رجعت ليلة راسها زهرة الثالوث 2
جبل وقف يلهث، صدره بيعلى وينزل، وبص لإيده اللي ضربتها بيها للحظة وكأنه مش مصدق إنه عملها، بس غيظه وهيبته جرفوه. بص لها بنظرة احتقار وغضب ما يترسمش، وجز على سنانه وهو بيقول بصوت واطي ومبحوح بس يرعب:
”عشان تعرفي حجمك زين وتفتكري إنتِ بتكلمي مين.. لسانك ده لو اتطول تاني، هقطعه لك يا ليلة، وساعتها مش هيرحك مني حد.”
لف ضهره بسرعة، وسحب شاله وجلابه من على الكرسي بغشم، وفتح باب الأوضة ورزعه وراه بقوة هزت السرايا كلها، وسابها واقعة على الأرض بين دموعها وكبرياؤها المجروح، وصوت خطواته التقيلة بتبعد في الممر.
ليلة في حضن الجبل بقلميييي زهرة الثالوث
كان جبل قاعد في المربوعة الخارجية وسط كبار البلد ورجالة العيلة. الحسابات والأوراق كانت مفرودة قدامه على الطاولة الخشب العتيقة، والرجالة بتتكلم في أمور الأرض والمحاصيل والتار اللي اتقفل، بس هو ما كانش سامع ولا كلمة من اللي بتتقال.
عينيه كانت باصة للأوراق، بس عقله محبوس فوق.. في الأوضة العالية، عند ليلة.
مسك القلم الأبنوس يكتب بيه، بس إيده اتسمرت في مكانها. صورة وشها لما القلم نزل على خدها ما كانتش بتفارق خياله واصل؛ دموعها الساخنة، شعرها اللي انفرط، والنظرة اللي كانت في عينيها.. نظرة كسرة وجرح عميق اختلط بالكبرياء، كانت أشد عليه من ألف رصاصة.
”يا جبل بيه.. جبل بيه؟”
صوت الحاج كمال عمّه صحاه من سرحانه. جبل هز رأسه ببطء ورفع عينيه التقيلة: “أيوة يا عمي.. معاك.”
الحاج كمال بص له باستغراب وقاله: “بقولك تسليم شحنة القمح بكرة، نجيب العمال متأخر ولا من الفجرية؟ إنت مش معانا خالص النهاردة يا ولد أخوي.. مالك؟”
جبل فرك وشه بإيده بتعب شديد، ونزل القلم من إيده على الطاولة. وقار الجبل وهيبته القدام الرجالة كانوا متغطيين بغيمة حزن وضيق مش متعودين يشوفوها عليه. قام وقف بطوله، ولف شاله على كتفه وقال بنبرة جافة ومختصرة: “اعملوا اللي تشوفوه صح يا عمي.. أنا دماغي مش رايقة للحسابات النهاردة، كملوا أنتو وأنا طالع السرايا.”
ساب المربوعة والرجالة يتهامسوا، ومشوا خطواته التقيلة ناحية السرايا.
كل خطوة كان بيمشيها في الممر الشديد الهو، كان عقله بياكله وعتابه لنفسه بيزيد زي الجمر: