ورثه حكايات روماني مكرم الاخير

ووراها محمد، وشه متبهدل وفيه آثار ضرب، عينيه زارقة وهدومه ممزقة، وجروا هما الاتنين ونزلوا عند رجلي في الصالة وهم بيبكوا بصوت يقطع القلب.
شهد مسكت جلابيتي ودموعها نازلة كحيلة على وشها المتبهدل:
— الحقينا يا أمي! الحقينا والنتي يا أمي! الشقة اتباعت في المزادات المباشرة، والعربيات سحبوها، والناس اللي كان محمد مجرجرهم في صفقات مضروبة ضربوه في الشارع وكسروا بيته! إحنا بايتين في الأتوبيسات والشارع بقالنا أسبوع!
محمد رفع إيده اللي كانت بترتعش ومجروحة، وبصلي بصوت مخنوق من البكا:
— يرضيكِ يا أمي ابنك ينام في المحطات؟ يرضيكِ بنتك يتشرك ويتقال عليها هربانة؟ أنا عارف إننا ظلمناكي… وعارف إننا بعناكي في مكتب المحامي وجرينا ورا الفلوس المسمومة… بس إحنا عيالك! الدم مش هيبقى مية يا أمي! خبّينا هنا في المزرعة بس كام يوم لحد ما الأمور تهدى!
شيماء مراته ما كانتش معاهم. رديت بنبرة ناشفة متماسكة بالعافية:
— وفين شيماء يا محمد؟ فين اللي كانت بتطمز الضحكة تحت الضرس لما استكترتوا عليا قرص الدواء؟
محمد نزل راسه في الأرض وصوته اتخنق بالخزي:
— سابتني يا أمي… أول ما المحكمة حجزت على الشقة والمالية جم سحبوا العربية، أخدت صيغتها وشنطها وطلبت الطلاق ورفعت عليا قضية نفقة وقايمة… سابتني في أول محطة زي ما سيبناكي بالظبط!
الشيخ طاهر قرب وقالي بصوت واطي:
— يا حاجة أمينة… البوكسات بتاعة المباحث والدوريات دخلت طريق المزرعة برة، الضوء الأزرق والأحمر مالين الطريق. هم تتبعوا عربيتهم أو تليفوناتهم وجايين ينفذوا أمر النيابة العامة بضبطهم داخل المزرعة!
شهد صرخت بصوت هيستيري واستخبت ورا ظهري:
— ياما! أرجوكِ يا أمي يرحم والديكِ! متخليهومش ياخدوني السجن! أنا بنتك شهد اللي كنتِ بتساهري عليا لما أبرد! اخفيني في أي مخزن في المزرعة!
محمد كان بيلحس دموعه ومسك رجلي يترجاني:
— أمي… اشتري حريتنا! أدفعي كفالتنا والديون من أرباح المصنع! أنتِ معاكي الملايين والمزرعة بتجيب دهب! فكي أسر ابنك وبنتك!
بصيت لعيالي الاثنين وهما تحت رجلي…
اللحظة دي كانت أتقل لحظة مرت عليا في سبعين سنة. اللحظة اللي بتختبري فيها معنى الأمومة لما تتقابل مع العدل، ومع درس الحياة القاسي اللي لازم يتكتب بالدمع.
الأستاذ مجدي بصلي وقال:
— القرار قرارك يا حاجة أمينة… لو أردتِ تمنعي دخول الشرطة لحد ما ندفع المبالغ ونعمل تسويات مع الدائنين، المجمع والمبالغ اللي في حساباتك تقدر تغطي ديونهم القريبة وتمنع حبسهم… بس ده معناه إنك هتضحي بنصف أصول المزرعة ومصنع الزيتون اللي الحاج حسين سابهم عشان يصونوا كرامتك!
الضوء الأزرق والأحمر بتاع عربيات الشرطة زغلل في أزجاج الصالة الكبيرة، وصوت السيلين ضرب برة البوابة.
محمد وشهد مسكوا في جلابيتي بذهول ورعب، وعيونهم متسعة بتستجدي مني كلمة واحدة… كلمة تخليهم ينجوا من المصير اللي صنعوه بإيديهم، أو كلمة تطردهم لظلمة السجن!
وقفت بثبات شديد، وبصيت للأستاذ مجدي وللشيخ طاهر، وبعدين بصيت لباب القصر اللي البوليس بيخبط عليه بقوة…
أخذت نفس طويل، وريحة المطر والزيتون مليت صدري. بصيت لمحمد وشهد وهما ماسكين في جلابيتي ورجليهم بترتعش، وصوت خبط البوليس على البوابة بيزيد زي طلقات الرصاص.
سحبت جلابيتي ببطء وثبات من بين إيديهم، ورجعت خطوة لورا. بصيت في عين محمد المكسورة وفي دموع شهد المطينة، وقلت بصوت هادي وبديد ما فيهوش ولا نقطة تردد:
— الشيخ طاهر… افتح للشرطة.
شهد صرخت صرخة هزت أركان البيت:
— ياما! هتسلمينا للبوليس يا أمي؟! أنا بنتك!
ومحمد قام وقف زي المجنون وهو بيزعق والدموع مالية وشه:
— أنتِ إيه؟! قلبك إيه؟! بقى تضحي بعيالك عشان حتة أرض وفلوس سايبها راجل ميت؟!
بصيت له بثبات وقسوة الأم اللي بتتوجع بس بترمّم اللي اتكسر بالعدل:
— الفلوس والأرض مش هما السبب يا محمد. السبب هو انتم. السبع سنين اللي انتم رميتوني فيهم أخدم أبوكم وأشحت ثمن دواكم، السبع سنين اللي كنتم بتتمنوا فيهم موته عشان تاخدوا “الهبرة”… هما اللي جابوكم هنا تحت رجلي.