ورثه حكايات روماني مكرم الاخير

يعني أبويا كان عامل حسابه لكل ده؟
مسكت الملف الأسود بيدي، وقربت من محمد وهو قاعد على الأرض زي العيل الصغير المكسور. بصيت في عينيه وقلت له بكل قسوة الدنيا وبكل حنان الأم اللي اتدبح:
— أبوك حسين كان عارف إنكم هتاكلوا لحمه بعد موته، وكان عارف إنكم مش هترحموني. سابلكم الفكة القذرة والديون اللي تكسر رقبتكم عشان تعرفوا قيمة القرش الحلال، وشايل لي أنا الأمان والسند عشان يصون كرامتي.
الأمين الشرطة اللي كان واقف، أخد خطوة لقدام وبص للمحامي وفيق وقال:
— المحضر اللي معاكم مالوش أي قيمة إجرائية قدام المستندات الرسمية دي يا أستاذ… اتفضلوا معايا على القسم عشان نبلغ النيابة ببطلان البلاغ ومحاولة التعدي على ملكية غيرك!
محمد بدأ يبكي ويزعق بصوت هيستيري:
— أمي! سامحيني يا أمي! الشقة هيروحوا يحجزوا عليها بكرة! وشهد جوزها طلقها لما عرف إن العقارات مديونة! والشيكات اللي عليا هتوديني السجن! الحقي ابنيك يا أمي… أنا ابنك الوحيد!
شيماء مراته سابت الشنطة الماركة من إيدها وبدأت تبكي وتترجاني:
— يا حاجة أمينة أرجوكِ… إحنا غلطنا، بس محمد مالهوش ذنب أنا اللي وزيته! سامحينا والنسى اللي فات!
بصيت لهم هما الاتنين، وبصيت للتذكرة السوبر جيت اللي كانت لسه محطوطة على الطاولة الرخام.
رفعت التذكرة وحطيتها في إيد محمد المرتعشة، وقلت له بصوت أبرد من الموت:
— التذكرة دي كانت بـ مية وجنيه… جابتني للخير والستر والكرامة. خذها يا محمد… أديها لأختك شهد ولزوجتك، وارجعوا بيها للقاهرة… بس المرة دي، مالكمش رجوع هنا تاني، ولا في قلبي ولا في ملكي.
خرجهم رجال الشيخ طاهر وأمين الشرطة برة البوابة، واتقفلت الأبواب الصاج الثقيلة وصوت رنتها كان يعلن نهاية كل خيط كان بيربطني بعيالي اللي باعوني.
وقفت في الجنينة بين شجر الزيتون، وبصيت للسما اللي بدأت تمطر مطر خفيف ونظيف يغسل أرض مطروح. ابتسمت ودمعة واحدة نزل من عيني… دمعة وداع لأربعة وأربعين سنة من المداواة، ودمعة بداية لحياة جديدة بقيت فيها الست أمينة… ملكة أراضي آل شرقاوي.

تمر الأيام والشهور في مطروح، وريحة الزيتون والمية المالحة بقت تغسل باقي الوجع من صدري. البيت العالي اللي على البحر بقى مليان دفا وحركة؛ الصبح باجتماعات مع الشيخ طاهر والأستاذ مجدي لمتابعة خطوط إنتاج زيت الزيتون وتوزيع المحاصيل، وبالليل بجلسات الخير مع عرب مطروح اللي بقى لهم عندي احترام وتقدير كبير. بقيت “الكبيرة” مش بس بالورق والملك، لكن بالعدل والحكمة اللي اتعلمتهم من سنين الشقا.
في الشتاء، مطروح بيبقى ليها هيبة تانية. المطر بينزل يغسل الشوارع والحجر، والبحر بيصرخ بأمواجه العالية كأنه بيكشف كل اللي مستخبي تحت القاع.
وفي ليلة مطيرة من أشد ليالي الشتاء، والسما بتبرق وترعد، والشيخ طاهر قاعد جنب الدفاية مع الأستاذ مجدي بيراجعوا حسابات الجمعية الخيرية اللي عملناها باسم الحاج حسين والحاج حسنين، سمعنا صوت صراخ وزعيق برة البوابة الرئيسية. الصوت كان متداخل مع صوت المطر والهوا العاتي.
الشيخ طاهر قام وقف ونفض عبايته، وخرج مع شباب العرب يستكشفوا في إيه. دقائق معدودة ورجع الأستاذ مجدي بسرعة ووشه مشدود ومش على بعضه، وبصلي بذهول وقال:
— يا حاجة أمينة… المصيبة جات لحد عندنا! بنتك شهد وابنك محمد برة على البوابة، بس مش جايين يطالبوا بحاجة ولا جايين بتهديد… جايين يهربوا!
قلبي اتنفض، وقفت ببطء وقلت له:
— يهربوا من إيه يا أستاذ مجدي؟
— الشرطة والأموال العامة نازلين وراهم بقرارات ضبط وإحضار في قضايا شيكات بدون رصيد وتدليس وتزوير عقارات بالقاهرة. الديون أكلت الأخضر واليابس، والشركات اللي سابها لهم أبوهم كان فيها بلاغات قديمة ومحاضر نصب وضرايب بمليارات. هم جوم مطروح فاكرين إن الحدود والمزارع هتحميهم من الحكومة ومن الناس اللي لهم فلوس عندهم!
قبل ما أرد، الباب الضخم بتاع الصالة اتفتح ودخلت شهد… بس ما كانتش شهد بتاعة المانكير الفاقع واللبس الشيك الأسود. كانت ماشية بحفاء، هدومها مبلولة ومطينة من مطر الشارع، شعرها منكوش ووشها باهت زي الميتين.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *