اول ما ورقة الطلاق طلعت

أول ما ورقـة الطلاق طلعـت فـي إيـدي، كـان أول قـرار خـدته هـو إنـي قفـلت الـكريدت كـارد اللـي كانت فـي إيـد حـماتي. ولـما “هـاني” كلمـني وهـو بيـشيط مـن الغضب، طـلعت كل اللي كتـمته في قلـبي سـنين.
“هي أمك أنت، مش أمي.. ولو لسه نفسها في شنط ماركات وبراندات من ‘مول العرب’، ابقى ادفع لها أنت من جيبك.”
ده كان ردي على هاني لما كلمني مكملش 24 ساعة على طلاقنا الرسمي. كان صوته عالي وبيرعد، قال إيه.. أصل الكارت بتاع مامته اترفض وهي بتحاس والناس كلها اتفرجت عليها وحست بـ “الإهانة”. بقلم منــال عــلي
إهانة؟
الكلمة دي خلتني عايزة أضحك بأعلى صوتي.
سنين وهي عايشة في مستوى ملوش أي علاقة بواقعها.. كريمات بشرة مستوردة، جزم “سواريه” بالآلاف، كوافير أسبوعي، وبرفانات بتتباهى بيها في كل عيلة وهي بتبص لي من فوق لتحت. والأدهى إنها طول الوقت كانت بتنتقدني.. طريقتي في اللبس، كلامي، حتى نَفَسي مكنش عاجبها.
وكل “مليم” في العز ده كان من شقايا أنا. بقلم منــال عــلي
لأن الحقيقة اللي هاني كان بيحاول يجملها قدام الناس إنه هو “السند والضهر”، كانت أبعد ما يكون عن الواقع. أنا اللي كنت بدير وكالة تسويق رقمي ناجحة جداً في قلب القاهرة.. بشتغل ليل نهار مع مطاعم وعيادات وبراندات لبس، بدخل في مفاوضات مابتخلصش، ومبنامش غير ساعات قليلة عشان أضمن “السيولة” اللي بتجري في بيت مكنتش بتعامل فيه أبداً كشريكة حياة. بقلم منــال عــلي
بالنسبة لهم، أنا مكنتش زوجة.. أنا كنت “ماكينة ATM” وليها رجلين بتدخل المطبخ.
لما تليفوني رن تاني، رديت.. كان عندي فضول أشوف بجاحته هتوصل لفين.
“أنتِ عملتي إيه؟” هاني نطقها بحدة. “كارت ماما اترفض في المول قدام الناس.. عاملوها كأنها مجرمة!”
سندت ضهري على رخامة المطبخ وأنا ببص لبخار القهوة وهو طالع.. مطبخي أنا. بقلم منــال عــلي
شقتي أنا.. اللي شارياها بفلوسي وتأمين مستقبلي قبل ما أتجوز، ومع ذلك عشت فيها خمس سنين حاسة إني غريبة.
قلت له بكل برود: “محدش عاملها وحش، هما بس فكروها بحقيقة هي وأنت كنتوا ناسيينها.. اللي معاهوش مليلزموش، ومحدش يمد إيده على حاجة مش بتاعته.”
“متبقيش تافهة يا ليلى!”بقلم منــال عــلي
تافهة؟
بجد مضحك إن الكلمة دي تطلع من راجل كان بيخرس تماماً كل ما أمه تهيني قدام الناس. نفس الراجل اللي كان بيخليني أدفع حساب العزومات الغالية، وبعدها يرفع كاسه ويقعد يتفشخر قدام القرايب إن “عيلته طول عمرها إيد واحدة وسند لبعض”.بقلم منــال عــلي
سند لبعض؟
فعلاً.. مكنوش بيظهروا غير وقت المصلحة بس.
قلت له بلهجة قاطعة: “اسمع يا هاني، هي دلوقتي مسؤوليتك أنت. عايز تعيشها ملكة؟ ادفع أنت.. أنا مفيش مليم واحد هيطلع مني تاني.”
وقفلت السكة.بقلم منــال عــلي
لما حاول يتصل تاني، عملت له “بلوك”.
رقم غريب.. “بلوك”.
رقم تالت.. “بلوك”.
ليلتي بدأت بجد.. شغلت مزيكا هادية، صبيت لنفسي كاس عصير فريش، وطبخت الأكلة الغالية اللي كنت شايلاها “لمناسبة خاصة”. واكتشفت فجأة إن دي فعلاً أهم مناسبة في حياتي. بقلم منــال عــلي
أنا أخيراً بطلت أموّل “إهانتي” بفلوسي.
وأنا باكل، الذكريات بدأت تمر قدامي..
أفتكر أمه وهي بتشم برفان غالي كنت مهاديه لها بيه، وتقول قدام الكل: “ريحته حلوة.. بس ليلى مهما لبست بيفضل ذوقها ‘بيئة’.”
وهاني كان بيكتفي بهزة كتف ويقول لي: “أنتِ عارفة طبعها، متكبريش الموضوع.” بقلم منــال عــلي
أفتكر أخته وهي بتتريق عليا عشان بشتغل لوقت متأخر: “الست الأصيلة مش مفروض تبقى مهووسة بالفلوس كده.”
ومع ذلك، عمرهم ما اعترضوا وهما بيصرفوا “فلوسي” دي.
دروس خصوصية، مصاريف مستشفيات، تصليح عربيات، مصايف،

“خناقات” مادية.. الكل كان مارد إيده، ومحدش كان رادد لي اعتبار.
ليلتها، أكلت في هدوء قدام الشباك.. كان فيه راحة بال بقالي سنين ملمستهاش. افتكرت إن الكابوس خلص.. بس كنت غلطانة. بقلم منــال عــلي
تاني يوم، ومع أول ضوء للشمس، سمعت خبط على باب شقتي.. خبط جنوني خلى الحيطان تترج. خبط وراه خبط.. وبعدها صوتها شق سكون الطرقة، كان حاد ومليان غل:
“افتحي يا ليلى! مفيش ست حتة حتة (ملهاش لزمة) زيك تكسرني وتهين كرامتي وتفتكر إنها هتنفد بجلدها!”
وقفت مكاني.. مكنتش خايفة، كنت مذهولة بس.
لأني في اللحظة دي عرفت إن دي مش النهاية..
دي كانت مجرد البداية.
​فتحت الباب مواربة، والجنزير لسه محطوط.. كنت عايزة مسافة أمان، مش خوفاً منهم، بس عشان مش طايقة ريحتهم حتى تدخل بيتي.بقلم منــال عــلي

​”بأي حق تحـ,ـرجيني الإحراج ده قدام الناس؟” الحماة (إلهام) برقت لي وهي بتشخط، وكانت لسه بطلتها “الشيك” اللي في الحقيقة أنا اللي شاريها لها.

​رديت ببرود يحرق الأعصاب: “صباح الخير يا طنط إلهام.. نورتي.”

​هاني حاول يلم الموضوع وهو بيبص حواليه بتوتر: “مش هنا يا ليلى.. مش قدام الجيران، افتحي الباب ونتكلم جوه.”

“لأ.”بقلم منــال عــلي

​الكلمة دي كان ليها رنة أول مرة أحس بيها.. كلمة واحدة لخصت سنين من السكوت المكبوت. وقفت قدامهم وبدأت أسرد “الفواتير” بالمليم.. كل قرش دفعته، كل تحويل بنكي، كل أزمة مادية شيلتها وهما بيتفرجوا.

​إلهام بدأت تنكر وتزعق وتتهمني بالبخل، وهاني بيحاول يلف ويدور.. لحد ما رميت القنبلة الأخيرة.بقلم منــال عــلي

قلت لها: “طب اسألي ابنك السند، الفلوس اللي كان بيديها لك ويقول لك إنها من أرباح شركته.. كانت بتخرج منين؟”

​إلهام بصت له بذهول: “أنت قلت لي إن ده رزقك وتعبك!”

هاني وشه جاب ألوان، ملقاش رد.. السكوت في اللحظة دي كان اعتراف رسمي بالسـ,ـرقة. بقلم منــال عــلي

​طلعت فايل (ملف) مليان مستندات وحسابات: “ده مش كلام مشاعر ولا خناقات ستات.. دي أرقام وحقايق، وأنا مش هسمح لأي حد يمد إيده في جيبي تاني.”

​رزعت الباب في وشهم.. وسبتهم بره مع الحقيقة ومع نظرات الجيران اللي كانت مستغربين أو جمهور محترم للمسرحية دي.

​بداية جديدة

​بعد اليوم ده، الدنيا اتغيرت.. حاولوا يبعتوا رسايل تهـ,ـديد قانوني، بس أنا كان معايا كل الإثباتات اللي تخليني أحط صباعي في عين أجدع حد فيهم. التلاعب النفسي اللي كانوا بيمارسوه عليا سنين مبقاش يأثر في شعرة مني.

​بعد تلات شهور، شركتي (وكالة التسويق) قدرت تمضي أكبر عقد في تاريخها.. ولأول مرة، حسيت بطعم النجاح “صافي” ليا لوحدي، مفيش حد هينغصه عليا ولا حد هياخد منه مليم مش حقه.

​قابلت هاني بالصدفة بعد فترة.. كان باين عليه “الهدمة”، مكسور ومطفي.

سألني بصوت واطي: “أنتِ عاملة إيه يا ليلى؟” بقلم منــال عــلي

رديت بابتسامة حقيقية: “أحسن بكتير.. أحسن من أي وقت فات.”

​بعد سنة.. وأنا واقفة في شقتي، وسط جيران بقوا هما عيلتي وسندي الحقيقي، فهمت الدرس اللي “إلهام” وعيلتها عمرهم ما هيفهموه:

​

أول ما ورقة الطلاق طلعت في إيدي، وكانت لسه بـ حبرها، أول قرار خدته ومن غير ما أفكر ثانية واحدة، هو إني مسكت الموبايل، وفتحت أبلكيشن البنك، وعملت “إيقاف نهائي” للكريدت كارد اللي كانت في إيد حماتي “إلهام”.

​ولما “هاني” كلمني وهو بيشيط، وعروق رقبته نافرة من الغضب وصوته جايب آخر الشارع، حسيت ببرود غريب نزل على قلبي. طلعت كل اللي كتمته في صدري سنين وسنين، وقلت له بكلمتين اتنين هدموا كل برستيجهم الكداب:

“هي أمك أنت، مش أمي.. ولو لسه نفسها في شنط ماركات وبراندات من ‘مول العرب’، ابقى ادفع لها أنت من جيبك.. لو في جيبك حاجة أصلاً!”

​ده كان ردي على هاني لما كلمني مكملش 24 ساعة على طلاقنا الرسمي في المحكمة. كان صوته عالي وبيرعد في السماعة، قال إيه؟ أصل الكارت بتاع مامته اترفض وهي بتحاسب في محل براند كبير في المول، والناس كلها، باللي يسوى واللي ميسواش، اتفرجت عليها والعمال خدوا منها الشنط وحست بـ “الإهانة” والكسرة قدام أصحابها الهوانم.

​إهانة؟

الكلمة دي لما طلعت من بقه خلتني عايزة أضحك بأعلى صوتي لغاية ما يغمى عليا.

سنين وأنا شايفة الست دي عايشة في مستوى ملوش أي علاقة بواقعها ولا بمرتب ابنها “هاني” اللي ميكفيش مصاريف سجايره وقعدته على القهوة. كريمات بشرة مستوردة بالشيء الفلاني، جزم “سواريه” بالآلاف من محلات وسط البلد والمهندسين، كوافير أسبوعي وصبغة مبتقعدش شهرين على بعض، وبرفانات بتتباهى بريحتها في كل لمة عيلة وهي بتبص لي من فوق لتحت وكأني حتة “خدامة” دخلت وسط ملوك. والأدهى من ده كله، إنها طول الوقت كانت بتنتقدني.. طريقتي في اللبس، كلامي، شكلي وأنا راجعة من الشغل هلكانة، حتى نَفَسي وطريقتي في تربية العيال لو كان لينا عيال، مكنش عاجبها.

​وكل “مليم” في العز ده.. كان من شقايا أنا، من لحمي الحي وعرقي.

​الحقيقة اللي هاني كان بيحاول يجملها قدام الناس، ويقعد في قعدات الرجالة ويقول “أنا السند.. أنا الضهر.. أنا اللي شايل البيت”، كانت أبعد ما يكون عن الواقع. أنا “ليلى”، البنت اللي طفحت الدم لحد ما عملت وكالة تسويق رقمي (Digital Marketing Agency) ناجحة جداً وكبيرة في قلب القاهرة، ما بين عمارات المعادي ومكاتب التجمع. بشتغل ليل مع نهار مع مطاعم وعيادات وبراندات لبس، بدخل في مفاوضات مابتخلصش مع عملاء وتجار، ومبنامش في اليوم غير ساعتين تلاتة عشان أضمن “السيولة” اللي بتجري في بيت مكنتش بتعامل فيه أبداً كشريكة حياة.

​بالنسبة لهم، أنا مكنتش زوجة.. أنا كنت “ماكينة ATM” متحركة وليها رجلين، وكمان مطلوب منها تدخل المطبخ وتعمل محشي وبشاميل يوم الجمعة عشان “الأساتذة” يتغذوا.
لما تليفوني رن تاني برقم هاني، رديت ببرود شديد.. كان عندي فضول قـ,ـاتل أشوف بجاحته وقلة أصله هتوصل لـ فين تاني.بقلم منــال عــلي

“أنتِ عملتي إيه يا ليلى؟” هاني نطقها بحدة وصوته بيرعش من الغل. “كارت ماما اترفض في المول قدام الناس.. الكاشير بصلها بنظرة زبـ,ـالة وعاملوها كأنها مجرمة بتسـ,ـرق! ضيعتي برستيج الست في ثانية عشان عقدك النفسية؟”بقلم منــال عــلي

سندت ضهري على رخامة المطبخ الألمونتال، وقعدت أبص لبخار القهوة السادة وهو طالع بهدوء.. مطبخي أنا.بقلم منــال عــلي
شقتي أنا.. اللي شارياها بفلوس شقايا وتأميني لمستقبلي من قبل ما ألمح وشه، ومع ذلك عشت فيها خمس سنين كاملة حاسة إني غريبة، حاسة إني مستأجرة مكان عند ناس مبيعرفوش يعني إيه أصول.

قلت له بكل برود، ونبرة صوت تقـ,ـتل: “محدش عاملها وحش يا هاني.. هما بس فكروها بحقيقة هي وأنت كنتوا ناسيينها وعايشين في مية البطيخ بسببه.. اللي معاهوش مليلزموش، ومحدش يمد إيده على حاجة مش بتاعته.. الكارت ده يتلغي، يتكسر، يتفرم، لإن صاحبة الفلوس فاقت.”

زعق وقال: “متبقيش تافهة يا ليلى! ده كارت مشحون من خير البيت، وأمي ليها حق في كل قرش زيها زيك!”
تافهة؟

بجد مضحك ومبكي إن الكلمة دي تطلع من راجل كان بيخرس تماماً، ويبلع لسانه، كل ما أمه تهيني وتجرح في كرامتي قدام القرايب والجيران. نفس الراجل اللي كان بيخليني أدفع حساب العزومات الغالية في مطاعم الزمالك والمهندسين، وبعد ما الحساب يتدفع بالفيزا بتاعتي من تحت الترابيزة، يرفع كاس العصير بتاعه ويقعد يتفشخر قدام القرايب ويقول: “أصل عيلتنا طول عمرها إيد واحدة وسند لبعض، وإحنا مبنبخلش على بعض بحاجة”.

سند لبعض؟بقلم منــال عــلي

فعلاً.. مكنوش بيظهروا ولا يعرفوا طريقي غير وقت المصلحة والفلوس بس. وقت ما يكون فيه شيك عايز يتسدد، أو قسط عربية أخته “منى” عايز يدفع.
قلت له بلهجة قاطعة زي حد السيف: “اسمع يا هاني.. أمك دلوقتي مسؤوليتك أنت.. من الألف للياء. عايز تعيشها ملكة؟ انزل اشتغل شغلانتين وتلاتة وادفع لها من عرقك.. أنا مفيش مليم واحد، ولا نكلة، هتطلع مني للعيلة دي تاني.. سامع؟”

وقَفلت السكة في وشه قبل ما ينطق بكلمة.

لما حاول يتصل تاني، عملت له “بلوك”.

رقم غريب رن.. “بلوك”.

رقم تالت من أرقام أصحابه.. “بلوك”.

ليلتي بدأت بجد.. ولأول مرة من خمس سنين، أحس بالنظافة. شغلت مزيكا هادية لـ أم كلثوم، صبيت لنفسي كاس عصير فريش، وطبخت الأكلة الغالية (ستيك لحمة مستوردة بالصوص) اللي كنت شايلاها في الفريزر “لمناسبة خاصة” وكنت دايماً بقول هعملها لما نكسب مشروع كبير. واكتشفت فجأة وأنا واقفة لوحدي إن دي فعلاً أهم وأغلى مناسبة في حياتي كلها.. مناسبة رجوعي لنفسي. بقلم منــال عــلي

أنا أخيراً بطلت أموّل “إهـ,ـانتي” بفلوسي!

وأنا باكل في هدوء، شريط الذكريات البايخة بدأ يمر قدام عينيا زي فيلم سينما رعب.

أول لقطة افتكرتها.. يوم عيد الأم اللي فات. كنت جايبة لحماتي طقم برفان فرنساوي أصلي، دافعة فيه الشيء الفلاني عشان أتقي شرها بس. خدت الأزوزة، شمتها بقرف، وقالت قدام العيلة كلها وبكل سهتنة: “ريحته حلوة يا حبيبي يا هاني.. تسلم إيدك يا ابني، باين عليه ذوقك العالي.. ليلى حبيبتي مهما لبست أو جابت، بيفضل ذوقها ‘بيئة’ ومبتعرفش تفرق بين الأصلي والمضروب.”

وهاني؟ هاني السند والضهر كان بيكتفي بهزة كتف باردة، ويبص لي ويقول بوش خالي من أي رجولة: “أنتِ عارفة طبع ماما.. ست كبارة وبتتكلم بتلقائية، متكبريش الموضوع وتنكدي علينا.”

وافتكرت أخته “منى” وهي قاعدة حاطة رجل على رجل في صالون بيتي، وبتتريق عليا وعلى شغلي ليل نهار: “الست الأصيلة يا ليلى مش مفروض تبقى مهووسة بالفلوس والشغل كده.. الست لبيتها وجوزها، والفلوس دي بتاعة الرجالة.. بس هنقول إيه، طبع الغاوية تعب!”

ومع ذلك، أخت هاني “الأصيلة” دي، عمرها هي وأمها ما اعترضوا وهما بيصرفوا “فلوسي” دي!

دروس خصوصية لعيال أخته، مصاريف مستشفيات وعمليات بوزير لحماتي، تصليح عربية هاني اللي خبطها مية مرة وهو راجع من السهر، مصايف الساحل الشرير اللي كانوا بيصروا يحجزوها في فيلات عشان “البرستيج” قدام الناس.. الكل كان مادد إيده وطامع، ومحدش فيهم كان رادد لي اعتبار أو باصص لي باحترام.بقلم منــال عــلي

خناقات مادية مابتخلصش.. كنت عايشة في مفرمة. ليلتها، أكلت في هدوء قدام شباك شقتي اللي بتبص على شوارع القاهرة المنورة.. كان فيه راحة بال ونسمة هوا بقالي سنين ملمستهاش. افتكرت إن الكابوس خلاص انزاح وانتهى.. بس للأسف، كنت غلطانة ومكنتش قارية الناس دي صح.

تاني يوم، ومع أول ضوء للشمس وصوت عصافير الصبح، صحيت على خبط مرعب على باب شقتي. خبط جنوني ورفس بالرجلين خلى الحيطان تترج، والكلاب في الشارع تهوهو. خبط وراه خبط وكأن البيت بيقع.. وبعدها صوتها هي.. صوت الحماة “إلهام” شق سكون الطرقة، كان صوت حاد، مليان غل وردح قاهري قديم:بقلم منــال عــلي

“افتحي يا ليلى! افتحي يا خطافة الرجالة يا قاطعة الأرزاق! مفيش ست حتة حتة، ملهاش لازمة ولا أصل زيك، تكسرني وتهين كرامتي في وسط المول وتفتكر إنها هتنفد بجلدها! افتحي ورينا طولك!”
​وقفت مكاني في الصالة.. مكنتش خايفة، مفيش جوايا ذرة خوف، كنت مذهولة بس من كمية البجاحة وفقدان الوعي بالواقع اللي هما فيه.

في اللحظة دي عرفت إن قفلة السكة والـ “بلوك” مكنتش النهاية.. دي كانت مجرد البداية لمعركة تكسـ,ـير العظام.

​مشيت ببطء، وفتحت الباب مواربة، والجنزير الحديد لسه محطوط.. كنت عايزة مسافة أمان، مش خوفاً من ضـ,ـرب أو شتيمة، بس عشان مش طايقة ريحتهم ولا نفسهم يدخل بيتي ويوصخ السجاد اللي غسلاه بدم قلبي.بقلم منــال عــلي

​”بأي حق تحرجيني الإحراج ده قدام الناس يا زبالة؟” طنط إلهام برقت لي وعينها كانت هتطلع من مكانها وهي بتشخط، وكان شكلها يضحك.. لسه بطلتها “الشيك” والعباية البراند اللي في الحقيقة أنا اللي شاريها لها من فلوس أرباح الوكالة الشهر اللي فات.
​رديت عليها بنظرة باردة تحـ,ـرق الأعصاب وتجيب جلطة: “صباح الخير يا طنط إلهام.. نورتي العمارة كلها بصوتك الجميل.”

​هاني كان واقف وراها، وشه أصفر وزي الليمونة المعصورة، حاول يلم الموضوع وهو بيبص حواليه بتوتر وخوف من الجيران اللي بدأت تفتح الأباجورات وتبص من العين السحرية: “مش هنا يا ليلى.. مش قدام الجيران والناس تتفرج علينا.. افتحي الباب وخلّينا ندخل نتكلم جوه الشقة زي زمان.”

​”لأ.. مفيش دخول هنا تاني.”

​الكلمة دي.. “لأ”.. كان ليها رنة ورنين أول مرة أحس بيه في حياتي. كلمة واحدة لخصت خمس سنين من السكوت المكبوت، والبلع، والمجاملات على حساب صحتي ونفسيتي. وقفت قدامهم وظهرت ورا الباب الموارب، وبدأت أسرد “الفواتير” بالمليم والقرش..

“تتكلموا في إيه؟ في الـ 50 ألف جنيه بتوع عملية المرارة؟ ولا الـ 120 ألف بتوع مصاريف الساحل؟ ولا أقساط عربية ابنك اللي مبيشتغلش؟ ولا تحويلات البنك اللي كانت بتنزل في حسابك كل أول شهر يا طنط عشان تروحي الكوافير وتشتري كريمات تشد تجاعيد وشك؟ كل قرش دفعته، كل أزمة مادية شيلتها وهاني واقف يتفرج ويبوس إيدك ويقول لك ده خيري ورزقي.. أنا اللي كنت دافعاه!”

​إلهام بدأت تنكر وتزعق وتخبط على صدرها وتتهمني بالبخل والكذب: “كدابة! ابنني هاني هو اللي شايلنا.. ابن عيلة وميسور الحال، أنتِ عايزة تتنصلي من جمايلنا عليكي وشيلتنا ليكي!”
وهاني واقف يلف ويدور، وعينه في الأرض، مش قادر ينطق بكلمة تبرأه.. لحد ما رميت القنبلة الأخيرة اللي نسفت كل حاجة.

​قلت لها وأنا ببص في عينها مباشرة: “طب اسألي ابنك السند والضهر.. الفلوس اللي كان بيديها لك كل شهر في مغلف ويقول لك إنها من أرباح شركته ومكتبه الاستشاري الكداب.. كانت بتخرج منين؟ اسأليه الفيزا اللي في جيبه دي تبع أنهي حساب بنكي؟ حساب شركتي أنا.. وكالة ليلى للتسويق!”بقلم منــال عــلي

​إلهام اتصدمت، لفت وبصت له بذهول وكسرة حقيقية: “هاني؟ أنت قلت لي إن ده رزقك وتعبك من عرق جبينك ومشاريعك مع صحابك! أنت كنت بتاخد من فلوس الست دي وتديني وتفشخ ركبتك قدامي؟”
​هاني وشه جاب ألوان.. أحمر في أصفر في أزرق.. ملقاش رد، لسانه اتمسح. السكوت في اللحظة دي كان اعتراف رسمي وصريح بالسـ,ـرقة وقلة الأصل والنصب.

​طلعت من ورا الباب فايل (ملف) جلد أسود كبير، مليان مستندات، فواتير، وتحويلات حسابية ممضية وموثقة: “شوفي يا طنط.. ده مش كلام مشاعر ولا خناقات ستات وحموات في التلفزيون.. دي أرقام وحقايق موثقة من البنك الأهلي وبنك مصر.. وأنا مش هسمح لأي حد، مهما كان، يمد إيده في جيبي أو ياخد مليم واحد مش حقه.. بره!”بقلم منــال عــلي

​ورزعت الباب في وشهم بكل قوتي.. “بمب!”.. وسبتهم بره في الطرقة مع الحقيقة المرة، ومع نظرات ووشوش الجيران اللي كانوا واقفين على السلم مستغربين ومستمتعين بأقوى مسرحية درامية حقيقية حصلت في العمارة من سنين.

​بعد اليوم ده، الدنيا اتغيرت تماماً.. الغمامة انزاحت عن عيني. حاولوا في الأول يبعتوا لي رسايل تهـ,ـديد على الواتساب من أرقام غريبة، وتهـ,ـديدات بمحاكم وقـ,ـضايا “بدد” ونفقة وقصص ملهاش أول من آخر، بس أنا كنت مأمنة نفسي صح.. معايا كل الإثباتات والورق والشيكات المرتجعة اللي تخليني أحط صباعي في عين أجدع حد فيهم وأسجنه كمان لو فكر يلعب معايا. التلاعب النفسي والـ (Gaslighting) اللي كانوا بيمارسوه عليا سنين عشان يحسسوني إني مقصرة وإني “بيئة” ومبفهمش، مبقاش يأثر في شعرة واحدة من راسي.
​فقت لشغلي.. ركزت كل طاقتي ووقتي في الوكالة.

وبعد تلات شهور بس من الطلاق، شركتي قدرت تمضي أكبر عقد تسويقي في تاريخها مع مجموعة مستشفيات ومطاعم خليجية ليها فروع في مصر. ولأول مرة في حياتي، حسيت بطعم الفلوس والنجاح “صافي”.. ليا لوحدي، مفيش حد هينغصه عليا، مفيش حد هيقعد على الجاهز وياخد الشيك عشان يروح يصرفه في الشوبينج والمظاهر الكدابة، ولا حد هياخد منه مليم مش حقه ويقول “أنا السند”.

​وفي يوم، كنت نازلة من مول في التجمع الخامس بعد اجتماع عمل ناجح جداً، وقابلت هاني بالصدفة البحتة عند الكافيهات.
كان باين عليه “الهدمة”.. اللبس مش ميكوي، وشه شاحب، ومطفي، مفيش في جيبه تمن فنجان قهوة محترم يظبط بيه دماغه، والبرستيج الكداب كله طار بعد ما الحنفية اتقفلت.

​بص لي، ووقف في مكانه مش مصدق التغيير اللي حصل لي.. وشي منور، لابسة شيك بجد ومن فلوسي، ورايحة لعربيتي الجديدة الزيرو.

سألني بصوت واطي ومكـ,ـسور: “أنتِ عاملة إيه يا ليلى؟ وحشتيني.. والبيت ملوش طعم من غيرك.”

​رديت عليه بابتسامة حقيقية، ابتسامة طالعة من قلب مرتاح: “أنا أحسن بكتير يا هاني.. أحسن من أي وقت فات في حياتي كلها.. عقبالك.”

وسبته ومشيت وكـ,ـعب جزمتي بيرن في الأرض بثقة.

​بقلم منــال عــلي

​عدت سنة كاملة.. سنة بحالها مرت زي الهوا.

وأنا واقفة في بلكونة شقتي، وسط جيراني في العمارة اللي بقوا هما عيلتي بجد، بيسألوا عليا لو غبت، وبيقفوا معايا في السراء والضراء من غير طمع ولا مصلحة، فهمت الدرس الغالي اللي “إلهام” وابنها وعيلتها عمرهم ما هيفهموه لآخر يوم في عمرهم:

​العيلة مش فرض ولا ديون بنقعد نسدد فيها طول العمر ونمـ,ـوت بالبطيء عشان نرضي ناس مبتشبعش.. العيلة يعني احترام، يعني سند بجد وقت الضيقة مش وقت المحفظة المليانة.
​والاحترام ده مش حاجة بنشتريها بالفلوس ولا بالشنط الماركات من مول العرب.. ده حاجة مفيش ست أصيلة وجدعة تقبل تعيش ثانية واحدة من غيرها.

​تمت وبحمد الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *