطب عليا وبيرد لي اعتباري بعد سنين الشقا والذل.
بس الطمع لما يعشعش في النفوس، مابيموتش بسهولة.
في ليلة كحيلة، والسما مغيمة وهوا البحر بيصرخ برة القصر، كنت قاعدة في الصالة الكبيرة براجع كشوف أرباح مصنع الزيتون مع الأستاذ مجدي. فجأة، سمعنا صوت خبط ورزع جامد على البوابة الحديد برة، وصوت كلاب الحراسة بتهوي بجنون.
الشيخ طاهر قام وقف بسرعة ومسك عصايته الزان الفاخرة، وخرج يتفقد الوضع. دقائق ورجع ووشه مشدود وغضبان، وبصلي وقال:
— يا حاجة أمينة… ابنيكِ محمد جاي ومعاه راجل غريب، ولابسين بدل ومعاهم قوة من الشرطة ومحضر قضائي!
قلبي مقبضش ولا اتهزت فيا شعرة. مسكت سبحتي العاج وقومت بلطف وثبات، وبصيت للمحامي مجدي وقلت له:
— افتح لهم البوابة يا شيخ طاهر… خلينا نشوف آخرة الحقد إيه.
دخل محمد الصالة، بس المرة دي ما كانش مقهور ولا جبل الهم راكبه زي المرة اللي فاتت. كان ماشي بخطوة متكبرة وعينيه بتطق شرار، وجنبه راجل طويل ببدلة رمادي ونظارة طبية حادة، ووراهم أمين شرطة شايل ملف أصفر كبير.
محمد بصلي بابتسامة خبيثة ورسم ضحكة النصر على وشه وقال:
— مساؤك خير يا أمي… أو أقولك يا “حاجة أمينة” زي ما الناس هنا بتقولك؟ فاكرة لما طردتينا وركبتينا العار قدام عرب مطروح؟ فاكرة لما قلتِ إننا مالناش قرش صاغ هنا؟
ما رديتش عليه، فضلت باصلة له بحسرة الأم اللي شافت ابنها بيبصق على أصلة.
الراجل اللي جنبه اتكلم بنبرة جافة ورسمية:
— أنا الأستاذ وفيق، المحامي الموكل عن السيد محمد والسيدة شهد ورثة المرحوم حسين الشرقاوي. وإحنا هنا النهارده وبمعية النيابة العامة لتنفيذ قرار التحفظ والمباشرة القسرية على الأملاك دي كلها!
/> الأستاذ مجدي اتدخل بسرعة ووقف في وشهم:
— تحفظ إيه ومباشرة إيه يا أستاذ؟! الأملاك دي مسجلة بالشهر العقاري باسم الست أمينة بعقود بيع وشراء نهائية ومشهورة من أكتر من خمس سنين، مش ورث ولا يخص المورث في حاجة!
المحامي وفيق ضحك بصوت عالي وثقة:
— ده كان زمان يا أستاذ مجدي… إحنا رفعنا دعوى الحجر والحجر العالي، وأثبتنا بالتقارير الطبية إن المرحوم حسين الشرقاوي في أفراده الأخيرة وبسبب مرضه بالسكر والضغط والتدهور العقلي، ما كانش في أهليته القانونية لما وقع العقود دي! والنيابة أصدرت قرار بوقف التصرف والتحفظ على كافة العقارات والمزارع لحين الفصل في بطلان عقود البيع لصالح الورثة الشرعيين!
محمد قرب مني خطوتين وبصلي بكل الشماتة اللي في الدنيا:
— فاكرة التذكرة يا أمي؟ التذكرة دي هترجعي تركبيها تاني بس المرة دي لشبابيك السجون أو لدار رعاية تليق بسنك! الفلوس دي فلوس أبويا، وأنا وشهد ولاده الأصليين، مش هنسيبك تاخدي حبة رمل واحدة وتفرقيها على الغرباء!
شيماء مراته كانت واقفة عند الباب وضحكت بصوت واطي وهي بتبص للفرش واللوحات:
— أهو الملك رجع لأصحابه يا حاجة… والتعب اللي تعبتيه هيروح في الملاية!
الشيخ طاهر وشباب العرب حطوا إيدهم على أسلحتهم، والمكان كان هيتحول لساحة دم في ثواني. الأمين الشرطة اتوتر، ومحمد بدأ يرجع لورا خايف.
رفعـت إيدي للسما وقلت بصرامة هزت المكان:
— نزلوا سلاحكم يا شيخ طاهر! إحنا ناس بالقانون وعشنا بعرق جبيننا، ومحدش هيوسخ إيده بدم الخونة دول!
بصيت للأستاذ مجدي وقيلت له بصوت هادي جداً:
— يا أستاذ مجدي… طلع الملف الأسود اللي الحاج حسين سابهولك في الخزنة السرية وقال “ده يتقفل بيه الباب لو الطمع نطق”.
محمد وشه اتغير والأستاذ وفيق المحامي بتاعه بص للأستاذ مجدي باستغراب.
الأستاذ مجدي ابتسم ابتسامة هادية جداً، ومشي ناحية مكتبة الخشب العتيقة، حرك كتاب قديم، فتح باب خزنة داخلية صلبة، وطلع منها ملف جلدي أسود ومختوم بشمع أحمر ومطبوع عليه شعار وزارة العدل ووزارة الداخلية.
الأستاذ مجدي فتح الملف والدباش والأوراق الموثقة وقال بصوت جاف كالرصاص:
— الأستاذ وفيق… أنت جاي تطعن في أهلية الحاج حسين الله يرحمه وتتهم الست أمينة بالتزوير والنصب؟
المحامي وفيق اتكلم بثقة مهزوزة:
— أيوه… والتقارير الطبية معانا!
الأستاذ مجدي طلع ورقة رسمية ومصنفة “سرية للغاية”:
— التقارير الطبية اللي معاك دي يا أستاذ تخص مستشفى خاص في القاهرة أنت ومحمد اشتريتوها بفلوس الحرام. بس الورقة اللي في إيدي دي هي تقرير الكشف الطبي والمجلس الطبي الشرعي الصادر عن المحكمة قبل وفاة الحاج حسين بستة أشهر فقط، لما كان بينقل الملكية. وتقرير المجلس الطبي بيأكد إن الحاج حسين كان بكامل أهليته العقلية والنفسية.
وبعدين طلع ورقة ثانية، ونظر لمحمد بجمود:
— مش بس كده يا محمد… الملف ده فيه كشف الحسابات البنكية اللي تثبت إن المبالغ اللي اتشرت بيها أراضي مطروح دي، كانت أصول مسجلة باسم “حسنين الشرقاوي” شقيق الحاج حسين، ومسجلة بوكالة شرعية وإدارة أموال من الثمانينيات! والأهم من ده كله… اتفضل أقرا الشيك ده!
المحامي وفيق مسك الورقة من إيد الأستاذ مجدي وقراها، وفجأة عينيه اتوسعت وركبه سابت وشه اتقلب أصفر زي الليمونة.
محمد صرخ:
— فيه إيه يا أستاذ وفيق؟! فيه إيه مكتوب في الورقة دي؟!
المحامي وفيق بص لمحمد بغضب مكتوم ووقال بصوت مرتعش:
— أنت يابني ودتني في داهية! أبوك الحاج حسين كاتب إقرار وتبادل مالي موثق في الشهر العقاري والنيابة العامة… يثبت إنه نقل كل الديون المديونة بيها الشركات والعمارات اللي في القاهرة لاسمك أنت وشهد رسمياً مقابل تنازلكم عن أي حق في أملاك مطروح! ومكتوب بند صريح: إن أي محاولة للطعن على ملكية مطروح، بتفعل فوراً قضية التهرب الضريبي والأموال العامة المرفوعة ضد الشركات دي… وده معناه إنك أنت وشهد متهمين رسمياً بتزيير أوراق ومحاولة الاستيلاء على أموال القصر والقضايا دي عقوبتها السجن المشدد مش أقل من عشر سنين!
محمد اتصدم وقعد على الأرض ومش قادر يتنفس:
— يعني إيه؟