بنتي ماتت وهي 18 2
الدم جمد في عروقي وأنا بسمع صوته المكسور في السماعة، “تحت البيت؟!” بصيت على شباك الصالة الموارب، وقفت براحة من غير ما أعمل صوت، قربت من الستارة وزحتها بطرف صباعي، شفت نفس العربية السودة الكبيرة راكنة في الضلمة تحت شجرة الكافور القديمة اللي قصاد العمارة، النور الداخلي بتاع العربية كان منور، ومريم كانت قاعدة على كرسي السواق، باصة لفوق ناحية بلكونتي وعينيها مليانة لهفة وخوف.
قفلت التليفون في وشه من غير ما أنطق ولا كلمة زيادة، رجعت خطوتين لورا وأنا حاسة إن الهوا في الصالة بقى تقيل وخانق، بصيت لآدم، كان مندمج في التلوين، ماسك القلم الرصاص وبيظلل شمس طالعة بين جبلين، بريء لدرجة تقطع القلب، ميعرفش إن أبوه اللي قعد عشر سنين يدور على طيفه واقف على بعد أمتار منه، متداري في ضلمة الشارع. قربت من آدم، وطيت عليه وبوست راسه بحنية، سألني وهو عينه على الكراسة:— مين اللي كان بيكلمك يا تيتة؟ وشك أصفر أوي.
حاولت أبتسم وقولتله بصوت هادي قدر الإمكان:— دي واحدة صاحبتي قديمة يا حبيبي، محتاجة أساعدها في حاجة ضرورية، ادخل أوضتك كمل رسمك، وشغل التلفزيون شوية، أنا هنزل مشوار صغير عند مدخل العمارة ومش هتأخر عليكي، متفتحش الباب لأي مخلوق مهما خبط، فاهم؟بصلي باهتمام، وهز راسه بطاعة:— حاضر يا تيتة، مش هتأخر، صح؟ عشان عايزاكِ تشوفي الرسمة لما تخلص.
— مش هتأخر يا روح قلب تيتة. دخل آدم أوضته وقفل الباب وراه، أخدت نفس عميق، حطيت سلسلة سارة اللي فضلت محتفظة بريحتها في جيبي، ولبست طرحتي ونزلت على السلم خطوة خطوة، كل درجة كنت بنزلها كانت بتفكرني بيوم ما سارة نزلت وهي تعبانة وبتتألم وراحت المستشفى ومامشتش معايا بعدها، كنت حاسة إني نازلة أقابل شبح الماضي اللي هربت منه عشر سنين.
فتحت باب العمارة الحديد، البرد لسع وشي، أول ما طلعت على الرصيف، باب العربية السودة اتفتح، مريم نزلت بسرعة وجريت نحوي، كان باين عليها الإجهاد والتوتر، وقفت قدامي وعينيها بتترجاني:— شكراً إنك نزلتي… طارق هيموت من القلق جوه، صدقيني هو مظلوم زي بنتك بالظبط. شاورتلها بإيدي تسكت:— متتكلميش أنتي خالص يا مريم، أنتي وجوزك السبب في كل اللي حصل، سكوتك زمان كان شراكة في الجريمة، ابعدي عني دلوقتي. مريم بلعت ريقها ونزلت راسها، رجعت لورا وفتحت الباب الخلفي للعربية، قربت بخطوات بطيئة، ولما وقفت قصاد الباب المفتوح، شفت طارق.
