اخت جوزى ضربتنى

“أخت جوزي ضربتني بالقلم في فرح قرايبنا وقدام الكل.. ولما جيت أردّهولها وأخد حقي، لقيت جوزي بيمسك إيدي وهمسلي: (عليّا الطلاق لو لمستيها ما هتباتي على ذمتي ليلة واحدة!).. في اللحظة دي الدنيا لفت بيا ومبقتش حاسة بالناس اللي بتتفرج عليا..”
أنا اسمي سمر، وعندي 26 سنة. متجوزة من سنتين من “كريم”، جواز صالونات بس بعد فترة من الخطوبة ارتحنا لبعض وحبيته. من أول يوم دخلت فيه البيت وأنا ماليش طلبات، ماشية جنب الحيط وبقول يا رب اكرمني واسترها معايا.
بس طبعاً، الحلو مبيكملش.. أكبر كابوس في حياتي كان “شيماء” أخت جوزي. من أول يوم وهي بتعاملني كأني ضرتها مش مرات أخوها! الغيرة والحقد ماليين عينيها، ومكنتش بتفوت فرصة غير لما تنكد عليا وتلقح عليا بالكلام. صحيح هيه كانت هموت وتجوز أخوها لواحده صاحبتها بس ده مش مبرر ابدا للي بتعمله معايا!
بس أنا كنت بكبر دماغي وبقول معلش عشان خاطر جوزي، هو ميستاهلش ننكد عليه لليل نهار يلا خلي المركب تمشي
فضلت اعديلها جنانها معايا كل ما تيجي زياره ورغم ان حماتي كانت ست طيبه جدا لكن شيماء عمرها ما فشلت انها تقومها عليا كل ما تيجي عندنا
بس انا برده كنت اعديلها واقول شويه وهتمشب .. لحد ما جه اليوم المشئوم!
كنا معزومين في فرح بنت عمة جوزي
ولاننا ساكنين في الارياف كان الفرح قدام البيت
انا اول ما وصلنا قولت أقف مع أهل العروسة وأساعدهم. وبقيت اوزع العصير والشربات على المعازيم
كنت شايله صينية عليها كبيات العصير وبوزعها على الناس. وأنا معدية من جنب التربيزة اللي قاعدة عليها أخت جوزي، بنتها الصغيرة كانت بتتنطط وبتجري، وفجأة خبطت فيا من ضهري!
طبعاً الصينية اتهزت في إيدي، وشوية عصير اتدلقوا على فستان البنت الصغيرة..
هنا شيماء قامت واقفة زي الفتيل اللي ولع! فضلت تزعق وتصرخ وسط القاعة وتقولي: “أنتي غبية؟ مش تفتحي!
أنا اتكسفت جداً من نظرات الناس، بس حاولت ألم الموضوع وقولتلها بصوت واطي: “حصل خير يا شيماء، البنت اللي خبطت فيا من غير ما تقصد، هاتيها أدخل معاها الحمام وننضف الفستان ومفيش حاجة مستاهلة الفضيحة دي.”
بس زعقت اكتر ،،،هو ايه اللي حصل خير الفستان ده أغلى من عبايتك اللي أنتي فرحانة بيها دي! لما أنتي مش قد شيل العصير ومبتعرفيش تتحركي، عامله نفسك غلبانه وبتاعت واجب وبتساعدي ليه؟”
انا كنت ببص للناس اللي بقت عيونهم علينا وحاولت قد ما اقدر اهديها واعتذرلها
بدل ما تتهد، صوتها علي أكتر وبقت تستهزأ بيا وقالت…انتي لابسه كعب عالي ليه واحده زيك تلبس شبشب حمام علشان تعرف تمشي بيه
انا وقتها دمي فار ومستحملتش إهانتها قدام الغرب، زعقت وقولتلها: “بقولك إيه؟ اتلمي بقى بنتك هي اللي خبطت فيا، وأنا مغلَطتش فيكي!”
وفجأة.. ومن غير أي مقدمات، لقيت إيدها اترفعت ونزلت على وشي بقلم طرشّق في القاعة كلها!
الدنيا اسودت في عيني، والناس كلها شهقت.. من الصدمة
لقيت نفسي تلقائيارفعت إيدي وبكل غلي وكنت هجيبها من شعرها وأرد القلم اتنين، بس في ثانية لقيت جوزي كريم جه جري ومسك إيدي بكل قوته ومنعني!
قولتله وأنا دموعي نازلة من القهر: “سيب إيدي! دي ضربتني بالقلم قدام الكل!”
قالي بصوت واطي عشان الناس: “خلاص حصل خير.. مينفعش تضربي أختي الكبيرة وأنا واقف.”
صوتت فيه وقولتله: “وهو ينفع أضرب أنا وأتهان وأنت واقف ومبتعملش حاجة؟!
قال بهدوء….معلش انا مش هسكت بس نروح البيت وهجبلك حقك
ذادت دموعي ومكنتش قادره اسكت وقولت بزعيق…لا حقي يتجاب هنا زي ما ضربتني قدام الكل هضربها قدام الكل!”سيب ايدي
بس جوزي قبض على معصمي اكتر لحد ما حسيت عروقي هتتقطع وقرب من ودني وهمسلي علشان محدش يسمع وقال الكلمة اللي قطمت ضهري: “بقولك سيبها وعدي اليوم! عليّا الطلاق لو لمستيها لتكوني طالق!!”
هنا حسيت الدنيا اسودت في عيوني والخيار كان صعب عليا جوزي وبيتي قصاد كرامتي……
الدنيا اسودت في عيوني والخيار كان صعب عليا، جوزي وبيتي قصاد كرامتي.. الكلمة نزلت على ودني زي مية النار، طلاق؟ وعلشان مين؟ عشان واحدة هانت مراته وضربتها بالقلم قدام القاصي والداني!
وقفت في مكاني زي الصنم، إيدي اللي كانت مرفوعة عشان ترد القلم نزلت وهي بترتعش، مش من الخوف، من القهر.. من كسرة النفس اللي متمناهاش لأشد أعدائي. بصيت لكريم، لملامحه اللي اتغيرت وبقى فيها قسوة عمري ما شفتها فيه خلال السنتين اللي فاتوا. كان ماسك معصمي بجبروت، وعينيه بتقولي “اكسري كرامتك وعيشي، يا إما تطلعي من هنا على بيت أبوكي”.
لمحت شيماء أخته واقفة ورا ضهره، باصة لي بنظرة انتصار وتشفي تخلي الحجر ينطق. كانت بتعدل فستان بنتها ببرود وهي بتنفخ، وكأنها بتقول للناس كلها: “شايفين؟ ملوش كلمة غير عليا، وأنا الكبيرة اللي محدش يقدر يمس شعرة منها”. الناس حوالينا بدأت تهمس، والوشوش كلها بقت تبص لي بنظرات شفقة.. والشفقة في الموقف ده بتموت أكتر من الإهانة نفسها.
سحبت إيدي من قفشة كريم براحة، وبصيت له في عينه ودموعي نشفت من كتر الصدمة. قولتله بصوت شرخ من الوجع بس قوي: “طالما وصلت للطلاق يا كريم.. يبقى المركب اللي كنت بدادي فيها عشان تمشي، غرقت خلاص”.
لفيت ضهري ومشيت وسط زحمة الفرح.. كنت حاسة إن رجل الكعب اللي كنت لابساه، واللي شيماء عايرتني بيه، بيغرز في قلبي مش في الأرض. كنت بجر رجلي بالعافية، والناس بتوسع لي وسامعة همسهم: “يا عيني، انضربت وجوزها كسرها قدام أخته”. خرجت من الصوان اللي معمول في الشارع، الهوا برا كان ساقع بس وشي كان قايد نار من مطرح القلم.. ومن نار قلبي.
مشيت في شوارع البلد مش عارفة رايحة فين. أروح لبيت أبويا وأقولهم إني اضربت واتهنت وجوزي حلف عليا بالطلاق عشان أخته؟ أبويا راجل كبير مريض ضغط وسكر، لو شافني بالحالة دي ممكن يجرى له حاجة. وأمي غلبانة ملهاش حيلة غير البكاء. لقيت رجلي من غير ما أحس بتسحبني على بيتي.. بيت الزوجية اللي سكنته من سنتين وكنت فاكرة إني ملكة فيه.
دخلت الشقة، كانت ضلمة وكئيبة، عكس أنوار الفرح اللي كنت فيها من شوية. قعدت على الركنة في الصالة من غير ما أقلع العباية ولا الطرحة. فضلت باصة للسقف وأنا مش مصدقة.. سنتين يا كريم؟ سنتين وأنا شايلة أختك على راسي، وبستحمل كلامها المسموم، وبقول عشان خاطرك كله يهون! سنتين وأنا عمري ما اشتكيت لأمي ولا لأبويا من عمايلها عشان مأصغركش قدامهم! تكون دي نهايتي؟ أضرب بالقلم في وسط البلد وأنت تقف تحميها؟
ساعتين مروا كأنهم سنين، لحد ما سمعت صوت المفتاح في الباب. قلبي انقبض. دخل كريم، كان باين عليه التعب والهم، قفل الباب وراحه وجاء قعد على الكرسي اللي قصادي. فضل ساكت شوية، وبعدين اتنهد وقال: “أنتي لسه بعبايتك يا سمر؟”
مردتش عليه، فضلت باصة له بنظرات ميتة.
قام وقف وقرب مني وقالي بنبرة حاول يبينها هادية: “أنا عارف إنك زعلانة، واليوم كان صبحه وحش علينا كله.. بس أنتي مكنش ينفع تعملي كده وسط الناس وتفضحينا. أختي الكبيرة، ومهما كان، غلط إنك تمدي إيدك عليها قدام أهل البلد وعيلتي”.
هنا ضحكت.. ضحكت بصوت عالي ومليان وجع لدرجة إن كريم اتخض وبص لي باستغراب. وقفت وقولتله وأنا بقرب منه: “أنا اللي فضحتكم يا كريم؟! أنا اللي فضحت العيلة؟ أختك المحترمة هي اللي ضربتني بالقلم قدام الناس كلها! ضربتني عشان شوية عصير اتهزوا من خبطة بنتها! وأنت جاي تقولي أختي الكبيرة؟ كرامة مراتك فين يا سيز كريم؟ كرامتي اللي اتدست بالجز م في وسط الفرح فين؟”
زعق وقال: “يعني كنتي عايزاني أعمل إيه؟ أسيبك تجيبيها من شعرها ونبقى فرجة للي يسوى واللي ميسواش؟ ويمين الطلاق ده أنا قولته عشان ألم الدور وأهدي اللعب، مكنتش هطلقك بجد يعني، كنت عايزك تسكتي لحد ما نروح!”
قولتله وأنا بخبط على صدري: “يمين الطلاق ده كسرني! كسرني وجرحني جرح مش هيتداوى يا كريم. أنت حطيت كرامتي في كفة، وأختك وظلمها في كفة، ورجحت كفتها هي! أنت محمتنيش.. أنت جيت عليا عشان تراضي عيلتك على حساب قهرتي”.
في اللحظة دي، تليفون كريم رن. بص في الشاشة ولقيتها حماتي. رد وفتح الإسباكر عشان يوريني إنه هيكلمهم.
جاء صوت حماتي وهي بتعيط وتقول: “يا كريم يا ابني، الحق أختك شيماء.. جوزها محمود عرف باللي حصل في الفرح، وطردها من البيت وجابها عندي، وبيقول البنت اللي تمد إيدها على مرات أخوها وتعمل فضيحة في وسط البلد متنفعنيش في بيتي!”
كريم اتصدم وقال: “محمود عرف منين يا أمي؟”
قالتله: “البلد كلها مفيش وراها سيرة غير فرح الليلة واللي حصل فيه! الناس صورت فيديو يا ابني والخناقة والضرب كله اتشاف ومحمود اتفضح وسط رجالة عيلته وساب لها البيت ووداها عندي وقالها ملمحش وشك غير لما تصالحي مرات أخوكي وتردي لها اعتبارها!”
كريم قفل السكة وبص لي، كانت نظراته مليانة لوم وكأن أنا السبب في خراب بيت أخته. قالي بنبرة عتاب: “ارتحتي؟ أهي أختي بيتها هيتخرب بسبب العصير والفرح المشؤوم ده! عاجبك كده؟”
بصيت له بكل برود وقولت: “محمود راجل، وعرف إن مراته غلطت وفضحت اسمه قبل ما تفضحني. محمود محاميش الغلط يا كريم.. محمود عمل اللي كان المفروض أنت تعمله من أول دقيقة!”
قعد كريم على الكرسي وحط راسه بين إيديه، ومبقاش عارف يعمل إيه. الخناقة كبرت وبقت سيرة على كل لسان في الأرياف، والموضوع مبقاش مجرد قلم بين سلفات، ده بقى شرف وكرامة عائلات.
تاني يوم الصبح، الباب خبط. قومت فتحت ولقيت حماتي واقفة، ووراها شيماء. شيماء كانت دبلانة، عينيها في الأرض، وشها أحمر من الكسرة، مفيهاش نقطة من الجبروت والغل اللي كانت في الفرح امبارح.
حماتي دخلت وهي بتعيط وأخدتني في حضنها وقالت: “سامحينا يا بنتي، شيماء غلطت في حقك، وأنا جايباها لحد عندك عشان تبوس على راسك وتتأسف لك قدام جوزها وقدام الدنيا كلها، بس ابوس إيدك بلاش بيتها يتخرب، محمود حلف ما هيرجعها غير لما أنتي ترضي عنها”.
كريم خرج من الأوضة بسرعة وقال: “أهو يا سمر، أختي جاتلك لحد بيتك ومنكسرة، خلاص بقى فكيها واقبلي الاعتذار عشان الأمور تعدي”.
بصيت لشيماء اللي كانت واقفة مستنية كلمتي، وبصيت لكريم اللي كان كل همه يداري على فضيحة أخته ويرجع المية لمجاريها من غير ما يفكر فيا أنا.. في الجرح اللي جوة قلبي من ناحيته هو.
قربت من شيماء، وبصيت في عينيها المكسورة وقولت: “أنا مسمحاكي يا شيماء.. مش عشان خاطرك، ولا عشان خايفة على بيتك، أنا مسمحاكي عشان حماتي الست الطيبة دي اللي ملهاش ذنب، وعشان أنا أصلي ميعرفش الشماتة. اعتذارك مقبول وبيتك هيرجع.. بس حقي من اللي ظلمني بجد لسه مجاش”.
شيماء بكت وقالت بصوت واطي: “حقك عليا يا سمر، أنا الشيطان أعمى عيني وكنت دايماً بغير منك، سامحيني”.
أخدتها حماتي وخرجوا بعد ما اتطمنوا إن الأزمة مع محمود جوزها هتنتهي. قفلت الباب وراهم ولفيت لكريم اللي كان مبتسم وبيقرب مني وهو بيقول: “أصيل يا سمر، طول عمرك أصيلة وبنت ناس.. يلا بقى غيري هدومك واعملي لنا لقمة ناكلها، والحمد لله إن الغمة انزاحت”.
وقفت في مكاني وقولتله بجمود: “الغمة انزاحت عن أختك يا كريم.. لكن عني أنا لسه”.
استغرب وقال: “يعني إيه؟ مش خلاص اعتذرت والقصة قفلت؟”
قولتله: “هي اعتذرت عن القلم اللي ضربتهولي.. لكن أنت مين هيعتذر لي عن القلم اللي ضربته لقلبي؟ مين هيصالحني على يمين الطلاق اللي رميته عليا عشان تسكتني؟ مين هيرجع لي أماني في البيت ده ومع الراجل اللي كنت فاكرة إنه ضهري وسندي؟”
كريم وشه اتغير وقال: “أنتي هتكبري الموضوع تاني ليه يا سمر؟ أنا قولتلك مكنتش هطلق بجد!”
دخلت الأوضة، طلعت شنطة هدمي، وبدأت ألم فيها كل لباسي وحاجتي وسط ذهوله وصدمته. كان بيحاول يمسك إيدي ويمنعني وهو بيقول: “أنتي رايحة فين؟ مجنونة أنتي؟ هتسيب بيتك عشان يمين اتقال في ساعة غضب؟”
نزلت دموعي وأنا بقفل الشنطة وبصيت له وبقيت أقول بكل قهر: “أنا ماشية يا كريم.. رايحة بيت أبويا. اللي يبيعني في لحظة عشان يرضي كبرياء أخته، مأمنش على نفسي معاه ليلة واحدة. يمين الطلاق اللي قولته ده محتاج شيخ يقولنا إحنا لسه متجوزين ولا لأ.. بس قبل الشيخ، قلبي وفرحتي بيك هما اللي طلقوا خلاص. أنا سيبتلك البيت، واشبع بأختك وبكلام الناس”.
شيلت الشنطة وخرجت من باب الشقة، وكريم واقف ورايا بينادي ويحلف، بس المرة دي صوته مكنش ليه أي صدى جوة قلبي. نزلت السلم وأنا حاسة إن الهوا رجع يدخل صدري تاني.. الكرامة غالية يا ناس، واللي يقبل يعيش من غيرها، بيموت كل يوم وهو صاحي.
يتبع
خرجت من باب العمارة وأنا جارة ورايا شنطة هدومي، جارة معاها سنتين من عمري عشتهم وأنا بحاول أرضي كل الأطراف على حساب نفسي. الشمس كانت لسه بتشقشق في سما البلد، والجو الصبح فيه نسمة برد بتخبط في وشي مطرح ما علم قلم شيماء. الغريب إني مكنتش حاسة بالبرد، كنت حاسة بنار قايدة جوايا، نار المظلوم لما يقرر إنه مش هيسكت تاني.
كريم منزلش ورايا، كبرياؤه منعه، أو يمكن تلاقيه قال في نفسه “سيبوها تروح لأبوها تتربى يومين وتعرف قيمتي وترجع لوحدها”. هما دايماً بيحسبوها كده، فاكرين إن الست ملهاش ملجأ ولا سند برة بيت جوزها، وناسيين إن بيت الأهل بيفضل مفتوح ودافي مهما دارت الأيام.
ركبت مواصلة وطلعت على بيت أبويا. طول السكة وأنا باصة من الشباك والدموع نازلة من تحت النظارة الشمس اللي لبستها عشان أداري عيني الورمانة من العياط. كنت بفكر في شكل أبويا لما يشوفني بالشنطة دي، يا ترى هيتحمل؟ يا ترى صحته هتستحمل حرقة قلبي؟
وصلت قدام البيت، بيت عيلتي الصغير البسيط اللي في أول البلد. وقفت ثواني أجمع شتات نفسي، مسحت دموعي، وأخدت نفس طويل، وفتحت الباب بالمفتاح اللي لسه محتفظة بيه في ميداليتي من يوم ما اتجوزت.
دخلت الصالة، كانت أمي قاعدة على المصلاية بتقرأ في المصحف بعد صلاة الصبح. أول ما سمعت صوت الباب وبصت وشافت الشنطة في إيدي، المصحف صدم في حجرها ووقفت مخضوضة: “سمر؟! يا بنتي في إيه؟ إيه الشنطة دي؟”
في اللحظة دي، كل الحصون اللي بنيتها طول السكة اتهدت. سبت الشنطة من إيدي وارتميت في حضن أمي وبكيت بكاء هير القلب. كنت بشهق وزي العيل الصغير اللي بيدور على أمان تاه منه. أمي فضلت تطبطب عليا وتدعي: “يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم.. استرها يا رب، في إيه يا سمر؟ جوزك جرى له حاجة؟ أنتم اتخانقتم؟”
على صوت عياطنا، خرج أبويا من أوضته وهو بيجر رجله بتعب، وبص لي بنظرة كلها خوف وقلق: “في إيه يا جماعة؟ سمر؟ أنتي إيه اللي جابك في وقت زي ده يا بنتي؟”
قعدت على الكنبة، وأمي جابت لي كوباية مية وأنا برتعش. بصيت لأبويا ولقيت نفسي مش قادرة أخبي، الخبث والمداراة مبيجيبوش غير الوجع. قولت لهم كل حاجة.. من أول ما وصلنا الفرح، لحد خبطة البنت الصغير، لقلم شيماء اللي طرشّق في القاعة، ليمين الطلاق اللي كريم رمى بيه عليا عشان يحمي أخته ويجبرني أعدي الإهانة، لحد ما محمود جوز شيماء طردها وجاءت تعتذر الصبح وكريم فاكر إن الموضوع كده خلص.
أبويا كان بيسمعني وهو حاطط إيده على قلبه، وشه بيجيب ألوان، وعروق وشة بارزة من الغضب. أول ما خلصت كلامي، وقف على رجله ورغم تعبه حسيت بجبروت الأب وسنده وقالي بصوت زلزل البيت: “قلم؟ أخت جوزك تمد إيدها عليكي في وسط البلد وجوزك يقف يتفرج ويحلف عليكي بالطلاق عشان متخديش حقك؟! ده لو مكنش في راجل يحميكي، يبقى البيت ده ملوش حزام! والله يا سمر، لو رجعتي له تاني لا أنتي بنتي ولا أعرفك! كرامتك من كرامتي يا بنتي، واللي يكسرك يكسرني أنا الأول”.
أمي كانت بتلطم على صدرها وتقول: “يا مري! بقى كريم ابن الناس الطيبين يعمل كده؟ يقف يتفرج على مراته وهي تضرب؟ ده إحنا مأمنينه عليها، ده إحنا كاتبينه شرفنا وعرضنا في قايمة وورق!”.
كلام أبويا رجع لي روحي. حسيت إن الظَهر اللي اتقطم امبارح في الفرح، رجع يتصلح تاني. نمت في حضن أمي اليوم ده وأنا حاسة بإرهاق شديد، نمت نوم عميق مكلتش فيه ولا شربت، بس كنت حاسة إني مش لوحدي.
على العصر، البلد كلها كانت مقلوبة. الفيديوهات اللي الناس صورتها في الفرح كانت اتسربت على الموبايلات، والناس في الأرياف مابتصدق تلاقي سيرة تتكلم فيها. كريم وأهله بقوا في موقف لا يحسدوا عليه. الناس بدأت تتكلم إن محمود جوز شيماء راجل وعرف يربي مراته وطردها، وإن كريم “مش راجل” عشان مقدرش يحمي مراته في وسط عيلته وجاء عليها. الكلام ده كان زي السكاكين في صدر كريم، لأن الراجل في بلدنا ميعيبوش غير قلة هيبته.
سمعت صوت خبط جامد على الباب برة. قومت من السرير مخضوضة، لقيت أبويا خارج للصالة وبيقول لأمي: “خليكي جوة مع بنتك، ومحدش يفتح الأوضة”.
بصيت من ورا الشيش بتاع الأوضة، لقيت كريم واقف برة ومعاه عمي الكبير وعم كريم (الحاج صالح)، راجل من كبار البلد وكلمته مسموعة. أبويا فتح الباب ببرود ووقف على العتبة، مسمحلهمش يدخلوا الصالة.
الحاج صالح قال: “السلام عليكم يا حاج أحمد، إحنا جايين في حق وخير، مينفعش نفضل واقفين على الباب كده، عيب في حقنا وحقك”.
أبويا بص له وقاله: “العيب عرفناه امبارح يا حاج صالح، لما بنتي انضربت وسط عيلتكم وابنكم وقف يتفرج ويحلف بالطلاق. اللي ملوش أمان في بيته، ملوش ترحيب في بيتي. اتفضلوا قولوا اللي عندكم هنا على الأعتاب”.
كريم حاول يتكلم وقال بنبرة فيها عصبية مكتومة: “يا عمي أحمد، أنا جيت لسمر الصبح وأختي اعتذرت لها وبست على راسها، والموضوع خلص. سمر اللي ركبت رساها ولمت هدومها وجات عندك عشان تعمل شوشرة ملهاش لازمة وتكبر الموضوع وسط الناس”.
أبويا قاطعه بزعقة خلت كريم يرجع خطوة لورا: “اخرس خالص يا كريم! متطقش اسم بنتي على لسانك. بنتي مش بتاعة شوشرة، بنتي راحت معاك بكرامتها وبعبايتها البيضا، وترجع لي بكرامتها. أختك غلطت وجوزها أدبها، ده حق جوزها عليها. لكن حقي أنا وبنتي عندك أنت! أنت اللي حلفت بالطلاق عشان تكسرها وتصغرها قدام الناس! أنت اللي محمتش عرضك!”
الحاج صالح تدخل عشان يهدي اللعب: “يا حاج أحمد، صلِ على النبي، الشيطان دخل بين العيال، وإحنا جايين نصلح. كريم غلطان وإحنا معترفين، واليمين اللي قاله ده يمين لغو في ساعة غضب، هنروح لشيخ الأزهر في المركز ونستفتي وهيطلع كفارة إطعام مساكين والمسألة تنتهي، والست سمر ترجع بيتها معززة مكرمة وإحنا نكتب لها ترضية”.
أبويا بص لكريم وقال: “يمين الطلاق ده أمره عند ربنا والشيخ، لكن يمين الكرامة ده عندي أنا. ترضية إيه اللي بتتكلم عنها يا حاج صالح؟ بنتي مش هترجع البيت ده غير بشروط، وأولها إن ابنكم يعرف يعني إيه شريكة حياة ويعني إيه راجل يصون مراته”.
كريم قال بغضب: “شروط إيه دي يا عمي؟ أنا مش عيل صغير هتملي عليا شروطك! أنا جيت بأصول وكبار البلد معايا عشان خاطر العشرة، لكن سمر لو مش عايزة ترجع بالذوق، يبقى ملهاش عندي غير…”
أبويا قاطعه وقفل الباب في وشهم بقوة وقال: “الباب يفوت جمل يا كريم! وأعلى ما في خيلك اركبه!”
بعد الموقف ده، الأمور اتعقدت أكتر. كريم حس إن كرامته اتهانت لما أبويا قفل الباب في وشه قدام عمه وكبير البلد. وبدل ما يعتذر ويهدي الأمور، العند ركبه والشيطان وزّ في ودنه.
بعدها بأسبوع، جالي المحضر بالملف: “إنذار بالطاعة”.
كريم باعت لي إنذار في المحكمة بطلب في الطاعة، يعني يا إما أرجع بيت الزوجية في خلال ثلاثين يوم، يا إما يرفع عليا قضية “نشوز” وأتحرم من كل حقوقي ونفقتي!
أمي أول ما شافت الورقة قعدت تعيط وتصوت: “يا لهوي يا بنتي! المحاكم دخلت بينكم؟ كده خلاص الخراب دخل البيت، كريم ناوي على شر وبيرد القلم اتنين”.
أنا مسكت الورقة بإيدي وأنا ببتسم ابتسامة باردة. سبحان الله، الراجل اللي حارب عشان يسكتني امبارح، هو نفسه اللي بيحارب دلوقتي بالمحاكم عشان يذلني ويوثق كسرتي بالورق والقانون. بصيت لأمي وقولت لها: “متبكيش يا أمي. المحاضر ده مبيخوفش غير الست الضعيفة اللي ملهاش ضهر. كريم فاكر إنه بالورقة دي هيجبرني أرجع أعيش معاه ذليلة ومطأطأة الراس، بس هو لسه معرفش سمر على حقيقتها”.
أبويا أخد الورقة وراح لمحامي كبير في المركز، راجل محترم وصديق عمره. المحامي طمن أبويا وقاله: “قضية الطاعة دي لعبة قديمة، إحنا هنرد عليها بـ ‘اعتراض على إنذار الطاعة’ وبدل ما هي قضية ضد سمر، هنقلبها قضية ‘طلاق للضرر’ بسبب سوء المعاملة والإهانة اللي اتعرضت لها قدام الناس، والفيديوهات اللي في الفرح دي هتكون أكبر دليل للقاَضي إن البيت ده مأمونش على البنت فيه”.
في نفس الفترة دي، شيماء أخت جوزي كلمتني من تليفون حماتي. كانت بتعيط وبتقول: “سمر، ابوس إيدك اتنازلي وخلي الأمور تمشي، محمود جوزي عرف إن كريم رافع عليكي قضية طاعة، وقال لي ‘أخوكي مبيصونش حريم، وإللي ملوش خير في مراته ملوش خير في حد، وأنا مش هسيب مراتي في بيت عيلة مبيحترمش الأصول’، محمود عايز يطلقني رسمي يا سمر لو أنتم مطلقتوش أو اتصالحتم! بيتي بيتهد بسبب العند بتاعكم!”
قولت لها ب نبرة هادية وبدون أي غل: “يا شيماء، أنا قولتلك إني مسمحاكي، واديكِ شفتي إن ظلمك ليا دار ولف ورجع لبيتك وعيالك. ربنا مبيسيبش حق حد يا بنتي. بس مشكلتي دلوقتي مش معاكِ، مشكلتي مع أخوكِ اللي بايع ومفكر إن الست لعبة في إيده يطلقها باللسان ويرجعها بالمحكمة. قولي لأخوكِ يلم الدور، لأن الخسارة المرة دي مش هتبقى بيتي أنا بس، دي هتبقى خسارة العيلة كلها”.
مرت الأيام، وجاءت أول جلسة في المحكمة. كنت واقفة مع أبويا والمحامي في الممر، ولقيت كريم داخل ومعاه محاميه. كريم كان باصص لي بنظرة تحدي، وكأنه بيقول لي “وريني هتعملي إيه بالورق والقانون”.
دخلنا قدام القاضي. محامي كريم بدأ يتكلم ويقول إن الزوجة ناشز وخرجت عن طوع جوزها بدون وجه حق وسابت بيتها وعيالها في ساعة غضب.
هنا وقف المحامي بتاعي، وبكل هدوء وثقة، طلع فلاشة وحطها قدام القاضي وقدم حافظة مستندات وقال: “يا سيادة المستشار، الزوجة لم تخرج عن طوع زوجها بغير حق، بل فرت بكرامتها وبحياتها بعد أن تعرضت لضرب مبرح وإهانة علنية من شقيقة الزوج في حفل زفاف عام، وأمام جميع أهل البلدة، وبدلاً من أن يقوم الزوج بحمايتها ورَدّ اعتبارها، قام بتهديدها بالطلاق إن دافعت عن نفسها، مما يشكل ضرراً نفسياً وجسدياً كبيراً يجعل العشرة بينهما مستحيلة. ومعنا فيديوهات توثق الواقعة وشهادة الشهود من أهل الفرح”.
القاضي بص لكريم بنظرة صارمة، وطلب يشوف الفيديوهات، ووش كريم بدأ يقلب وجاءت عليه علامات الصدمة، مكنش متوقع إن الفيديوهات دي هتوصل للمحكمة وتبقى دليل رسمي ضده.
خرجنا من القاعة مستنيين قرار القاضي، وكريم جه ورايا بسرعة وهو وشه أحمر من الخزي وقالي بصوت واطي: “سمر.. أنتي عايزة تخربي بيتنا بجد وتفضحينا في المحاكم؟”
بصيت له بكل قوة وعيني في عينه وقولت: “الفضيحة أنت اللي عملتها يوم ما سيبت إيدي تنضرب يا كريم. المحكمة دي مش عشان أخرب البيت.. المحكمة دي عشان أجيب حقي اللي أنت همست في ودني وقولت لي ‘عليّا الطلاق مش هتاخديه’. أديني باخده بالقانون وبأصول ربنا، والبادئ أظلم”.

وقف كريم مذهول في ممر المحكمة، الكلمات تاهت من على لسانه وهو شايف البنت الغلبانة، اللي كانت ماشية جنب الحيط وبتقول “يا رب استرها معايا”، واقفة قدامه بقوة وشموخ ومبتتهزش. حاول محاميه يجرّه بعيد وهو بيهمس له: “المنظر مش في صالحنا يا كريم يا ابني، الفيديوهات دي لو القاضي اعتمدها، قضية الطاعة بح، وهتتحكم لها بالطلاق للضرر والنفقة والمؤخر كامل، وهتخرج من المولد بلا حمص.. لازم نشوف حل ودي بسرعة”.
لكن كريم، من كتر الصدمة والعند اللي عمى عينيه، نفض إيد محاميه ومشي وهو بيبرطم بكلام مش مفهوم، وعينيه بتطق شرار. لفيت ضهري وبصيت لأبويا اللي كان ساند على عكازه، وابتسامة فخر مرسومة على وشه التعبان. طبطب على كتفي وقال: “عاش يا بنتي.. الراجل اللي ميعرفش يقيم مراته في الهنا، ملوش كلمة عليها في الزعل. يلا بينا نروح”.
رجعنا البيت، والبلد كلها مكنش وراها سيرة غير “سمر اللي وقفت لجوزها وعيلته في المحكمة”. الأرياف مفيهاش أسرار، وبمجرد ما المحامين والشهود رجعوا، الخبر انتشر زي النار في الهشيم. في وسط الأيام دي، بدأت أحس بإن ربنا سبحانه وتعالى بيعوضني عن كل ليلة نمت فيها مقهورة؛ الستات في البلد اللي كانوا بيشفقوا عليا امبارح، بقوا بيبصوا لي اليوم بنظرة إعجاب، والكل بقا يعمل حساب لـ “سمر بنت الحاج أحمد” اللي متقبلش العيبة.
بعد الجلسة بأسبوع، الباب خبط في وقت متأخر من السهرة. أمي فتحت، ولقينا الحاج صالح، عم كريم وكبير عيلتهم، داخل ومعاه راجلين من أعيان البلد، بس المرة دي كريم مكنش معاهم.
أبويا استقبلهم في الصالة بكل أدب، وقعد وهو حاطط رجله فوق رجله، ملامحه هادية بس حاسمة.
الحاج صالح اتنهد وقال: “يا حاج أحمد، إحنا جايين لك المرة دي وإحنا عارفين إن عيلتنا غلطت في حقكم، والولد كريم ركبه الشيطان وعمي عينيه العند. بس إحنا ولاد بلد واحدة، والمحاكم دي بتاكل من سمعة العيلتين، وميرضيش ربنا إن الأمور توصل للطلاق والخراب والمحاضر”.
أبويا رد بكل رزانة: “والله يا حاج صالح، الخراب ده ابنكم هو اللي جابه برجله لحد بيتنا. بنتي راحت عنده مصونة، وانضربت قدام أهله وناسه، وبدل ما ينصرها، حبس حقها بيمين طلاق. ولما جينا نعاتب بالأصول، جاب لي المحضر بإنذار طاعة عشان يكسر رقبتها. تفتكر بعد كل ده، لسه في مكان للأصول؟”
الراجل اللي مع الحاج صالح اتكلم وقال: “عندك حق يا حاج أحمد، وكريم غلطان ومحجوج، وإحنا جايين دلوقتي بـ ‘قعدة حق’.. قعدة عرب ورجالة، وشروطك اللي هتقولها هتمشي على رقبة كريم وعلى رقبتنا كلنا، بس بلاش المحاكم والفضايح، والست سمر ترجع بيتها مكرمة، وكريم يكتب لها الترضية اللي ترضيها”.
أبويا بص لي، وسألني برأيي بنظرة عين فهمتها. قومت وقفت ووقفت وسط الرجالة بكل أدب وقولت: “يا حاج صالح، أنتم على راسي من فوق، والأصول إحنا أولى الناس بيها. أنا مش غاوية محاكم ولا خراب بيوت، وأنا وافقت على قعدة الحق دي عشان خاطركم وخاطر بلدنا، بس شروطي مفيهاش فصال، ولو كريم موافقش عليها، يبقى القاضي هو اللي هيحكم بنا”.
الحاج صالح قال: “قولي يا بنتي وشروطك مجابة”.
قولت بثقة: “أولاً، كريم يطلقني يمين على يد مأذون عشان يمين الطلاق اللي رماه في الفرح نخلص من شبهته شرعاً، ويردني بعقد ومهر جديدين، عشان يعرف إن رجوعي مش ببلاش. ثانياً، شقة الزوجية تتكتب باسمي أو يتكتب لي وصل أمانة بقيمتها كضمان. ثالثاً، شيماء أخته متدخلش بيتي ولا تلمح وشي، وعلاقتي بحماتي الست الطيبة هتفضل على راسي، لكن شيماء خط أحمر. ورابعاً وأخيراً.. كريم يعتذر لي قدام عيلتي كلها في قعدة الرجالة دي، ويرد لي اعتباري زي ما ساب كرامتي تتداس في الفرح”.
الرجالة بصوا لبعض، الشروط كانت تقيلة وتكسر عين أي راجل مغرور، بس الحاج صالح هز راسه وقال: “حقك يا بنتي، واللي صان عرضه وصان كرامته يستاهل. أنا هروح لكريم وأقعد معاه، وإن شاء الله قعدة الحق هتكون الخميس الجاي في بيت أبوكي”.
لما كريم عرف بالشروط، البلد كلها عرفت إنه انهار وعلي صوته، وقال: “تكتب الشقة باسمها؟ وتخليني أعتذر لها؟ أنا كريم يتعمل فيا كده من حتة عيلة؟”
لكن الحاج صالح وقف له وقفة رجالة وقاله: “العيلة دي اللي تستهون بيها، كسبت قضيتها في المحكمة بالفيديوهات، والفضيحة هتبقى بجلاجل لو القاضي حكم بالطلاق للضرر. ده غير إن جوز أختك شيماء حالف ما يرجعها غير لما الأمور تصفى، يعني خراب بيتك هيبقى خراب لبيت أختك كمان! يا إما توافق وتنزل راسك للأصول، يا إما تنسى إن ليك عيلة تقف وراك”.
تحت ضغط العيلة، وخوفه من خسارة كل شيء في المحكمة، وخوفه الأكبر من كلام الناس اللي بقى يلاحقه في كل مكان، كريم وافق.. وافق وهو مكسور الجناح، والعند اللي كان سايقه اتهد تماماً.
وجاء يوم الخميس المشهود..
صالة بيت أبويا كانت مليانة من كبار البلد ورجالة العيلتين. كنت قاعدة في الأوضة الجوانية، وسامعة كل كلمة بتتقال برة. دخل المأذون الأول، وطلقني من كريم طلقة أولى بناءً على اليمين اللي فات، ورجع ردني بعقد جديد ومهر جديد وسط شهادة الكل.
بعد ما المأذون خلص ورقته، الحاج صالح نادى عليا: “اخرجي يا سمر يا بنتي، خدي حقك”.
خرجت ووقفت بكل ثبات. كريم كان قاعد، عينه في الأرض، وشه أحمر وعروقه بارزة، مش قادر يبص في عيني من الكسرة. قام وقف قدام الرجالة كلها، وبص لي وقال بصوت فيه بحة وندم حقيقي: “حقك عليا يا سمر.. أنا غلطت في حقك، وسيبت الشيطان يدخل بنا، ومحمتكيش في وقت كان لازم أكون أنا ضهرك وسندك. قدام كبار البلد وعيلتك، أنا بعتذر لك، وكرامتك من كرامتي، والي اللمسة اللي تمسك هقطعها”.
أبويا طلع دفتر الشروط، وكريم مضى على التنازل عن الشقة ووقع على الشروط الجديدة وهو ساكت تماماً. في اللحظة دي، حسيت إن الروح ردت فيا.. القلم اللي انضربت بيه في الفرح، اترد دلوقتي بس مش بالايد ولا بالضرب، اترد بالحق، بالأصول، وبـ إن الست لما ترفض الظلم، الدنيا كلها بتجبر بخاطرها.
بعد ما الرجالة مشيوا، فضلت أنا وكريم في الصالة لوحدنا. قرب مني بخطوات بطيئة، باين عليه إنه اتقدم في السن من كتر الهم اللي شافه في الكام أسبوع دول. بص لي وقال بنبرة رجاء: “ارتحتي يا سمر؟ خدتي حقك تالت ومتلت، وكسرتي عيني قدام البلد كلها؟”
بصيت له بكل هدوء وقولت: “أنا مكسرتش عينك يا كريم، أنت اللي كسرت نفسك يوم ما استهونت بيا. أنا دافعت عن نفسي وعن كرامتي اللي أنت حطيتها تحت رجل أختك. الشقة والورق والاعتذار ده كله مش عشان أذلك.. ده عشان تفتكر دايماً إن سمر مش غلبانة ولا ملهاش حد، سمر وراها راجل عرف يربيها وعرف يجيب لها حقها”.
سكت شوية، وبعدين قال: “يلا بينا نرجع بيتنا؟”
قولتله: “أنا هقعد في بيت أبويا أسبوع كمان.. عشان أرتاح، وعشان أنت كمان تقعد مع نفسك وتفكر في العقد الجديد اللي كتبناه. إحنا هنرجع يا كريم، بس مش سمر القديمة اللي هترجع معاك. هترجع معاك الست اللي هتشيلك في عينيها طالما صاينها، بس لو فكرت في يوم تيجي عليها، هتلاقيك بتخسرها وبتخسر كل حاجة في ثانية”.
هز راسه بالموافقة وهو مش قادر يتكلم، وخرج من البيت وهو عارف إن اللعبة اتغيرت، وإن المركب اللي كانت ماشية بالدادي، دلوقتي هتمشي بالعدل والأصول.
مر الأسبوع، ورجعت بيتي.. بس المرة دي دخلت وأنا رافعة راسي، الشقة شقتي بالقانون، وكريم بقى بيعمل لكل كلمة بقولها ألف حساب. شيماء أخته ا تلمت، ومبقتش تقدر حتى تجيب سيرتي بكلمة، بعد ما عرفت إن جوزها محمود رجعها بشرط إنها ملهاش دعوة بيا ولا ببيتي.
وقفت في بلكونة شقتي، وبصيت للشارع وللبلد، وأخدت نفس طويل ومليان راحة. الدنيا لفت بيا يوم الفرح وصدمتني، بس اللفة دي هي اللي صحّتني وعلمتني إن الست ملهاش غير كرامتها، طالما هي صح ومعاها الأصول، ربنا مبيسيبهاش مكسورة أبدًا.

مرت ثلاثة أشهر على تلك الليلة المشهودة التي تغيرت فيها خارطة حياتي. عادت المياه إلى مجاريها في الظاهر، لكنها لم تعد نفس المياه، ولا المجرى ظل كما كان. الشقة التي كنت أدخلها بقلب مرتجف يخشى غضب الزوج وتقلبات عائلته، أصبحت أدخلها اليوم وأنا أعلم أن جدرانها تشهد على حقّي الموثق بالقانون والأصول.
كريم تغير تماماً؛ أصبح رجلاً آخر، هادئاً، حذراً في تعاملاته، يزن الكلمة قبل أن تنطق بها شفتاه. لم يعد ذلك الزوج الذي يتركني في مواجهة العاصفة بمفردي، بل أصبح يحرص على راحتي بشكل مبالغ فيه أحياناً، وكأنه يحاول طوال الوقت محو آثار تلك الليلة من ذاكرتي. لكن الجروح الغائرة في النفوس لا تلتئم بمجرد اعتذار أو توقيع على ورق؛ بل تحتاج إلى وقت، وإلى مواقف حقيقية تثبت أن التغيير نابع من الداخل وليس مجرد خوف من الفضيحة أو خسارة الشقة.
كانت الحياة تسير بهدوء حذر، حتى جاء يوم الجمعة، وهو اليوم الذي اعتادت فيه عائلة كريم التجمع في بيت حماتي الكبيرة. منذ عودتي، لم أطأ بيت حماتي تجنباً للقاء شيماء، ورغم أن حماتي كانت تتصل بي يومياً وتدعو لي بالصلاح وتطلب رؤيتي، إلا أنني كنت أعتذر بلطف، وكان كريم يتفهم ذلك تماماً ولا يضغط عليّ.
لكن في ذلك الصباح، رن هاتف كريم، وكان المتحدث هو عمه الحاج صالح. سمعت كريم يقول بنبرة قلقة: “يا عمي، سمر لسه مش مستعدة، وأنا مش عايز أضغط عليها.. حاضر.. حاضر يا عمي، هنحصلكم على هناك.”
قفل كريم الخط والتفت إليّ وعلامات التردد واضحة على وجهه. اقترب مني وقال بصوت منخفض: “سمر.. الحاج صالح مكلمني وبيقول إن العيلة كلها متجمعة عند أمي اليوم، ومحمود جوز شيماء معاهم. الحاج صالح طالبك بالاسم، وبيقول إن قعدتنا النهاردة هي اللي هتقفل الصفحة دي تماماً قدام العيلة الكبيرة عشان القيل والقال ينتهي. لو مش عايزة تيجي، قوليلي وأنا هروح لوحدي وأعتذر لهم.”
نظرت إلى كريم، رأيت في عينيه رجاءً مكتوماً. لم يكن يطلب مني التنازل، بل كان يطلب مني مساندته ليظهر أمام عائلته بأنه استعاد بيته وزوجته، وأن الأمور استقرت. فكرت قليلاً.. سمر القديمة كانت سترفض خوفاً من المشاكل، لكن سمر الجديدة تعلم أن المواجهة هي التي تثبت القوة، وأن الهروب يجعل الآخرين يظنون أنكِ ما زلتِ مكسورة.
قمت ووقفت وقلت له بابتسامة هادئة: “بالعكس يا كريم، إحنا هنروح. الست الطيبة حماتي ليها حق عليا إني أزورها، والحاج صالح رجل أصول ومقدرش أكسر كلمته. جهز نفسك ويلا بينا.”
لمعت عين كريم بالفرحة، وشعرت لأول مرة منذ الأزمة بأنه ينظر إليّ بنظرة تقدير حقيقية، نظرة رجل يرى في زوجته سنداً وعقلاً راجحاً وليس مجرد تابعة.
وصلنا إلى بيت العيلة الكبير في وسط البلد. كانت السيارات واقفة برة، وصوت الضجة والحديث يملأ المكان. نفضت عن نفسي أي توتر، وأمسكت بإيد كريم ودخلنا.
أول ما دخلنا الصالة الكبيرة، سكتت الأصوات فجأة، والعيون كلها اتجهت نحونا. كانت حماتي قاعدة في الصدارة، وعن يمينها الحاج صالح، وعن شمالها محمود جوز شيماء، وفي ركن بعيد كانت تجلس شيماء، منكمشة على نفسها، تختبئ وراء زوجها ومبتنطقش بكلمة.
حماتي أول ما شافتني، وقفت على رجليها وفتحت دراعاتها وهي بتبكي: “نورتي بيتك يا سمر يا بنتي! يا ألف نهار مبروك، الرجل تدب فيها روحها لما تشوفي أولادك متجمعين حواليكي.”
ذهبت إليها وارتميت في حضنها وقبلت رأسها وإيدها، وقولت لها: “البيت منور بيكي يا أمي، وأنا مجيتش غير عشان خاطرك.”
الحاج صالح وقف ورحب بينا، وجلسنا في وسط المجلس. محمود، جوز شيماء، راجل موظف ومحترم ومعروف في البلد بكلمته الحق، وقف وسلم على كريم وعليا وقال بصوت جهوري يسمعه الكل: “نورتي يا ست سمر. أنا قولت للحاج صالح ولقرايبنا كلهم، الست سمر دي بنت أصول، واللي حصل معاها كان غلطة شنيعة وميرضيش ربنا، والنهاردة إحنا متجمعين عشان نأكد إن الكل بيحترمها ويقدرها في البيت ده.”
بصيت لشيماء، كانت باصة في الأرض ووشها أحمر من الخجل والكسرة. لم أكن أشمت فيها، بل كنت أشعر بالأسف على امرأة تركت الغيرة والحقد يقودانها لخراب بيتها وكسر هيبتها قدام عيلتها وجوزها.
أثناء الجلسة، قامت الستات يجهزوا الغدا. حماتي قالت لشيماء بنبرة حاسمة: “قومي يا شيماء يا بنتي، ادخلي المطبخ هاتي صواني الأكل مع مرات أخوكي.”
رأيت الرعب في عيون شيماء وهي بتبص لي، كانت خايفة من مواجهتي منفردين في المطبخ. قمت وقولت لحماتي: “خليها مرتاحة يا أمي، أنا هدخل أساعدهم.”
دخلت المطبخ وبدأت أنظم الأطباق والصواني. بعد دقائق، لقيت شيماء داخلة ورايا بخطوات مترددة، قفلت الباب ووقفت ورايا وهي بتفرك في إيديها. التفت إليها ببرود وقولت: “عايزة حاجة يا شيماء؟”
نزلت دموعها فجأة وقربت مني وقالت بصوت مخنوق ومكتوم عشان محدش برة يسمع: “سمر.. أنا عارفة إنك مسمحاني في الظاهر عشان خاطر الناس، بس أنا والله العظيم عايشة في جحيم. محمود جوزي من يوم الفرح وهو مبينظرش في وشي، ودايماً يعايرني ويقولي إنك أنتي بنت الأصول اللي عرفتي تحافظي على كرامتك، وأنا اللي فضحت عيلتي. قوليلي أعمل إيه عشان يسامحني بجد؟ أنا بيتي كان هيتخرب لولا إنك وافقتي على الصلح.”
نظرت إليها طويلاً. رأيت فيها الانكسار الحقيقي الذي يغير النفوس. قولت لها بنبرة هادئة وصارمة في نفس الوقت: “يا شيماء، أنا قولتلك قبل كده إني معنديش غل من ناحيتك. القلم اللي ضربتيهولي، ربنا ردهولي أضعاف في الدنيا قبل الآخرة بالحق والأصول. مشكلتك مع محمود مش بسببي أنا، مشكلتك إن محمود شاف فيكي طبع وحش، شاف الغيرة والغل والحسد اللي كانوا ماليين قلبك من ناحيتي بدون سبب. محمود مش هيصالحك ولا هيحترمك غير لما يشوف إنك اتغيرتي بجد، إنك سيبتِ الناس في حالهم وركزتي في بيتك وعيالك.”
بكت أكتر وقالت: “والله اتعلمت الأدب يا سمر، والله العظيم حرمت أتدخل في حياة حد.”
قولت لها وأنا بطبطب على كتفها براحة: “طالما حرمتي، يبقى ربنا غفور رحيم. ادخلي امسحي دموعك دي، واقعدي جنب جوزك، وأنا قدام محمود والكل هتعامل معاكي بكل أدب واحترام، عشان يبان قدامه إنك بقيتي كويسة والأمور صِفيت بجد. بس افتكري دايماً يا شيماء.. بيوت الناس مش لعبة، وكرامة الست خط أحمر.”
خرجنا من المطبخ، وقعدنا على طبلية الغدا الكبيرة. بدأت أتعامل مع شيماء بشكل طبيعي، أناولها الأطباق وأبتسم في وش عيالها. محمود جوزها كان بيراقب الموقف بعينه، ولمحت ابتسامة رضا على وشه. بعد الغدا، محمود التفت لكريم وقال: “الحمد لله يابو كرم، الغمة انزاحت، والنفوس صِفيت. وأنا قدام عمنا الحاج صالح والكل، بقول لشيماء مراتي: مرات أخوكي دي تشيليها فوق راسك، وتتعلمي منها الأصول، والبيت ده ملوش سيرة غير بالخير من هنا ورايح.”
شيماء هزت رأسها بالموافقة وقالت: “حقكم عليا جميعاً، وسمر دي أختي الكبيرة ومقامها على راسي.”
رديت عليها وقولت: “إحنا ولاد عيلة واحدة يا أبو عيالنا، والصلح خير.”
في اللحظة دي، بصيت لكريم اللي كان قاعد جنبي، شفت في عينيه نظرة امتنان عميقة جداً. كان عارف إن تصرفي ده، ومسامحتي لأخته في العلن ومساعدتها قدام جوزها، هو اللي قفل باب الفضيحة تماماً، وهو اللي رجع لعيلته هيبتها اللي تاهت في الفرح. كريم فهم إن الست القوية مش اللي بتستمر في الانتقام، الست القوية هي اللي بتعرف إمتى تضرب بالحق، وإمتى تعفو وتكبر من مكانة جوزها لما تلاقيه صانها بجد.
رجعنا بيتنا في سهرة اليوم ده. الشارع كان هادي، ونور شقتنا كان دافي ومريح. دخلنا، وكريم قفل الباب ورايا. التفت إليّ، وأمسك إيدي الاثنين، وبص في عيني ونزل على ركبه قدامي في وسط الصالة!
اتخضيت وقولتله: “في إيه يا كريم؟ بتعمل إيه؟ قوم!”
نظر إليّ وعينيه مغرورقة بالدموع وقال: “سمر.. أنا النهاردة بس حسيت إني رجعت راجل بجد. أنتي النهاردة كبرتي بيا قدام أهلي وعيلتي وعمامي كلهم. أنتي عفتِ عن أختي وساعدتيها في بيتها بعد ما كنتي تقدري تذليها وتذليني معاها. أنا عمري ما هنسى ليكي الموقف ده يا سمر. الورق والشروط اللي مضيت عليها في بيت أبوكي كانت حقك، لكن اللي عملتيه النهاردة ده فوق الحق.. ده أصل وفضل مش بيطلع غير من بنت أكابر بجد.”
قومت قعدت جنبه على الأرض، وأمسكت وجهه بإيدي وقولت له بصوت كله حنان: “يا كريم، أنا لما حاربت، محاربتش عشان أخرب بيتي، ولا عشان أذلك قدام الناس. أنا حاربت عشان أفوقك، عشان أعرفك إن مراتك دي شرفك وعرضك، واللي يقبل على مراته الإهانة، الناس بتهينه هو الأول. أنا النهاردة كبرت بيك لأنك بقيت جوزي وسندي بجد، والست لما تلاقي راجلها ضهر ليها، بتشيله فوق راسها وبتفدي أهله بعينها.”
بكى كريم في حضني مثل الطفل الصغير الذي وجد أمانه بعد طول غياب. في تلك الليلة، انمحت آخر نقطة سوداء كانت في قلبي من ناحيته. حسيت إن المركب اللي كانت بتغرق امبارح، النهاردة رست على بر الأمان، مش بالخوف ولا بالتهديد ويمين الطلاق، بل بالحب والاحترام والأصول المتبادلة.
مرت الأيام والشهور، وأصبحت حياتنا مثالاً يُحتذى به في البلد كلها. شيماء أصبحت حريصة على ودّي، وتأتي لزيارتي وهي محملة بالهدايا وتستشيرني في كل صغيرة وكبيرة في بيتها. وحماتي تفتح لي قلبها ودعواتها لا تنقطع عني وعن بيتي.
وفي صباح يوم مشمس، كنت واقفة في المطبخ بجهز الفطور لكريم وهو بيستعد للذهاب لشغله. شعرت بدوار خفيف، وتعب مفاجئ لم أعهده من قبل. ابتسمت في سري وأنا بفتكر الأيام اللي فاتت، وقولت في نفسي: “سبحان مغير الأحوال من حال إلى حال”.
خرجت للصالة ولقيت كريم لابس ومتأنق، جئت أضع له الفطور، فنظر إليّ بقلق وقال: “مالك يا سمر؟ وشك أصفر وتعبانة ليه كده يا بنتي؟”
أمسكت إيده وحطيتها على بطني وقولت له بابتسامة مليانة دموع وفرحة: “مفيش يا كريم.. شكل الشروط الجديدة اللي كتبناها في العقد، ربنا هيبارك لنا فيها بفرع جديد يملأ علينا البيت.”
كريم اتصدم، وساب الشنطة من إيده، وشالني ولف بيا في الصالة وهو بيصرخ من الفرحة ويدعي ربنا ويبكي. في اللحظة دي، بصيت للسماء وقولت: “الحمد لله يا رب.. الحمد لله اللي نصرني بالحق، وجبر بخاطري، وعوضني عن كل ليلة قهر عشتها. الكرامة غالية، والأصول مبتخسرش أبداً، والبيت اللي بيتبني على العدل، ربنا بيعمر فيه الخير والبركة لآخر العمر.”
كان خبر الحمل بمثابة طوق النجاة الأخير الذي رسخ جذور بيتنا في أرض طيبة، وجعل الأيام العصيبة التي عشناها مجرد ذكرى بعيدة نمر عليها لنأخذ منها العبرة، لا لنبكي على أطلالها. تبدلت أحوال البيت تماماً؛ كريم الذي كان في الماضي يرى في طلباتي ثقلاً، بات اليوم يتلمس رضايا في كل لفتة، وأصبحت راحتي هي شغله الشاغل. لم يكن يفعل ذلك خوفاً من الشروط المكتوبة أو الورق الذي بيننا، بل كان مدفوعاً بوعي جديد، وعي الرجل الذي أدرك قيمة الجوهرة التي بين يديه بعدما كاد يفقدها للأبد.
مرت شهور الحمل الأولى ثقيلة ومتعبة على جسدي، لكنها كانت خفيفة مبهجة على روحي. لم تتركني أمي لحظة واحدة؛ كانت تأتي من أول البلد محملة بالخيرات والدعوات، وتجلس معي بالأيام لترعاني. وحماتي كذلك، الست الطيبة التي لم تزدها الأيام إلا حباً لي، كانت تدق بابي كل صباح وهي تحمل لي طعام الإفطار الساخن، وتوصي كريم بي قائلة: “شيلها في عينيك يا ابني، سمر دي هي البركة اللي دخلت بيتنا، وهي اللي صانت عرضنا وعفت عن بنتي لما كانت قادرة تكسرها”.
أما شيماء، فقد تبدل حالها سبحان مغير الأحوال من حال إلى حال. الغيرة التي كانت تأكل قلبها انطفأت، وحل محلها نوع من الاحترام العميق الهادئ. أصبحت تأتي لزيارتي بخطوات خفيفة، تجلس معي لتساعدني في ترتيب المنزل، وتستشيرني في أدق تفاصيل حياتها مع زوجها محمود. وفي كل مرة كانت ترى فيها بطني المرتفعة، كانت تدمع عيناها وتقول: “ربنا يقومك بالسلامة يا سمر، ويجعل مولودك وش السعد علينا كلنا، زي ما كنتِ أنتي وش السعد من يوم ما رجعتي بيتك بالحق والعدل”.
وفي ليلة من ليالي الشتاء الباردة، وفي الشهر التاسع من حملي، كنت جالسة مع كريم في الصالة نشاهد التلفاز والدفء يملأ أركان شقتنا. فجأة، شعرت بآلام مخاض قوية وعنيفة لم أتحملها. صرخت وأمسكت بمعصم كريم، الذي انتفض من مكانه وكأن صعقة كهربائية أصابته.
تسمر في مكانه لثوانٍ من الخوف، ثم بدأ يتحرك في كل اتجاه وهو يصرخ: “سمر! في إيه؟ الولادة؟ طب نعمل إيه؟ أكلم أمي؟ أطلب الإسعاف؟”
ورغم ألمي، ابتسمت من وسط دموعي على منظره وقولت له بصوت متقطع: “كلم.. كلم دكتورتي يا كريم، وهات الشنطة من الأوضة بسرعة، أنا مش قادرة”.
في دقائق معدودة، كان كريم قد اتصل بالجميع. نزلنا السلم وهو يسندني بكل قوته، يهمس في أذني بآيات من القرآن ويقبل رأسي في كل خطوة. وصلنا إلى المستشفى في المركز، وخلال نصف ساعة، كانت العائلة كلها متجمعة في الممر الخارجي. أمي تبكي وتدعو، وأبويا يستند على عكازه وعيناه معلقتان بباب غرفة العمليات، وحماتي وشيماء ومحمود.. الكل واقف على قدم وساق، ينتظرون بلهفة قدام الباب.
دخلت غرفة العمليات، وكنت أسمع من وراء الجدران صوت كريم وهو يتوسل للطبيبة: “أرجوكي يا دكتورة، سمر أهم حاجة.. طمنيني عليها هي الأول”. وفي تلك اللحظات الصعبة، لم أكن أشعر بالخوف؛ كنت أشعر بسلام داخلي غريب، لأنني أعلم أنني لست وحيدة، وأن وراء هذا الباب رجالاً وأهلاً يحبونني ويخافون عليّ، وأن كرامتي التي حاربت من أجلها، أثمرت اليوم حباً حقيقياً يحيط بي من كل جانب.
ساعات قليلة، وخرجت إلى الدنيا طفلتي الجميلة “تاج”. أسميتها “تاج” لتكون تاجاً لقصتي، ورمزاً للكرامة التي رفضت أن أتنازل عنها يوم أن أهنت وسط الزحام.
عندما أفقت من البنج، وجدت نفسي في غرفتي بالمستشفى، والجميع من حولي. كان كريم أول من اقترب مني، وعيناه ممتلئتان بدموع الفرح الهاربة. انحنى وقبل جبيني طويلاً، ثم أخذ الطفلة الصغيرة من الممرضة ووضعها بين يدي وهو يهمس بصوت مرتعش: “مبروك يا أم تاج.. مبروك يا غالية يا بنت الأكابر. ربنا يخليكي ليا ولبيتنا، ويقدرني أسعدك وأعوضك عن كل وجع شفتيه بسببي”.
أبويا اقترب مني وهو يبتسم بفخر، أخذ الصغيرة وأذن في أذنها، ثم التفت لكريم وقال بنبرة الأب الحكيم: “الفرع الجديد ده يا كريم أمانة في رقبتك، زي ما أمه كانت أمانة وضيعتها ورجعت صنتها. البنت في بيت أبوها بتكون ملكة، وفي بيت جوزها لازم تعيش أميرة، والراجل الحقيقي هو اللي بيخلي مراته رافعة راسها قدام الدنيا كلها”.
هز كريم رأسه بوقار وقال: “في عيني يا عمي أحمد، سمر وتاج في عيني وقلبي، وعهدي قدام ربنا وقدامكم كلكم إني مش هسمح لنسمة الهوا تضايقهم”.
اقتربت شيماء وعيناها تلمعان بالدموع، نظرت إليّ وقالت: “تربى في عزكم يا سمر، مبروك يا أمي المحترمة”. شكرتها وابتسمت لها، وشعرت في تلك اللحظة أن كل الحسابات القديمة قد تلاشت، وأن النفوس صفت تماماً ولم يعد هناك مكان للضغينة.
بعد مرور أسبوع على الولادة، أقمنا “عقيقة” كبرى لتاج في البلد. أصر كريم على أن تكون العقيقة أمام البيت، في نفس الشارع والصوان الذي شهد واقعة الفرح المشؤومة قبل أكثر من عام. قال لي وهو يجهز الذبائح والأنوار: “يا سمر، المكان اللي انكسرتِ فيه قدام الناس زمان من غير ذنب، لازم يكون هو نفس المكان اللي ترفعي فيه راسك والناس كلها تيجي تهنيكي وتعرف قيمتك”.
كان اليوم أشبه بالعرس الكبير. جاء أهل البلد كلهم، من عقر دارنا ومن العائلات المجاورة. طاولات الطعام امتدت على طول الشارع، والأنوار تملأ المكان، والزغاريد تنطلق من شرفات البيوت. كنت أجلس في صدارة المكان، لافتة العباءة المطرزة، وبجانبي أمي وحماتي، والطفلة تاج بين يدينا والكل يقبل عليها بالهدايا والمباركات.
جلس كريم بجانب عمي أحمد وأبويا والحاج صالح ومحمود جوز شيماء، وكان يتحدث بفخر واعتزاز عن بيته وعن زوجته وعن الفرحة التي ملأت حياته. لم يكن هناك همس أو شفقة في عيون الحاضرين هذه المرة؛ بل كانت نظرات إعجاب واحترام لقصة الست التي عرفت كيف تأخذ حقها بأصول ربنا وقانونه، وكيف تعيد بناء بيتها على أساس من العزة والكرامة.
في نهاية السهرة، بعد أن انصرف المعازيم وهدأت ضوضاء الاحتفال، صعدنا أنا وكريم إلى شقتنا. كانت الطفلة تاج قد نامت في سريرها الصغير بسلام. خرجت إلى البلكونة لأستنشق الهواء العليل، وأتأمل شوارع البلدة الهادئة تحت ضوء القمر.
جاء كريم من خلفي، ووضع عباءتي على كتفي ليحميني من برد الليل، ثم أحاطني بذراعيه وقال بصوت مليء بالهدوء والرضا: “بتفكري في إيه يا سمر؟”
التفت إليه، ونظرت في عينيه اللتين باتتا تعكسان الأمان الذي طالما بحثت عنه، وقلت له بنبرة هادئة: “بفكر في الدنيا يا كريم.. بفكر في اللحظة اللي الدنيا لفت بيا فيها في الفرح، لما انضربت بالقلم وحسيت إن الأرض بتبلعني وإن بيتي وحياتي انهاروا في ثانية. وبفكر في حالي دلوقتي وأنا واقفة في نفس المكان، وبيتي معايا، وجوزي سندي، وبنتي في حضني، وكرامتي ممسوسة بل مصونة ومحفوظة”.
أمسك إيدي وقبلها وقال: “الدنيا بتلف يا سمر عشان تصحي الغافل وتعرف الظالم إن في رب للحقوق. أنا كنت غافل، والعند والتعصب الأعمى لعيلتي كان يعميني عن الحق. القلم اللي ضربتهولك أختي كان فوق راسي أنا اللي فوقني وعلمني إن الرجولة مش فرض سيطرة ولا يمين طلاق بترمي في ساعة غضب، الرجولة هي احتواء وحماية وأصول. أنتي صبرتي، ولما جيتي تاخدي حقك، أخدتيه بأدب وبنت ناس، وعشان كده ربنا نصرك وكبرك في عيون الكل وعيوني أنا الأول”.
ابتسمت وقولت له: “المركب اللي كانت ماشية بالدادي والسكوت يا كريم، كانت هتغرق في أول موجة. لكن المركب اللي بتمشي بالعدل، وبأن كل واحد يعرف حقه وواجباته، ويسند التاني ويحترم كرامته، هي المركب اللي بتعيش وبتعبر أي بحر مهما كان هائج”.
سكتنا طويلاً، ونحن ننظر إلى السماء الصافية. شعرت في تلك اللحظة أن رسالتي قد اكتملت، وأن التجربة القاسية التي مررت بها لم تكن لعنة، بل كانت رحمة من الله لتعيد صياغة حياتي وحياة عائلتي بالكامل. تعلمت أن الست الطيبة الغلبانة التي تسير بجانب الحيط ليست ضعيفة، بل هي قوية بأصلها، وعندما يفيض بها الكيل وترفض الظلم، يقف الكون كله احتراماً لثورتها بالحق.
دخلنا شقتنا الدافئة، وأغلقنا الباب وراءنا، تاركين وراء ظهرنا كل ما مضى من وجع وقهر، مستشرفين مستقبلاً جديداً بنيناه بأيدينا، خطوة بخطوة، على أرض صلبة من الحب، والاحترام، والأصول التي لا تموت أبداً.
**تمت بحمد الله**

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *