مكتوب كتابنا حكايات روماني مكرم الاخير

خرجت من مكتب المأذون، والشمس كانت ساطعة في منتصف النهار. تنفست الصعداء، وكأن الهواء أخيرًا يدخل رئتيها دون طعم الدهان الجديد أو خشب العفش الذي ارتبط بأبشع لحظة في حياتها.
بعد شهرين من الحادثة، وقبل أيام قليلة من الموعد الذي كان مفترضاً أن يكون “يوم زفافها القديم”، تلقت ندى إشعارات على هاتفها من أصدقاء مشتركين. كانت الصور تنتشر لحسام وهو يحتفل بفرط استعراض ببدء خطوبة جديدة من فتاة أخرى من معارف عائلته البعيدين، وكأنه يحاول إثبات أن حياته لم تتوقف، وأن المشكلة كانت كلياً في “ندى”.
أتت والدتها إليها بالهاتف وهي تبكي بحرقة: “شفتي؟ خطب غيرك في شهرين! الناس هتقول إن العيب كان فيكِ أنتِ عشان كده سابك وخطب فوراً!”
ابتسمت ندى ابتسامة هادئة، وأمسكت يد والدتها وجلست بجوارها: “بالعكس يا أمي.. الصور دي أكدت لي إني صح. اللي يغير مشاعره ويتجاوز أزمة كادت تهد حياة بني آدمين في شهرين، ده شخص بيلبس أقنعة، وما يفرقش معاه غير ذكورته ورغباته. الفتاة الجديدة دي هي اللي محتاجة الدُعاء، لأنها رايحة لنفس الفخ اللي أنا خرجت منه بصعوبة.”
في تلك الليلة، قامت ندى بخطوة جادة؛ جمعت كل بطاقات الدعوة القديمة، والفستان الأبيض الذي كان معلقاً كشبح في زاويتها، وقررت التبرع بالفستان لجمعية خيرية تزف به عروساً أخرى قد تجد فيه سعادتها، وقامت بحرق بطاقات الدعوة واحدة تلو الأخرى في صحن معدني صغير ببالكونة غرفتها.
مع كل ورقة تتآكلها النار، كانت ندى تشعر بأن جزءاً من الثقل المادي والنفسي يتبخر في الهواء. لم تكن تبكي على ما فات، بل كانت تخطط لما هو قادم. فتحت حاسوبها المحمول، وبدأت في التقديم على منحة دراسية في إدارة الأعمال كانت قد أجلتها في السابق من أجل التفرغ لترتيبات الزواج وإرضاء حسام.
وفي الوقت الذي كان البعض يظن أن ندى قد انكسرت وانزوت في غرفتها تندب حظها، كانت هي تبني النسخة الأقوى من نفسها؛ النسخة التي تعلمت أن “الباب المغلق” لا يجب أن يخفي وراءه الخوف، وأن حدود كرامتها خط أحمر لا يمكن مساومته، مهما كان الثمن الاجتماعي باهظاً.
لكن الأيام كانت تخبئ مفاجأة لم تكن في الحسبان، حين بدأ هاتف ندى يرن مجدداً بعد ثلاثة أشهر من ، وهذه المرة لم يكن المتصل حسام ولا والده، بل رقم غريب سيغير مسار الأحداث تماماً.
كان الرقم الغريب يرتجف على شاشة الهاتف، ينبض بين أرقام خضراء متتالية، وكأنه نداء من مجهول يحمل في طياته بقايا حكايات لم تُغلق بعد. نظرت ندى إلى الشاشة لثوانٍ، أخذت نفساً عميقاً، ثم فتحت الخط بصوت هادئ ومستقر: “ألو؟”