مكتوب كتابنا حكايات روماني مكرم الاخير

في نفس اللحظة، خرج والد ندى وعمها من باب العمارة بسرعة وحزم، ومعهما اثنان من رجال الشارع الذين سمعوا الصوت المرتفع. تحول في عيني حسام فوراً إلى رعب وخزي.

وقف والد ندى أمامه بكل كبرياء وقوة: “لو شفت خيالك بس في الشارع ده تاني، أو فكرت تنطق اسم بنتي بكلمة، مش بس هنعمل فيك محضر عدم تعرض وابتزاز، ده الشارع كله هيعرف حقيقتك وحقيقة الشقة والمفتاح اللي بتستغلهم على بنات الناس! امشي من هنا فوراً قبل ما أطلبلك !”

نظر حسام حوله، فرأى نظرات الازدراء تعتليه من كل جانب؛ من والد ندى، وعمها، وأهل الشارع، وحتى من ندى نفسها التي كانت تنظر إليه ليس بخوف ولا بحقد، بل بفقر وشفقة على ضآلته ونقص رجولته.

عادت ندى إلى شقتها مع والدها وعمها. أغلقت الباب خلفهم، لكن هذه المرة كان إغلاق الباب يبعث على الأمان والسكينة. أخذت نفساً عميقاً، وشعرت بأن الحساب القديم قد أُغلق بالكامل، وأن الخوف الذي طاردها لأشهر قد تحول إلى قوة لا تُقهر.

جلست على حاسوبها، وفي تلك الليلة بالذات، وصلتها رسالة القبول النهائية في المنحة الدراسية التي طالما حلمت بها. ابتسمت لنفسها في المرآة، ورأت امرأة جديدة؛ امرأة لم تسمح لقفلة باب أن حياتها، بل جعلت منها نقطة انطلاق لنهاية تستحقها.. نهاية كانت على وشك أن تُكتب بكلماتها هي فقط في الجزء الأخير.

بعد مرور عامين على تلك الليلة المطيرة، كانت ندى تقف في قاعة المؤتمرات الكبرى بمدينة القاهرة، ترتدي بذلة رسمية أنيقة وتستعد لإلقاء كلمتها بعد حصولها على درجة الماجستير في إدارة الأعمال بتفوق، وتأسيسها لجمعيّتها الأهلية الخاصة بدعم وتوعية الفتيات المقبلات على الزواج قانونياً ونفسياً.
لم تكن القاعة مجرد مكان لتكريم نجاح أكاديمي، بل كانت شهادة ميلاد لامرأة أعادت تعريف حياتها بالكامل. في الصفوف الأولى، كان يجلس والدها وأمها، وعيونهما تفيض الفخر والاعتنان. كان الوالد ينظر إليها وكأنه يرى الشجرة الطيبة التي غرسها، وثبتت جذورها في الأرض رغم أعتى العواصف.

صعدت ندى إلى المنصة، استقرت أمام الميكروفون، ونظرت إلى الحضور الغفير من الشباب، والفتيات، والأهالي. لم تبدأ كلمتها بالنظريات الاقتصادية ولا بالأرقام الجافة، بل بدأت بحكاية.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *