بنتي ماتت وهي 18 2

الراجل اللي كان في خيالي صورة شاب متمرد وقوي، مكنش موجود، اللي كان قاعد قصادي راجل في أول التلاتينات، بس ملامحه تدي خمسين سنة، دقنه مهملة وشاحب، جسمه هزيل متغطي ببطانية تقيلة على رجليه، عينه كانت حمرا ووارمة من العياط، وأول ما اتقابلت عيني في عينه، كأني شفت نظرة سارة قبل ما تدخل أوضة العمليات، نفس الكسرة، نفس الرجاء.

طارق حاول يتحرك، مد إيديه الاتنين اللي كانوا بيترعشوا وسند بيهم على الكرسي كأنه بيحاول يقوم عشان يركع قدامي، بس رجليه خانته ووقع تاني في الكرسي وصدرت منه أنة وجع وذل:— متقفيش بعيد كده يا أمي… تعالي اضربيني، اشتميني، دوسي على رجلي العاجزة دي، بس متحرمنيش إني أشم ريحة سارة اللي سيباهالي في ابنها.

لساني اتعقد، مكنتش قادرة أصرخ فيه زي ما كنت ناوية، الغضب اللي كان جيمي اتبخر وحل محله ألم مميت، مديت إيدي جوه جيبي، وطلعت السلسلة الفضة، حطيتها في كفه المفتوح. طارق أول ما شاف الدلاية، شهق شهقة حسيت إنها هتخلع روحه من مكانه، قفل صوابعه عليها بقوة كأنه بيمسك آخر أمل في حياته، رفع السلسلة وباسها وحطها على صدره وهو بينهار تماماً:— كانت لسه محتفظة بيها؟

سارة كانت لسه فاكراني؟ أنا مسبتهاش بمزاجي والله العظيم ما سبتها! أبويا حبسني، وأنا كنت غبي وضعيف، لما خدت المفاتيح وجريت في المطر كنت رايح آخدها وأمشي، قلتلها في التليفون قبل الحادثة بنص ساعة ‘أنا جاي يا سارة، جهزي نفسك، مش هسيب ابننا يتربى من غيري’، بس العربية لفت بيا على الكوبري، صحيت لقيت نفسي متكتف في سراير المستشفيات، مش قادر حتى أحرك صباع رجلي!سألته بصوت متحشرج:— ولما فوقت؟ لما فوقت وعرفت إنها ماتت، ليه مجتليش؟ ليه سيبتني عشر سنين أشيل العيل ده لوحدي وأنا ست على باب الله وبجري بيه في المستشفيات؟

بصلي طارق ودموعه نازلة على شفايفه:— أبويا حلفلي بالمصحف إن سارة سقطت الولد وماتت في العملية، قالي إن العيل مات معاها! أبويا مات من ست شهور بس، وقبل ما يموت بيوم واحد، اعترفلي وهو على فراش الموت إنه كدب عليا، وإنه دفع رشوة لواحد في المستشفى عشان يقنعني إن الطفل مات، وإنه كان بيبعت ناس يراقبوكي من بعيد ويتأكد إنكم مش هتقربوا مننا! أمي مكانتش تعرف حاجة غير بعد موت أبويا لما لقت ورق التحريات اللي كان عامله عليكم في خزنته!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *