محدش ف العيلة نرمين همام ٢

– بابا سامح… لكن أنا محتاجة وقت عشان أعرف إذا كنت هقدر أسامح ولا لأ.

في تلك اللحظة، رن هاتف كريم.

كان الطبيب.

رد بسرعة.

جاءه الصوت هادئًا:

– أستاذ كريم… والدتك فاقت… وأول طلب طلبته إنها تشوف منى… لوحدها… وقالت إنها عندها حاجة أخيرة لازم تسلمها ليها بنفسها.

نظر كريم إلى منى، وقال:

– القرار قرارك… تروحي ولا لأ؟

انتهى الجزء السابع.

الجزء الثامن
بصت منى لكريم شوية، وبعدين أخدت نفس طويل وقالت:
– هروح… مش علشان الماضي، لكن علشان مقفلش باب من غير ما أعرف آخره.
وصلت المستشفى، واستأذنت تدخل لوحدها.
كانت أمينة صاحية، وشكلها مرهق، لكن أول ما شافت منى ابتسمت ابتسامة ضعيفة.
قالت وهي بتحاول تقعد:
– اقفلي الباب.
قفلت منى الباب وقعدت على الكرسي جنبها.
طلعت أمينة من تحت المخدة ظرف صغير ومفتاح نحاس قديم.
ناولتهم لها.
– دول أمانة عندك.
فتحت منى الظرف، لقت جواه ورقة مكتوبة بخط أمينة.
“أنا عارفة إن الاعتذار مش هيمحي سنين الوجع، لكن يمكن يمنع وجع جديد.”
رفعت منى عينيها.
– والمفتاح؟
قالت أمينة:
– ده مفتاح الخزنة الصغيرة اللي في البيت… فيها دهبي كله، وشوية فلوس كنت محوشاهم. كنت ناوية أكتبهم لنهى… لكن لا.
سكتت لحظة.
– عايزة يتباعوا.
استغربت منى.
– ويتعمل بيهم إيه؟
ابتسمت أمينة لأول مرة من غير كبرياء.
– يترد لأي واحدة ظلمتها. لو في واحدة اتكسرت بسببي… يبقى ده أقل حقها.
دخل كريم في اللحظة دي بعد ما الدكتور سمح له.
سمع آخر جملة.
وقف مكانه، والدموع نزلت من غير ما يحاول يخبيها.
قالت أمينة وهي باصة له:
– يا كريم… متبقاش نسخة مني.
لو مراتك زعلت يوم… اسألها ليه.
ولو أمك غلطت… قولها إنها غلطانة.
أوعى تسكت تاني.
مسك كريم إيد منى لأول مرة من شهور.
لكن منى سحبت إيدها بهدوء.
وقالت:
– الكلام سهل… اللي صعب إن الثقة ترجع.
هز كريم راسه.
– وأنا مستعد أستنى.
بعد يومين خرجت أمينة من المستشفى.
وأول حاجة عملتها، طلبت تجمع العيلة كلها.
الجزء التاسع
البيت كان مليان.
كل الناس موجودة.
أول ما أمينة دخلت، مفيش حد اتكلم.
قعدت على الكرسي وقالت:
– النهارده الدور عليا أسمع، مش أتكلم.
لفت نظرها لكل الموجودين.
– أي واحدة أنا جرحتها… ليها حق تاخده قدام الكل.
ساد صمت.
وفجأة قامت مرات عم كريم.
– أنا أول واحدة.
وبدأت تحكي قد إيه كانت بترجع بيتها تعيط بعد كل عزومة.
وقامت مرات ابن خالهم.
وبعدين مرات أخوه.
كل واحدة كانت شايلة حكاية.
وأمينة كانت بتسمع في صمت.
ولا مرة بررت.
ولا قالت: “مكنش قصدي.”
وفي آخر الجلسة وقفت.
وقالت قدام الجميع:
– من النهارده… أي حد يغلط في منى يبقى غلط فيا.
بصت لمنى.
– يمكن متسامحينيش… وده حقك.
لكن ادعيلي أموت وربنا راضي عني.
خرجت منى للبلكونة.
وقف كريم جنبها.
قال بهدوء:
– هترجعي البيت؟
ردت بعد تفكير طويل:
– هرجع… لكن مش للحياة القديمة.
لو هنبني من أول وجديد، يبقى بقواعد جديدة.
ابتسم كريم.
– قولي شروطك.
قالت:
– أول شرط… محدش معاه مفتاح بيتنا غير إحنا.
– موافق.
– وثاني شرط… أي إهانة ليا، حتى لو من أقرب الناس، هترد عليها قبل ما أبصلك.
– موافق.
– وثالث شرط… يوم إجازتي… يوم ليا أنا.
ضحك لأول مرة من قلبه.
– موافق.
مد إيده.
المرة دي… منى مسكتها.
لكن وهي عارفة إن الغفران رحلة… مش قرار.
الجزء العاشر (النهاية)
مرت سنة كاملة.
اتغيرت فيها حاجات كتير.
أمينة كانت بتروح تزور الستات اللي ظلمتهم بنفسها، وتعتذر لهم.
مش كلهم سامحوها.
لكن كلهم شافوا إنها بتحاول تصلح اللي أفسدته.
أما كريم…
بقى كل يوم جمعة يدخل المطبخ بنفسه.
يساعد منى.
وأوقات كتير هما الاتنين يقرروا يطلبوا أكل جاهز ويخرجوا يتمشوا، بدل ما يقضوا اليوم كله في الطبخ.
أما الملف الأزرق…
طلعته منى من الدولاب مرة أخيرة.
قعدت تقلب صفحاته.
كل فاتورة…
كل رسالة…
كل دمعة كتبتها.
قفلت الملف.
وبصت لكريم.
قال:
– هتعملي بيه إيه؟
ابتسمت.
– خلاص… مبقاش ليا احتياج بيه.
نزلوا سوا.
وقفوا قدام صندوق التدوير الموجود في الشارع.
ورمت الملف جواه.
مش لأنها نسيت.
لكن لأنها قررت تعيش من غير ما الماضي يحكم كل يوم جديد.
بعدها بشهور، كانت منى واقفة في الصيدلية، لما لقت سارة داخلة عليها.
كبرت وبقت أهدى.
حضنتها وقالت:
– أنا دخلت كلية الصيدلة… عشان أبقى زيك.
ضحكت منى وهي تمسح دمعة نزلت من عينها.
وفي آخر اليوم، رجعت بيتها.
فتحت الباب.
لقيت كريم مجهز السفرة.
وقال وهو بيضحك:
– اتفضلي… النهارده الشيف كريم هو اللي عامل الغدا.
داقت أول لقمة.
ابتسمت وقالت:
– محتاج شوية ملح.
بص لها كريم بقلق.
ثم انفجروا هما الاتنين في الضحك.
لأن أول مرة حد انتقد الأكل…
كانت من غير إهانة.
ومن غير كسر خاطر.
ومن غير خوف.
وأدركت منى وقتها أن البيت الحقيقي ليس البيت الذي لا تحدث فيه الأخطاء، بل البيت الذي يعرف أهله كيف يعتذرون، وكيف يحترمون بعضهم، وكيف يختارون المودة بدلًا من الكرامة الزائفة.
تمت.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *