جوزي قالى انا هنزل اماني سيد 1

\- مش عارفة يا حبيبي، لما يصحى هنسأله
خرجت من الأوضة لقيت أيمن قاعد على الكنبة ماسك موبايله وبيضحك، كأن مفيش حاجة حصلت امبارح، وكأن مراته ما اتكسرتش قدامه، ولا باعت دهبها عشان خاطر أهله.
وقفت قدامه وقلتله:
\- عايزة أتكلم معاك يا أيمن.
رفع عينه من الموبايل وقال بضيق:
\- خير يا عواطف؟ هو إحنا لسه هنتكلم في الموضوع ده؟
\- أيوه، لسه هنتكلم، لأنك لحد دلوقتي فاكر إن اللي عملته حاجة عادية. أنا مش هتكلم معاك عن الجواز نفسه، أنا هتكلم معاك عن الطريقة اللي عملت بيها كل ده. إنت كنت مخطط من الأول، وسبتني أصرف من دهبي وأتعب نفسي وأشيل البيت لوحدي، وفي الآخر تيجي تقولي إنك استغليتني!
اتنهد وقال:
\- يا ستي خلاص بقى، هو أنا قلت حد؟ ما أنا لسه ما اتجوزتش، بقولك هخطب في العيد، والجواز السنة الجاية. إيه المشكلة يعني؟
ضحكت ضحكة صغيرة كلها وجع، وقلتله:
\- المشكلة إنك شايفني ولا حاجة يا أيمن. المشكلة إنك كنت قاعد بتاكل من تعبي، وإنت عارف إنك هتوجعني في الآخر. المشكلة إنك خلتني أبيع دبلة وسلسلة، وأنا كنت فاكرة إني بعمل ده عشان بيتنا وعيالنا، لكن طلع أنا اللي بجهزك عشان تروح تخطب واحدة تانية!
اتغيرت ملامحه، وقام وقف قصادي وقال بنبرة تهديد:
\- خلي بالك من كلامك يا عواطف، أنا مش ناقص نكد في الأيام دي. وبعدين أنا حر في فلوسي، وحر في جوازي، ومش هستأذن منك عشان أتجوز.
بصيتله وأنا مش مصدقة إنه بيتكلم بالسهولة دي، وقلتله:
\- وأنا كمان ليا حق عليك. أنا اللي وقفت جنبك، وأنا اللي استحملت غيابك، وأنا اللي ربيت عيالك وإنت بعيد، ولما رجعت بدل ما تعوضنا عن الغياب، خليتني أخدم أهلك وأصرف عليهم من دهبي. كنت فاكرة إنك وحشتك لمتنا، لكن إنت كنت جاي تخلص مصالحك وتمشي.
رد ببرود:
\- أهو حصل خير، واللي راح راح، ومش عايز أسمع كلام في الموضوع ده تاني. أنا عندي مشاوير ومش فاضي.
راح ناحية الباب، لكن قبل ما يخرج سمع صوت بنتنا وهي بتناديه:
\- بابا، إنت هتاخدنا نجيب لبس العيد؟
وقف لحظة، وبص لها، وبعدها قال:
\- مش النهارده يا حبيبتي، عندي مشوار مهم.
جريت عليه ومسكت إيده وقالت:
\- طب إمتى يا بابا؟ إنت وعدتنا.
شال إيدها من إيده بهدوء وقال:
\- لما أفضى يا حبيبتي.
وخرج!
وقتها بنتي بصتلي، وبعدين بصت للباب، وسألتني بصوت صغير:
\- هو بابا مش بيحب يقعد معانا يا ماما؟
السؤال ده كان كفيل يوقعني من طولي. نزلت لمستواها وحضنتها، وقلت لها:
\- بابا بيحبكم يا حبيبتي.
لكن وأنا بقولها الكلام ده، كنت بسأل نفسي: لو بيحبهم، إزاي قدر يفرح نفسه ويفرح أهله، ويسيب عياله مستنيين وعده؟
عدى اليوم، وأيمن ما رجعش غير بالليل، ولما سألته عن فلوس لبس العيد قال لي إنه مشغول، وإنه هيتصرف بعدين. ساعتها فهمت إن لو فضلت مستنية وعوده، هفضل أنا وعيالي واقفين عند نفس الباب، نستنى منه حاجة هو مش ناوي يقدمها.
تاني يوم، صحيت بدري، ولبست العيال ونزلت بيهم. كنت معايا مبلغ بسيط من الفلوس اللي فضلت معايا، وقررت أجيب لهم لبس على قد اللي أقدر عليه. ما حبيتش أحسسهم إنهم أقل من أي طفل، ولا حبيت فرحتهم تضيع بسبب أبوهم.
وأنا في المحل، ابني اختار طقم، وبنتي اختارت فستان، ولما جيت أحاسب لقيت الفلوس مش مكفية تمن كل حاجة. فضلت واقفة محتارة، لحد ما قلت للبياع يشيل حاجة من اللي اخترناه، لكن بنتي سمعتني، وبصت للفستان اللي في إيدي وقالت:
\- خلاص يا ماما، مش لازم أجيبه، أنا عندي فستان تاني.
بصيت لها، وعرفت إنها بتحاول تخفف عني، مع إنها طفلة المفروض تكون كل مشكلتها تختار لون الفستان اللي بتحبه.
خدتها في حضني وقلت لها:
\- لأ يا حبيبتي، إنتِ هتلبسي اللي بتحبيه، طول ما أنا قادرة أجيبهولك.
واشتريت لها الفستان، حتى لو ده معناه إني هحرم نفسي من حاجات تانية.
رجعنا البيت، وأنا بحاول أفرحهم وأخبي عنهم اللي جوايا، لكن أول ما دخلت لقيت أيمن قاعد، وأول ما شاف الأكياس قال بعصبية:
\- إيه ده؟ إنتِ جبتي لبس منين؟ مش قولتلك تستني لما أشوف هتصرف إزاي؟
بصيتله، ولأول مرة ما خفتش من نبرة صوته.
\- استنيت كتير يا أيمن، واستنيت لحد ما عيالك بقوا يسألوني إذا كنت بتحبهم ولا لأ. أنا مش هفضل أستنى منك حاجة إنت مش عايز تعملها.
قام وقف وقال:
\- إنتِ بتتحديني يا عواطف؟
حطيت الأكياس على الكنبة، وبصيت في عينه وقلتله:
\- لأ، أنا بطلت أستنى منك. ودي أول مرة أعمل حاجة عشان عيالي من غير ما أفضل مستنية موافقتك.
سكت لحظة، وكأنه مش متعود يسمع مني الكلام ده، وبعدين قال:
\- واضح إنك اتغيرتي، بس خليكي فاكرة إنك لو وقفتي قصادي، إنتِ اللي هتخسري.
بصيت ناحية أوضة العيال، وقلتله بهدوء:
\- أنا خسرت كتير يا أيمن، خسرت دهبي، وخسرت راحتي، وخسرت فرحة كنت مستنياها من شهور. بس اللي مش هسمح لك تخسره مني هو كرامتي، ولا هسمح لك تكسر عيالك زي ما كسرتني.
دخلت أوضة العيال وقفلت الباب، وفضلت قاعدة جنبهم وأنا بفكر في كلامه عن الخطوبة والجواز. كنت عارفة إن اللي جاي مش هيكون سهل، وإنه ممكن يحاول يضغط عليا بأهلي أو بمصاريف البيت، لكن لأول مرة من ساعة ما اتجوزته، ما كانش كل همي إزاي أرضيه وأخليه مبسوط.
كان همي إزاي أحمي نفسي وعيالي من حياة بقيت كلها تنازلات من طرف واحد.
أما أيمن، فكان فاكر إن سكوتي معناه إني هقبل بالأمر الواقع، وإنه يقدر يخطب ويتجوز، وأنا أفضل في البيت أخدمه وأربي عياله وأستناه يرجع.
لكنه ما كانش يعرف إن عواطف اللي باعت دهبها عشان تكرم أهله، مش هي نفسها عواطف اللي بدأت تفهم إن كرامتها مش حاجة تتباع، وإن التضحية اللي من غير تقدير بتتحول مع الوقت لوجع عمره ما بيتنسي.
واللي ما كنتش أعرفه وقتها، إن أول مواجهة حقيقية بيني وبين أيمن لسه ما حصلتش، وإن موضوع الخطوبة ده هيكشف لي حاجات عمري ما كنت أتخيلها عن جوزي، وعن أهله اللي فضلت أكرمهم على حساب نفسي طول الشهر الكريم.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *