بنتي ماتت وهي 18 2
.. ماما كان اسمها سارة، صح؟طارق أخد نفس مرتعش، مد إيده ببطء شديد، كأنه خايف يلمس الورقة فتطير زي الفراشة، ومسكها بطراف صوابعه:— صح… كان اسمها سارة… وكانت أطيب وأجمل إنسانة في الدنيا كلها.— طب شوف الرسمة دي… أنا كنت برسم فيها لما تيتة نزلت. طارق بص في الرسمة، وفجأة شهق شهقة مكتومة خلت كتفه كله يتهز، في الورقة، آدم كان راسم بيت صغير وشمس طالعة فوق جبل، وعلى جنب كان راسم تلات أشخاص ماسكين إيد بعض: ست عجوزة شعرها أبيض ولابسة نضارة ومكتوب فوقيها “تيتة”، وولد صغير بيلعب كورة ومكتوب “أنا”، وست شابة لابسة فستان أبيض وعندها جناحات ملاك ومكتوب فوقيها “ماما”.
.. لكن الغريب، واللي خلاني أنا نفسي أقف مصدومة، إنه كان راسم على الكنبة جنب البيت راجل قاعد وظله باهت ومكتوب فوقيه بخط مكسر: “بابا الغايب”.طارق حط كفه التاني على بؤه وبدأ يرتجف، الدموع نزلت من عينيه شلال على خده ومقدرش يمسكها أكتر من كده، عينه اتعلقت بكلمة “بابا الغايب”، حسيت بقلبه بينزف قدامي، رفع راسه وبص لآدم اللي كان باصصله باستغراب شديد وسأله:— أنت بتعيط ليه يا عمو؟
الرسمة وحشة؟طارق هز راسه بنفي سريع وهو بيشهق:— لا… والله العظيم أجمل حاجة شفتها في عمري كله… أجمل من الدنيا وما فيها… أنتي فنان يا آدم… فنان وشاطر أوي. آدم ابتسم بخجل، ومد صباعه الصغير ومسح دمعة كانت نازلة على خد طارق، الحركة دي بالذات خلت مريم تنهار في البكا وتلف وشها للحيطة عشان صوتها ميطلعش، وطارق غمض عينيه للحظة كأنه بيحفر لمسة صباع ابنه في ذاكرته وروحه.
— متعيطش يا عمو طارق… تيتة بتقولي لما نزعل نفتكر الحاجات الحلوة، ماما عند ربنا في مكان جميل أوي، وهي شيفانا دلوقتي وأكيد فرحانة إنك جيت تزورنا. طارق مسك كف آدم الصغير وباسه، باسه بلهفة وبطء كأنه بيعتذرله عن كل ليلة نام فيها وهو ملوش أب يحميه، وقال بصوت متقطع:— أنا آسف يا آدم… آسف إني اتأخرت عليك كل السنين دي… كان نفسي أكون هنا من بدري أوي. آدم قطب حواجبه شوية، وبصلي بحيرة:— اتأخرت عليا أنا؟ هو أنت كنت مسافر وجاي علشاني يا عمو؟
الجو اتكهرب، وطارق اتفاجئ بالكلام اللي طلع منه بالغلط، بصلي طارق بعينين كلها اعتذار وخوف إني أطرده أو أنفذ تهديدي، قربت منهم بهدوء، سحبت كرسي وقعدت قصاد طارق بالظبط، وبصيت لآدم اللي كان واقف بيننا محتار:— آدم يا حبيبي… فاكر لما كنت بتسألني كل سنة في عيد ميلادك عن عيلة ماما، وعن بابا؟الولد اتسمر مكانه، ونظرة عينيه اتغيرت في ثانية، عينه وسعت، ونبضات قلبه كأنها بقت مسموعة، بص لطارق تاني بتركيز أعمق، بص لملامح وشه، لشكل مناخيره، للرعشة اللي في إيديه:— أيوة.