تعب جوزي الفاجئ1
تعب جوزي المفاجئ هو اللي خلاني لأول مرة أروح مكان شغله بنفسي عشان أقدّم طلب إجازته.
ماكانش عندي أي فكرة إني داخلة برجلي على أكبر خيانة في حياتي…
أول ما دخلت ريسبشن الشركة، البنت اللي قاعدة ورا المكتب بصّتلي كأني مجنونة.
قالت ببطء:
“هو حضرتك بتهزري؟ الراجل اللي بتسألي عليه ده صاحب الشركة. مديرنا التنفيذي. بييجي ويمشي كل يوم مع مراته… إلا لو… إنتِ مش هي؟”
الكلمات لسه ما خلصتش ترن في وداني…
باب الأسانسير اتفتح ورايا.
وطلع هو.
كريم السيوفي. جوزي.
مش تعبان خالص.. ولا في أي حاجة.
ومش موظف غلبان زي ما كان بيقولّي.
نازل ببدلة فحم مفصلة مخصوص، تمنها ممكن يجيب شقة في مدينة نصر، وحاطط إيده بكل أريحية على دراع واحدة عرفتها فورًا…
يارا منصور — حبيبة ثانويته القديمة.
ابتسامته اختفت أول ما عينه جت في عيني.
٨ سنين كاملة… كنت فاكرة كريم موظف عادي في شركة شحن صغيرة، بيحاول يكافح عشان يثبت نفسه.
كنت بصدّق سهره بره البيت، وحكايات “ضغط الشغل”، و”الشركة بتخسر”، و”المستثمرين انسحبوا”.
صدقته لما قال إن أول مشروع عمله فشل وإن عليه ديون.
صدقته لما سلّمته تحويشة عمري… ٢٠٠ ألف جنيه… عشان “يجرب آخر مرة”.
وأنا واقفة في لوبي رخام دهب، باصة على اسم الشركة المحفور على الحيطة:
السيوفي جروب للاستثمار
فهمت كل حاجة.
مافيش مشروع فشل.
مافيش ديون.
كان فيّ أنا بس…
أنا اللي موّلت الإمبراطورية وهو عايش ملك.
يارا ابتسمت الأول.
قالت بهدوء وهي حاطة إيدها على دراعه:
“الموضوع بسيط. كريم وعدني من زمان إنه هيستنى. كل اللي بناه ده كان لينا إحنا. هو مش مديون لكِ بحاجة.”
#حكايات_رومانى_مكرم
مش مديون ليّ بحاجة؟
ضحكت.
الضحكة ماكنتش شبه صوتي.
كل حاجة جوايا اتكسرت…
بس ملامحي فضلت ثابتة.
بصيت لكريم وقلت بهدوء يخوّف:
“يعني أنا كنت استثمار مؤقت؟”
سكت.
ولأول مرة… هو اللي شكله تايه.
اللي حصل بعد كده…
خلّى الشركة كلها واقفة تتفرج ومش مصدقة 👇💬
خطوة كريم لورا وبدأ يعدل ياقة بدلته، الحركة اللي كان بيعملها دايماً لما بيتوتر ويحس إنه محاصر، بس المرة دي ماكنش في مكتب موظف غلبان، كان في مملكته اللي بناها بفلوسي.
يارا اتدخلت وبنبرة كلها ثقة وبرود قالت:
“بلاش دراما يا مدام، كريم دفع تمن كل قرش خدوا منك، الـ ٢٠٠ ألف بتوعك دول بقوا ملايين دلوقتي، وتقدروا تتفاهموا في المحامي، لكن وجودك هنا بالشكل ده مش هيغير حاجة.”
بصيت لها من فوق لتحت، النقص اللي كنت بحسه زمان قدام حكاياته عنها اتقلب في ثانية لقوة مرعبة. بصيت لكريم اللي كان لسانه اتمسح، وقلتله:
“المحامي؟ هو الباشا مأمن نفسه قانونياً لدرجة إنه مش عارف ينطق؟”
كريم أخيرًا اتكلم، صوته كان واطي، فيه نبرة رجاء بس مخلوطة بخوف على مظهرة قدام الموظفين اللي بدأوا يتلفتوا علينا:
“هدى.. مش هنا.. اركبي معايا العربية ونمشي من هنا وهفهمك كل حاجة، والله ما كنت عايز الأمورتوصل لكده.”
“امال كنت عايزها توصل لإيه؟”
صوتي كان عالي، عالي لدرجة إن البنت بتاعة الريسبشن ثبتت مكانها.
“كنت عايزني أفضل قاعدة في الشقة الإيجار مستنية الموظف الشقيان اللي بيطحن نفسه عشان لقمة العيش، وأنت هنا بتشتري ممتلكات بفلوس البنت اللي وثقت فيك؟”
يارا لوت بوزها وقالت لكريم:
“شايف؟ قولتلك النوعية دي مش هتعرف تتفاهم برقي، اطلب لها الأمن يا كريم وخلينا نطلع عشان ورانا اجتماع.”
الكلمة دي كانت الشرارة. لفيت ليها خطوتين وبقيت في وشها بالظبط، لدرجة إني شميت ريحة برفيوم غالي جداً، يمكن تمنه قد مصاريف بيتي في شهر. قلتلها وعيني في عينها:
“الأمن؟ الأمن ده هيطردني أنا من شركة متباعة باسمي؟”
كريم وشه اتقلب ألوان، ملامحه الخايفة اتحولت لرعب حقيقي. حاول يمسك إيدي وقال بسرعة:
“هدى.. خلاص.. يارا ادخلي على المكتب دلوقتي.. هدى ارجوكِ تعالي معايا.”
يارا استغربت من رد فعله وخوفه المفاجئ، وقالت بحدة:
“ندخل فين يا كريم؟ أنت هتسيبها توقف حال الشغل؟”
ضحكت تاني نفس الضحكة الغريبة اللي طالعة من وسط حطامي، وبصيت لكريم وقولتله:
“أنت مقولتلهاش يا كيمو؟ مقولتلهاش وأنت بتاخد الـ ٢٠٠ ألف جنيه عشان تفتح بيهم السجل التجاري الجديد وتنقذ نفسك من الحبس، إني شرطت عليك نكتب الشراكة بالنص؟ وأن الشيكات اللي سددت بيها ديونك القديمة كلها ممضية مني أنا؟”
كريم بدأ يعرق، والبدلة الفحم اللي لابسها بقت كأنها خناق على رقبته. يارا بصتله بصدمة وقالت:
“شراكة إيه؟ كريم.. أنت قولتلي إن الشركة دي ملكك بالكامل وأنك تخلصت من كل ديونك القديمة!”
التفتت ليارا وابتسمت بكامل ثباتي:
“ملكنا.. بالنص يا حبيبة الثانوي.. يعني اللوبي اللي أنتِ واقفة فيه ده، والرخام الدهب، والبدلة اللي خطيبك لابسها.. أنا ليا فيهم النص. يعني لو الأمن هيطرد حد.. حزري فزري هيطرد مين؟”
كريم اتكلم بنبرة مهزومة تماماً:
“هدى.. أنا مستعد أديكِ كل اللي عايزاه.. بس بلاش نهد كل حاجة في لحظة.. الشغل ده لو اتهز إحنا الاتنين هنخسر.”
قربت منه، لدرجة إني بقيت سامعة ضربات قلبه السريعة، وقلتله بهمس يوجع:
“أنا خسرت خلاص يا كريم.. خسرت ٨ سنين من عمري كنت فاكراك فيهم راجل.. ودلوقتي جه وقت الخسارة بتاعتك أنت.”
لفيت ضهري ومشيت بخطوات ثابتة وسريعة ناحية الباب، وصوت يارا وهو بيزعق وراه وبيقول “كريم! الكلام ده حقيقي؟” كان أول نغمة انتصار أسمعها.
ركبت أول تاكسي قابلني، دموعي مَنزلِتش.. الخيانة كانت أكبر من إن يعالجها عياط. طلعت تليفوني وطلبت رقم واحد بس.. رقم “عصام”، المحامي ابن عمي اللي كريم كان دايماً يكرهني أكلمه أو أقوله على أي تفاصيل في شغلنا.
أول ما عصام رد، قولتله بجفاف:
“عصام.. ورق الشركة والشراكة اللي شلناه عندك من سنتين.. جه وقته. أنا عايز حقي.. تمن ومثل.. وعايزة أخرب بيت كريم السيوفي.”