ورثه حكايات روماني مكرم الاخير

أنا لو دفعت الملايين دي وعفيت عنكم، هكون بظلم أبوكم اللي عاش يتقطع عشان يربيكم، وهكون بظلم نفسي. السجن مش انتقام مني يا محمد… السجن هو الدرس الوحيد اللي فاضل عشان نفوسكم تنظف من الطمع.
الباب الضخم اتفتح، ودخل رئيس المباحث ومعاه القوة. بص للمكان باحترام، وبعدين بصلي وقال:
— أسفين على الإزعاج يا حاجة أمينة، بس معانا أوامر ضبط وإحضار رسمية صادرة من النيابة العامة للمتهم محمد حسين والمتهمة شهد حسين.
هزيت رأسي بثبات:
— اتفضل يا بيه… أدي واجبتك.
الضباط قربوا، والكلابشات الحديد رن صوتها في الصالة وهي بتتقفل على إيدين محمد وشهد. شهد كانت بتصرخ وتبكي وهي بتتسحب برة البيت، ومحمد كان ماشي وراسه في الأرض ومش قادر يبص في عيني، ودموعه نازلة على البلاط الرخام.
شيماء مراته، وعمارات القاهرة، والسيارات، والطمع اللي أكل قلوبهم… كله انهار في لحظة واحدة. خرجوا برة البوابة، واتقفلت وراهم أبواب عربية البوليس، ومشت الصافرات وهي بتختفي في ظلام الليل والمطر.
سكت المكان تماماً. الأستاذ مجدي والشيخ طاهر كانوا واقفين بصمت، وبصوا لي باحترام وإجلال.
مشيت لحد الشباك الكبير المطل على البحر. المطر كان بدأ يهدى، والنجمة الأولى ظهرت في السما من بين السحاب. طلعت تذكرة السوبر جيت القديمة من جيب جلابيتي… التذكرة اللي كانت سبب في كل ده، التذكرة اللي افتكروها إهانة، وطلعت هي بوابتي للكرامة والشرف.
مسكت التذكرة، وبإيد ثابتة، قطعتها نصين… ورميتها في هواء البحر اللي أخدها وطار بيها بعيد.
التفتّ للأستاذ مجدي والشيخ طاهر وابتسمت ابتسامة صافية لأول مرة من سنين طويلة، وقلت:
— يلا يا أستاذ مجدي… يلا يا شيخ طاهر. إحنا عندنا شغل كتير بكرة في المزرعة، وعندنا أيتام ومحتاجين في مطروح منتظرين حقهم في خير آل شرقاوي.
عشت باقي عمري في مطروح، حرة، عزيزة، ومرفوعة الراس. عرفت إن الكنز الحقيقي مش في الملايين ولا الأطيراط… الكنز هو الكرامة، والعدل اللي بيمهل بس ما بيهملش أبداً.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *