حكايات زهره الرابيع 1

* أنتِ بتعامليني كده ليه؟! أنا ابنك! ابنك الوحيد! أنتِ بقيتِ قاسية كده إزاي في يوم وليلة؟ عشان راجل غريب؟
أطالت النظر في وجهه، ثم قالت بصوت منخفض ومحمل بأسى عميق:
* لا يا حازم.. مش عشان راجل غريب. أنا بقيت كده عشان اكتشفت إني أنا اللي قسيت عليك لما دعتلك كل حاجة على طبق من فضة. قسيت عليك لما خليتك تتخيل إن تضحية أُمك بعمرها وشبابها دي حق مكتسب ليك، وإنك تقدر تدوس على مشاعرها وكرامتها وتوصف تعبها بإنه “مراهقة متأخرة” لمجرد إنها افتكرتك بقيت راجل وهتفرح لها. أنا مش بقسى عليك..
أنا بعلمك اللي كان المفروض تتعلمه من سبع سنين. بعلمك إن اللي ما يحترمش تضحيات الناس، ما يستاهلش حنيتهم.
تركته واقفاً وذهبت إلى عملها.
مرت الأيام الخمسة الأولى كأنها كابوس بالنسبة لحازم. الفلوس التي كانت في المظروف بدأت تتناقص بسرعة جنونية بين مصاريف الدروس الخصوصية، والوجبات السريعة التي كان يشتريها لأنه لا يعرف كيف يطبخ، وشحن هاتفه. بدأ يدرك لأول مرة في حياته كم تكلف الحياة اليومية من مال وجهد.
كان يعود إلى البيت فيجد كل شيء نظيفاً في مساحة أمه، بينما غرفته أصبحت مزبلة من الملابس المتسخة التي لا يعرف كيف يغسلها بالغسالة الأوتوماتيك.
حاول مرة أن يضع ملابسه مع ملابسها في الغسالة، فوجد ملابسه ملقاة على سر,,ـــــيره كما هي، لم تُغسل.
جلس على سر,,ـــــيره في اليوم السادس، ينظر إلى الملابس الكثيرة المتراكمة، وإلى كشكول الدروس الذي يطالبه الأستاذ بدفع مصاريف الشهر الجديد غداً، وإلى جيبه الذي لم يعد فيه سوى بضع جنيهات لا تكفي حتى لشراء وجبة واحدة.
بدأ الكبرياء الزائف الذي كان يتسلح به يتهاوى قطعة قطعة. تذكر أمه كيف كانت تعود من عملها في أشد درجات التعب، وتدخل المطبخ لتطبخ له ما يحب، ثم تجلس معه لتراجع دروسه، وتغسل ملابسه ليكتسي بأحسن حلة أمام أصدقائه.
تذكر كيف كانت ترفض شراء أي شيء لنفسها لتوفر له ثمن حذاء جديد أو رحلة مع المدرسة.
تذكر كلماته البشعة التي ألقاها في وجهها: “مراهقة متأخرة”، “عجزتِ”، “اعتبري ابنك مات”.
انسكبت أول دمعة حقيقية من عينيه، ليس بسبب الجوع أو العجز، بل بسبب حجم البشاعة التي تصرف بها مع الإنسانة الوحيدة التي أحــ,,ـــــرقت عمرها لأجله.
خرج من غرفته ببطء في وقت متأخر من الليل. كانت الصالة مظلــ,,ـــــمة، ونور خفيف يخرج من زاوية باب غرفة أمه. اقترب من الباب بخطوات مترددة. سمع صوت أنين خافت جداً.. أمه كانت تبكي.