الدم جمد في عروقي وأنا بسمع صوته المكسور في السماعة، "تحت البيت؟!" بصيت على شباك الصالة الموارب، وقفت براحة من غير ما أعمل صوت، قربت من الستارة وزحتها بطرف صباعي، شفت نفس العربية السودة الكبيرة راكنة في الضلمة تحت شجرة الكافور القديمة اللي قصاد العمارة، النور الداخلي بتاع العربية كان منور، ومريم كانت قاعدة على كرسي السواق، باصة لفوق ناحية بلكونتي وعينيها مليانة لهفة وخوف. قفلت التليفون في وشه من غير ما أنطق ولا كلمة زيادة، رجعت خطوتين لورا وأنا حاسة إن الهوا في الصالة بقى تقيل وخانق، بصيت لآدم، كان مندمج في التلوين، ماسك القلم الرصاص وبيظلل شمس طالعة بين جبلين، بريء لدرجة تقطع القلب، ميعرفش إن أبوه اللي قعد عشر سنين يدور على طيفه واقف على بعد أمتار منه، متداري في ضلمة الشارع. قربت من آدم، وطيت عليه وبوست راسه بحنية، سألني وهو عينه على الكراسة:— مين اللي كان بيكلمك يا تيتة؟ وشك أصفر أوي. حاولت أبتسم وقولتله بصوت هادي قدر الإمكان:— دي واحدة صاحبتي قديمة يا حبيبي، محتاجة أساعدها في حاجة ضرورية، ادخل أوضتك كمل رسمك، وشغل التلفزيون شوية، أنا هنزل مشوار صغير عند مدخل العمارة ومش هتأخر عليكي، متفتحش الباب لأي مخلوق مهما خبط، فاهم؟بصلي باهتمام، وهز راسه بطاعة:— حاضر يا تيتة، مش هتأخر، صح؟ عشان عايزاكِ تشوفي الرسمة لما تخلص. — مش هتأخر يا روح قلب تيتة. دخل آدم أوضته وقفل الباب وراه، أخدت نفس عميق، حطيت سلسلة سارة اللي فضلت محتفظة بريحتها في جيبي، ولبست طرحتي ونزلت على السلم خطوة خطوة، كل درجة كنت بنزلها كانت بتفكرني بيوم ما سارة نزلت وهي تعبانة وبتتألم وراحت المستشفى ومامشتش معايا بعدها، كنت حاسة إني نازلة أقابل شبح الماضي اللي هربت منه عشر سنين. فتحت باب العمارة الحديد، البرد لسع وشي، أول ما طلعت على الرصيف، باب العربية السودة اتفتح، مريم نزلت بسرعة وجريت نحوي، كان باين عليها الإجهاد والتوتر، وقفت قدامي وعينيها بتترجاني:— شكراً إنك نزلتي... طارق هيموت من القلق جوه، صدقيني هو مظلوم زي بنتك بالظبط. شاورتلها بإيدي تسكت:— متتكلميش أنتي خالص يا مريم، أنتي وجوزك السبب في كل اللي حصل، سكوتك زمان كان شراكة في الجريمة، ابعدي عني دلوقتي. مريم بلعت ريقها ونزلت راسها، رجعت لورا وفتحت الباب الخلفي للعربية، قربت بخطوات بطيئة، ولما وقفت قصاد الباب المفتوح، شفت طارق. الراجل اللي كان في خيالي صورة شاب متمرد وقوي، مكنش موجود، اللي كان قاعد قصادي راجل في أول التلاتينات، بس ملامحه تدي خمسين سنة، دقنه مهملة وشاحب، جسمه هزيل متغطي ببطانية تقيلة على رجليه، عينه كانت حمرا ووارمة من العياط، وأول ما اتقابلت عيني في عينه، كأني شفت نظرة سارة قبل ما تدخل أوضة العمليات، نفس الكسرة، نفس الرجاء. طارق حاول يتحرك، مد إيديه الاتنين اللي كانوا بيترعشوا وسند بيهم على الكرسي كأنه بيحاول يقوم عشان يركع قدامي، بس رجليه خانته ووقع تاني في الكرسي وصدرت منه أنة وجع وذل:— متقفيش بعيد كده يا أمي... تعالي اضربيني، اشتميني، دوسي على رجلي العاجزة دي، بس متحرمنيش إني أشم ريحة سارة اللي سيباهالي في ابنها. لساني اتعقد، مكنتش قادرة أصرخ فيه زي ما كنت ناوية، الغضب اللي كان جيمي اتبخر وحل محله ألم مميت، مديت إيدي جوه جيبي، وطلعت السلسلة الفضة، حطيتها في كفه المفتوح. طارق أول ما شاف الدلاية، شهق شهقة حسيت إنها هتخلع روحه من مكانه، قفل صوابعه عليها بقوة كأنه بيمسك آخر أمل في حياته، رفع السلسلة وباسها وحطها على صدره وهو بينهار تماماً:— كانت لسه محتفظة بيها؟ سارة كانت لسه فاكراني؟ أنا مسبتهاش بمزاجي والله العظيم ما سبتها! أبويا حبسني، وأنا كنت غبي وضعيف، لما خدت المفاتيح وجريت في المطر كنت رايح آخدها وأمشي، قلتلها في التليفون قبل الحادثة بنص ساعة 'أنا جاي يا سارة، جهزي نفسك، مش هسيب ابننا يتربى من غيري'، بس العربية لفت بيا على الكوبري، صحيت لقيت نفسي متكتف في سراير المستشفيات، مش قادر حتى أحرك صباع رجلي!سألته بصوت متحشرج:— ولما فوقت؟ لما فوقت وعرفت إنها ماتت، ليه مجتليش؟ ليه سيبتني عشر سنين أشيل العيل ده لوحدي وأنا ست على باب الله وبجري بيه في المستشفيات؟ بصلي طارق ودموعه نازلة على شفايفه:— أبويا حلفلي بالمصحف إن سارة سقطت الولد وماتت في العملية، قالي إن العيل مات معاها! أبويا مات من ست شهور بس، وقبل ما يموت بيوم واحد، اعترفلي وهو على فراش الموت إنه كدب عليا، وإنه دفع رشوة لواحد في المستشفى عشان يقنعني إن الطفل مات، وإنه كان بيبعت ناس يراقبوكي من بعيد ويتأكد إنكم مش هتقربوا مننا! أمي مكانتش تعرف حاجة غير بعد موت أبويا لما لقت ورق التحريات اللي كان عامله عليكم في خزنته! التفتت لمريم بصدمة، مريم هزت راسها وهي بتعيط بحرقة:— جوزي كان طاغية يا أم سارة، كان مريض بالتحكم، أنا لما سارة سلمتني الجواب في المستشفى كنت فاكراها هتنجو، بعد ما ماتت، جوزي قالي لو فتحتي بوقك هرمي ابنك المشلول ده في أي مصحة ومش هتشوفيه تاني، عشت عشر سنين ميتة بالحيا بين راجل ظالم وابن مشلول بيتعذب! طارق مسك طرف عبايتي برجاء، كأنه طفل متعلق بأمه:— أنا مش جاي أخد آدم منك، أنا أصلاً معنديش القدرة إني أكون أب كامل، أنا راجل عاجز، بس آدم ابني، حتة من سارة ومني، أنا كتبت كل الأملاك والفلوس اللي ورثتها عن أبويا باسم آدم وباسمك أنتي، كل اللي بتمناه... نظرة واحدة، يسمع صوتي، يعرف إني مكنتش ندل ومرميتوش، أنا بتعالج في ألمانيا بعد شهرين وعندي نسبة نجاح للعملية عشان أقدر أقف تاني على عكاز، نفسي أسافر وأنا عارف إنه عارفني. بصيت لطارق، وبصيت لفوق لشباك شقة آدم، حسيت بتقل الدنيا كله فوق كتافي، الولد عاش عشر سنين ميعرفش غيري، متعلق بيا وفاكر إن أبوه مات أو غايب وميعرفش عنه حاجة، إزاي فجأة أدخله على راجل على كرسي متحرك وأقوله ده أبوك اللي كان غايب بسبب مؤامرة عائلية وسلسلة من الكدب والانتقام؟قلت لطارق بنبرة حاسمة وصوتي بيترج:— الفلوس والأملاك دي متلزمنيش، آدم اتربى على اللقمة الحلال اللي جبتها بعرق جبيني، بس مش هحرمه من حقه، ولا هحرمك من إنك تسمع منه كلمة بابا. .. لكن مش بالطريقة دي، مش هرميه في صدمة تكسر نفسيته. طارق مسح دموعه وقال بلهفة:— اللي تؤمري بيه، أي حاجة أنتي شايفاها، بس متمنعنيش.— هتستنى هنا، مريم تركن العربية بعيد شوية، وتطلعوا معايا الشقة... آدم هيدخل يشوفكم كأصحاب سارة اللي كانوا مسافرين، هتقعد معاه، تتكلم معاه، تلمس إيده، بس من غير ما تقوله مين أنت... لحد ما أمهده بنفسي، لو اتكلمت بحرف واحد قبل ما أقولك، أقسم بالله هاخد حفيدي ومش هتشوفوا وشنا تاني. طارق وافق فورا وهو بيحلف بإخلاص، مريم ساعدته وسندته على الكرسي المتحرك اللي طلعته من شنطة العربية، ركب طارق على الكرسي، وطلعنا في أسانسير العمارة في صمت رهيب مبيقطعهوش غير صوت تنفس طارق المتوتر والمكتوم. وقفنا قدام باب الشقة، قلبي كان بيدق زي الطبل، طلعت المفتاح وفتحت الباب ببطء، دخلت طارق بالكرسي ووراه مريم، أول ما قفلنا الباب، باب الأوضة اتفتح... وخرج آدم وهو ماسك الرسمة في إيده وفرحان:— تيتة! خلصت الرسمة وشوفي حطيت مين جنبنا... وقف آدم فجأة في نص الصالة، اتجمدت رجليه لما شاف الراجل الغريب اللي قاعد على الكرسي المتحرك وبيبصله بدموع بتلمع، ونظرة عين آدم فجأة اتحولت من الفرحة لحالة استغراب غريبة، بص لطارق، وبعدين بص للكرسي، وبعدين بصلي وسأل بصوت واطي ومرتعش:— تيتة... مين دول؟ وعمو ده بيبصلي كده ليه؟الهوا كأن اتسحب من الصالة فجأة، السكوت اللي خيّم على المكان كان تقيل لدرجة إن صوت عقارب الساعة القديمة المتعلقة عالحيطة كان بيضرب في دماغي زي المطرقة. آدم كان واقف في مكانه، صوابعه الصغيرة ضاغطة على أطراف ورقة الرسمة لحد ما اتكرمشت شوية، عينيه كانت بتتحرك بسرعة وحيرة بيني وبين طارق وبين الست اللي شافها من ساعات عند قبر أمه. طارق أول ما شاف وش آدم قصاده بنور الصالة، عض على شفته التحتانية بكل قوته عشان يمنع شهقة كانت طالعة من صدره، شفت عروق رقبته بتبرز وإيديه الاتنين قابضين على عجل الكرسي المتحرك لحد ما مفاصل صوابعه ابيضّت، كان باصص لآدم كأنه مش مصدق إن حتة من روحه وروحة سارة واقفة قدامه بلحم ودم بعد سنين الضياع. قربت من آدم خطوتين، حطيت إيدي الدافية على كتفه وضغطت عليه برقة عشان أهدّي رعشته اللي حسيت بيها:— تعالى يا حبيبي متخافش... دول، دول ضيوف جايين يسلموا علينا... مش أنا قولتلك من شوية إني بقابل ناس أصحاب؟ وطنط مريم أنتي شوفتها في المقابر، وعمو ده... يبقى طارق، صاحب قديم أوي لماما من أيام دراستها. آدم مرفعش عينه من على طارق، قرب خطوة واحدة لقدام بحذر شديد، عينه البريئة نزلت على رجلين طارق المتغطية بالبطانية الخفيفة، وبعدين طلعت لعينين طارق اللي كان بيحاول يبتسم وسط الدموع المحبوسة، الولد بذكائه وفطرته حس بإن في حاجة مش طبيعية، الأطفال عندهم قدرة غريبة يشموا ريحة الوجع والمشاعر الصادقة. طارق بلع ريقه بصعوبة، وصوته طلع واطي ومبحوح جداً، مليان خوف إنه يكسر اللحظة:— أهلاً يا. .. يا بطل. آدم رد بصوت هادي وخجول:— أهلاً بحضرتك... أنت تعبان يا عمو؟ عشان كده قاعد على الكرسي ده؟الكلمة قطعت قلب طارق، مسح طرف عينه بطرف صباعه بسرعة وهز راسه:— عملت حادثة زمان بالعربية... من سنين كتير أوي، بس الحمد لله... ربنا كريم. آدم فضل باصصله شوية، وفجأة بص للورقة اللي في إيده، ومشي كام خطوة لقدام، مريم كانت حاطة إيدها على قلبها وبتتنفس بالعافية، وطارق أنفاسه وقفت تماماً لما لقى الولد بيقرب منه لحد ما بقى واقف جنبه بالظبط، آدم مد الورقة لطارق وقال ببراءة أربكتنا كلنا:— تيتة قالتلي إنك كنت صاحب ماما. .. ماما كان اسمها سارة، صح؟طارق أخد نفس مرتعش، مد إيده ببطء شديد، كأنه خايف يلمس الورقة فتطير زي الفراشة، ومسكها بطراف صوابعه:— صح... كان اسمها سارة... وكانت أطيب وأجمل إنسانة في الدنيا كلها.— طب شوف الرسمة دي... أنا كنت برسم فيها لما تيتة نزلت. طارق بص في الرسمة، وفجأة شهق شهقة مكتومة خلت كتفه كله يتهز، في الورقة، آدم كان راسم بيت صغير وشمس طالعة فوق جبل، وعلى جنب كان راسم تلات أشخاص ماسكين إيد بعض: ست عجوزة شعرها أبيض ولابسة نضارة ومكتوب فوقيها "تيتة"، وولد صغير بيلعب كورة ومكتوب "أنا"، وست شابة لابسة فستان أبيض وعندها جناحات ملاك ومكتوب فوقيها "ماما". .. لكن الغريب، واللي خلاني أنا نفسي أقف مصدومة، إنه كان راسم على الكنبة جنب البيت راجل قاعد وظله باهت ومكتوب فوقيه بخط مكسر: "بابا الغايب".طارق حط كفه التاني على بؤه وبدأ يرتجف، الدموع نزلت من عينيه شلال على خده ومقدرش يمسكها أكتر من كده، عينه اتعلقت بكلمة "بابا الغايب"، حسيت بقلبه بينزف قدامي، رفع راسه وبص لآدم اللي كان باصصله باستغراب شديد وسأله:— أنت بتعيط ليه يا عمو؟ الرسمة وحشة؟طارق هز راسه بنفي سريع وهو بيشهق:— لا... والله العظيم أجمل حاجة شفتها في عمري كله... أجمل من الدنيا وما فيها... أنتي فنان يا آدم... فنان وشاطر أوي. آدم ابتسم بخجل، ومد صباعه الصغير ومسح دمعة كانت نازلة على خد طارق، الحركة دي بالذات خلت مريم تنهار في البكا وتلف وشها للحيطة عشان صوتها ميطلعش، وطارق غمض عينيه للحظة كأنه بيحفر لمسة صباع ابنه في ذاكرته وروحه. — متعيطش يا عمو طارق... تيتة بتقولي لما نزعل نفتكر الحاجات الحلوة، ماما عند ربنا في مكان جميل أوي، وهي شيفانا دلوقتي وأكيد فرحانة إنك جيت تزورنا. طارق مسك كف آدم الصغير وباسه، باسه بلهفة وبطء كأنه بيعتذرله عن كل ليلة نام فيها وهو ملوش أب يحميه، وقال بصوت متقطع:— أنا آسف يا آدم... آسف إني اتأخرت عليك كل السنين دي... كان نفسي أكون هنا من بدري أوي. آدم قطب حواجبه شوية، وبصلي بحيرة:— اتأخرت عليا أنا؟ هو أنت كنت مسافر وجاي علشاني يا عمو؟ الجو اتكهرب، وطارق اتفاجئ بالكلام اللي طلع منه بالغلط، بصلي طارق بعينين كلها اعتذار وخوف إني أطرده أو أنفذ تهديدي، قربت منهم بهدوء، سحبت كرسي وقعدت قصاد طارق بالظبط، وبصيت لآدم اللي كان واقف بيننا محتار:— آدم يا حبيبي... فاكر لما كنت بتسألني كل سنة في عيد ميلادك عن عيلة ماما، وعن بابا؟الولد اتسمر مكانه، ونظرة عينيه اتغيرت في ثانية، عينه وسعت، ونبضات قلبه كأنها بقت مسموعة، بص لطارق تاني بتركيز أعمق، بص لملامح وشه، لشكل مناخيره، للرعشة اللي في إيديه:— أيوة. .. فاكر... كنتي بتقوليلي إنه مسافر بعيد، وإنك متعرفيش مكانه. حطيت إيدي على إيد طارق اللي كانت ساندة على عجل الكرسي، وغمضت عيني لحظة عشان استجمع كل قوتي، سارة بنتي كان نفسها اليوم ده يجي، بس كان لازم يجي صح، قولت لآدم بصوت هادي وثابت:— طارق مكنش مجرد صاحب لماما يا آدم... طارق مكنش مسافر بمزاجه، طارق كان محبوس في ظروف صعبة وظلم كبير، واتحرم إنه يعرف مكانك... لكن هو عمره ما نسي، وعمره ما رماك. آدم فضل باصص لطارق، لسانه تقل، والورقة وقعت من إيده على الأرض، طارق نزل لمستوى الولد على قد ما قدر، وطلع من جيبه السلسلة الفضة اللي فيها القلب المشروخ، حطها في كف آدم المفتوح:— دي كانت لمامتك... ويوم ما سابتني، كان قلبي مشروخ زي القلب ده... أنا أبوك يا آدم... أنا أبوك اللي عاجز يقوم يقف يحضنك، بس والله العظيم مكنتش أعرف إنك عايش، والله لو كنت أعرف لكنت زحفتلك على بطني من أول الدنيا لآخرها. الصالة اتملت بسكون مرعب، آدم كان باصص للسلسلة في إيده، وباصص لوش طارق، شفاه كانت بتترعش، وعينيه اتملت دموع فجأة، بس رد فعله مكنش حضن ولا فرحة زي ما طارق كان متوقع... آدم رجع خطوتين لورا بسرعة، وشه اتملى غضب وكسرة طفل حاسس إنه اتخدع، وبصلي بعتاب وصراخ خرق صدري:— أنتي كدبتي عليا يا تيتة؟! قولتيلهم في المدرسة إني مليش أب عشان مات! قولتولي كلكم إني لوحدي! جاي دلوقتي ليه؟! بعد عشر سنين جاي تقولي أنا أبوك وأنت مشلول ومكنتش بتسأل عني؟ !آدم لف ضهره وجري على أوضته ورزع الباب وراه بكل قوته، وصوت نحيبه المكتوم ورا الباب كان بيقطع نياط القلب. طارق قعد يبص على الباب المقفول ودموعه بتنزل بصمت رهيب، كأنه انضرب بسكين في نص قلبه، ومريم ركعت جنبه تبكي، وفجأة... رن تليفون طارق في جيبه برنة عالية ومزعجة، مريم طلعت التليفون بلهفة من جيبه وبصت في الشاشة، وشها بهت فجأة واتحول للون الكفن، وهمست برعب وهي بتبص لطارق:— طارق. .. ده المحامي بتاع عمك في سويسرا... المستشفى بتبلغ إن التحاليل اللي عملتها قبل ما نيجي هنا... طلعت نتيجتها، والعملية مش هينفع تتأجل يومين حتى... لازم تسافر الطيارة دي الفجر، يا إما هتموت.