حكايات زوزو الاخير

ركبنا عربية البوليس، ومريم كانت قاعدة جنبي. كبلوا إيدينا بالكلابشات الحديدية. البرودة بتاعة المعدن على معصمي فكرتني بمسكة الترزية لمعصمي تحت عمود النور أول ما قابلتها.. نفس المسكة المجهزة للتنبيه.
طول الطريق للنيابة العامة، مريم كانت ساكتة تماماً، بتبص من الشباك بهدوء مريب.
“أنتِ ليه ساكتة كده يا مريم؟” همست لها بصوت وطي عشان العساكر ما يسمعوش. “إحنا داخلين السجن!”
مريم التفتت لي، وعينيها لمعت ببرود يخوف: “سيبيه يفتكر إنه كسب الجولة دي يا ندى. شريف حط العقود باسمك لأن المافيا دي قانونها واضح: اللي اسمه على الورق، هو اللي بيتحمل النتيجة إذا الفلوس ضاعت.. وشريف ما يعرفش إن الفلوس دي أصلها أتحول لحساب مشفر تاني خالص من نص ساعة بس.”
برقت عيني بصدمة: “تحول فين؟ مين اللي حوله؟”
ابتسمت مريم ابتسامة غامضة وقالت بصوت واطي جداً: “أختي ما ماتتش يا ندى.. أختي هي اللي كانت بتدير السيرفر اللي استلم الفلاشة إمبارح بالليل.. واللعبة الحقيقية يلا هتبدأ جوه قاعة النيابة.”
انفتحت أبواب التخشيبة في الصباح على صرير مفصلات حديدية صدئة. خرجتُ وأنا أجرّ خطواتي الثقيلة، الكلبشات المعدنية تُطوق معصمي مجدداً، بينما مريم تمشي إلى جواري بثبات عجيب، وكأنها لا تُساق إلى قاعة النيابة العامة، بل إلى منصة تتويج.
في الممر الطويل المؤدي لإدارة التحقيقات، كان الصحفيون وعدسات الكاميرات يملؤون المكان. البث المباشر الذي أطلقته من شقة شريف وتحرك البوليس السريع حولا القضية إلى رأي عام هزّ العاصمة؛ قصة التجسس العائلي، وشركات الأدوية المغشوشة، والغسيل المالي المُعقد.
دخلنا القاعة الكبيرة. رئيس النيابة كان يجلس خلف مكتب خشبي عريض، وأمامه جبال من الملفات والأوراق الرسمية. وعلى الناحية الأخرى، كان يجلس شريف، يرتدي بدلة داكنة ولكن ملامحه كانت متعبة، وعيونه محاطة بهالات سوداء. إلى جواره جلس ثلاثة من أكبر محامي الشركات في الدولة، يبتسمون بثقة مطلقة.
“المتهمة الأولى: ندى،” بدأ وكيل النيابة حليق الشارب يقرأ من الملف بصوت حاد. “مؤسسة وصاحبة التوقيع الفعلي على أوراق إنشاء شركة ‘فارما-جروب’ للاستيراد، المتهمة بإدخال شحنات أدوية غير مطابقة للمواصفات، وتسهيل عمليات تهريب أموال بالاشتراك مع أطراف خارجية.”