حكايات زهره الرابيع 1

قدامك شهر واحد تدبر فيه مصاريفك بالنص معايا، يا إما تشوف لك مكان تاني تصرف فيه على نفسك وتثبت فيه إنك راجل بجد، بعيد عن أُمك اللي “عجزت”.
خرجت وإغلقت الباب خلفها بهدوء شديد، ترك صدى صفير الرعب في أذنيه.
وقف حازم في وسط الصالة لخمس دقائق كاملة لا يتحرك. كان يعتقد أن أمه تمثل عليه، أو أنها تحاول ضغطه لتجبره على الموافقة على العريس. ذهب إلى المطبخ وهو يمني نفسه بأنه سيجد إفطاره كالمعتاد، لكن المطبخ كان نظيفاً تماماً، خاوياً من أي طبق محضر.

فتح الثلاجة، وجد أكلها الخاص مغلفاً ومكتوباً عليه اسمها، والرف السفلي خاوٍ تماماً إلا من بعض الأساسيات البسيطة التي تركتهما له مع المظروف.
استشاط غضباً، ودخل غرفته وأغلق الباب بقوة.
* ماشي يا أمي.. بتمثلي؟ نشوف مين اللي هينكسر الأول! أنتِ فاكرة إنك كده بتخوفيني؟ أنا مش محتاج حد!
مر اليوم الأول في العناد. قضى حازم يومه في الشارع مع أصدقائه، ينفق من الثلاثة آلاف جنيه التي تركتها له بغزارة، يتصنع أمامهم أنه السائد والآمر في بيته. كان يضحك بصوت عالٍ، ويردد عبارات مثل:

“الأمهات دول بيكبروا الموضوع وخلاص”، لكن قلبه كان ينبض بسرعة كلما تذكر نبرة صوتها الباردة.
عندما عاد في السابعة مساءً، كان يتوقع أن يجدها منتظرة عند الباب والدموع في عينيها لتصالحه. لكنه عندما فتح الباب، وجد الشقة مظلــ,,ـــــمة وهادئة. أمه كانت في غرفتها، الباب مغلق، وصوت تلفازها يعمل بهدوء. لم تخرج لتقول له “تأخرت ليه؟”، لم تسأله إن كان أكل أم لا، ولم تضع له طبق عشاء.
دخل المطبخ، حاول أن يصنع لنفسه أي شيء. اكتشف أنه لا يعرف كيف يشعل البوتجاز بطريقة صحيحة دون أن يحــ,,ـــــرق الأكل، ولا يعرف أين توجد البهارات.

أكل بعض الجبن الخفيف ونام وهو ينشب أظافره في الوسادة من الغيظ.
في الصباح التالي، استيقظ حازم على صوت حركة في الصالة. خرج وهو يفرك عينيه، متوقعاً أن السحر قد زال وأن أمه عادت لرشدها. لكنه وجد شخصاً غريباً في الشقة! كان هناك سباك يقوم بإصلاح حنفية المطبخ التي كانت تسرب المياه منذ أشهر وكانت أمه تترجاه ليحضر لها سباكاً وهو يؤجل ويتحجج بالكسل.
دفعت أمه الحساب للسباك من مالها الخاص، وشكرته بهدوء ثم أغلقت الباب.
نظر إليها حازم بغضب:
* إيه ده؟ جايبة راجل غريب البيت وأنا نايم؟
التفتت إليه وهي تطوي النقود المتبقية:
* المكان ده بيتي، وبصلح اللي بايظ فيه بفلوسي. لو كان فيه راجل يعتمد عليه في البيت ده، كان صلح الحنفية من أربع شهور لما طلبت منه. بس بما إن مفيش، فبقيت بأمر أموري بنفسي.
شعر حازم بصفعة معنوية أقوى من سابقتها. اتجه نحو الثلاجة ليأخذ عصيراً، فقالت له ببرود:
* العصير ده أنا اللي شارياه بفلوسي. المظروف بتاعك فيه فلوسك، انزل السوبرماركت واشتري حاجتك بنفسك.
توقف يده في الهواء، ينظر إليها بعينين متسعتين:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *