ست ممرضات استقالوا في خمسة أسابيع، وواحدة منهم خرجت من القصر وهي بتعيط بشكل هستيري لدرجة إنها نسيت تاخد معطفها. ولما وصلت أنا، الكل كان متوقع إني أهرب زيهم، لكني كنت محتاجة الفلوس بشكل يخليني أواجه أخطر زعيم مافيا، وقبل ما الأسبوع يخلص، كنت هعمل الحاجة الوحيدة اللي منع كل ممرضة قبلي إنها تعملها. العربية الفارهة كانت ريحتها جلد وسجاير بايتة، وهي بتاخدني بعيد عن القاهرة وسط طريق طويل محاط بالأشجار والظلام. إيدي كانت على هدومي الطبية القديمة، وأنا بفكر في آخر إنذار دفع كان مرمي فوق ترابيزة المطبخ، وفي أخويا الصغير تامر اللي جسمه بقى هزيل جدًا، ونايم على سر,,ـــــير في المستشفى. اللوكيميا بتاعته ما بقتش تستجيب للعلاج العادي. والتجربة العلاجية الجديدة اللي ممكن تنقذ حياته كانت محتاجة مبلغ أكبر من أي فلوس ممكن أكسبها في تلات أعمار. وفجأة، اتصل بيا شخص مجهول وعرض عليَّ عشرة آلاف دولار في الأسبوع، كاش. القواعد كانت بسيطة: أعيش في القصر، ممنوع يكون معايا تليفون، ممنوع أسأل أي أسئلة عن إصابات المريض، وممنوع أهتم بالرجالة المسلحين اللي بيحرسوا المكان. وافقت. راجل اسمه حمدي قابلني بره القصر الحجري. قال وهو بيطلع بيا السلم:"الممرضة اللي كانت قبلك استحملت يومين بس." سألته:"واللي قبلها؟" رد:"استحملت وردية وشوية من التانية." بصيت له باستغراب."ماله؟" وقف حمدي قدام بابين تقال. وقال:"مالك الدمنهوري بيكره إنه يحس إنه عاجز. هيشتمك، هيرفض الدوا، وممكن يرمي حاجات. " وبعدين وطّى صوته وقال:"اعملي شغلك. متحاوليش تصلحيه. ومترديش عليه." سكت لحظة، وبعدها قال: "وأوعي تلمسي الستارة." سألته:"ليه؟" قال:"هو عايز الأوضة ضلمة." عدّلت شنطتي الرخيصة على كتفي وقلت: "طول ما يوم الجمعة لسه معناه عشرة آلاف دولار، يخليه يزعق براحتُه. " فتح حمدي الباب. ريحة الأوضة كانت خليط من اليود والعرق والجرح الملتهب. ومن وسط الضلمة جه صوت خشن لدرجة إنه كان ممكن يخدش الجلد: "قول لها تمشي. " بص حمدي ليَّ مرة واحدة، وبعدها قفل الباب ورا نفسه. ولعت النور. وفجأة إزازة طارت وانفجرت في الحيطة جنب راسي. مالك الدمنهوري كان نايم على السر,,ـــــير الضخم، وشه شاحب ومليان كدمات، ورجله اليمين محبوسة في جهاز تثبيت خارجي، بمسامير معدنية داخلة في العضم. والضمادات التقيلة حوالين بطنه كانت بدأت تتشرب دم. قال بعصبية: "اطفي النور." قلت: "لأ." عيونه الزرقا الباردة ضاقت وهو بيبص لي. "أنا محتاجة أكشف على الجرح." "اخرجي." غسلت إيدي بدل ما أرد عليه. وقلت: "من الريحة واضح إن عندك عدوى بدأت تتطور. فلو المــ,,ـــــوت بطريقة درامية مش جزء من جدولك، أنا هغير الضمادة دي." لما شلت الشاش، الجلد تحته كان أحمر وملتهب، وبدأت أجزاء منه تتعفن. فجأة مالك مسك إيدي من معصمي."متلمسينيش." قلت له: "إنت كده بتقطع الدورة الدموية. " ضغط على إيدي أكتر."قلت متلمسينيش." بصيت في عينيه وقلت: "لو سبت النسيج ده من غير علاج، البكتيريا هتدخل مجرى الدم وإنت هتمــ,,ـــــوت." قربت منه أكتر وقلت: "وأنا محتاجاك تفضل عايش لحد يوم الجمعة." حاجة اتغيرت في ملامحه. وببطء، ساب إيدي. نضفت الجرح، وبدأت له المضادات الحيوية، وفحصت كل مسمار في رجله، وبعدها قعدت في ركن الأوضة ومعايا رواية قديمة. " حاجة اتغيرت في ملامحه. وببطء، ساب إيدي. نضفت الجرح، وبدأت له المضادات الحيوية، وفحصت كل مسمار في رجله، وبعدها قعدت في ركن الأوضة ومعايا رواية قديمة. قال: "اطفي النور." رديت: "لما أخلص الفصل." ولأول مرة من خمس أسابيع، مفيش حد هرب من أوضة مالك الدمنهوري. في اليوم الرابع، بطل يرمي حاجات. وبدل كده، بدأ يعاقبني بالصمت. سألته وأنا ماسكة حقنة المورفين: "الألم من عشرة كام؟ " ولا كلمة. بصيت له وقلت: "براحتك. خليك عنيد وإنت بتتوجع." فكه اتحرك من الغضب، لكنه فضل ساكت. بعد الضهر، لاحظت حاجة ما كنتش واخدة بالي منها قبل كده. كل مرة شعاع شمس صغير كان بيتسلل من الفتحة الضيقة بين الستائر، مالك كان بيلف وشه ناحية الضوء. مش بعيد عنه. لأ...ناحيته. بصيت على الستائر المقفولة بإحكام. وبعدين بصيت له. قال بصوت هادي: "متعمليش كده." كانت أول كلمة يقولها لي من ساعات. إيدي قفلت على حبل الستارة. ..وبرغم تحذيره، مدّيت إيدي ناحيته.::#حكايات_شروق_خالدشدّيت حبل الستارة ببطء. مالك انتفض في السر,,ـــــير، وصوته لأول مرة طلع فيه خوف حقيقي: "قولتلك متعمليش كده! " وقفت إيدي مكانها. بصيت له باستغراب."إنت خايف من الشمس؟" سكت. وبعدين قال بصوت واطي: "أنا مش خايف من الشمس." "أمال خايف من إيه؟" لف وشه بعيد عني."افتحي الستارة وهتعرفي." كلامه خلاني أتردد. لكن فضولي كان أقوى. سحبت الحبل. الستارة اتحركت. وشعاع الشمس دخل الأوضة. في اللحظة دي، شفت وش مالك بوضوح لأول مرة. لكن مش ده اللي صدمني. اللي صدمني كان الحائط اللي ورا السر,,ـــــير. كان مليان صور. صور لرجالة وناس كتير. وبعض الصور كان عليها علامات حمراء. قربت خطوة."مين دول؟" مالك قال بعصبية: "اقفليها!" لكن عيني كانت وقعت على صورة لطفل صغير. طفل عنده حوالي عشر سنين. وكان شبه مالك بشكل يخض. بصيت للصورة وبعدين له."ده ابنك؟" وشه اتغير فجأة."أخويا." سكت لحظة، وبعدين قال: "أخويا الصغير." بصيت للصورة تاني."فينه؟" مالك ما ردش. قربت منه."مالك..." صرخ: "قولتلك متسأليش!" اتخضيت من صوته، لكني ما اتحركتش. لأول مرة فهمت إن الموضوع مش مجرد عصبية. في سر. وسر كبير جدًا. قفلت الستارة، لكن قبل ما أقفلها بالكامل لمحت حاجة غريبة. كان فيه كاميرا صغيرة فوق الباب. بصيت لها. وبعدين بصيت لمالك."هو في حد بيراقبنا؟" وشه بقى جامد."متبصيش للكamera." "ليه؟" "لأن اللي بيراقبنا مش عايزك تعرفي إنه موجود." قلبي دق بسرعة."يعني إيه؟" مالك سكت. وبعدين قال: "إنتي لازم تمشي من هنا." ضحكت بسخرية."دلوقتي؟ بعد ما استحملت أربعة أيام؟ " "آه." "والعشرة آلاف؟" "هتاخديهم." "وتامر؟" أول ما قلت اسم أخويا، مالك بص لي."أخوكي تعبان؟" هزيت راسي."عنده لوكيميا." لأول مرة ملامحه لانت."وعشان كده قبلتي الشغل ده." ما كانتش سؤال. كانت حقيقة. قلت: "أيوه." سكت شوية. وبعدين قال: "كان عندي أخ شبه حالته." اتجمدت مكاني."إنت قلت إنه أخوك الصغير." "كان. " الكلمة وقعت عليا تقيلة."مات؟" مالك بص ناحية الستارة."اختفى." "من إمتى؟" "من سبع سنين." "ومحدش عرف مكانه؟" هز راسه."كل اللي أعرفه إن آخر مرة شوفته فيها كانت في الأوضة دي." بصيت حواليا."يعني إيه؟" مالك ما ردش. فجأة سمعنا صوت خطوات بره الباب. مالك مسك إيدي بسرعة."اطفي النور." همست: "مين؟" "اعملي اللي بقولك عليه." طفيت النور. الخطوات وقفت قدام الباب. " وبص ناحية الباب."المشكلة إنهم عرفوا إنك اكتشفتي السر." في اللحظة دي، النور قطع. وباب الأوضة اتفتح ببطء...ودخل شخص لابس أسود. لكن قبل ما مالك يرفع السلاح، الشخص قال جملة واحدة خلت الدم يتجمد في عروقي: "وحشتني يا أخويا."#حكايات_شروق_خالدمالك فضل مصوب المسدس ناحية الشخص اللي واقف قدام الباب. إيده كانت ثابتة، لكن عينيه كانت بتقول عكس كده. قال بصوت مخنوق: "مستحيل..." الراجل خرج خطوة من الضلمة. كان طويل، لابس جاكت أسود، ووشه متغطي نصه. مالك قرب المسدس أكتر. "إنت مين؟ " ضحك الراجل ضحكة قصيرة."بجد مش عارفني؟" رفع إيده وشال الغطا عن وشه. أنا شهقت من الصدمة. مالك نفسه اتجمد. نفس العينين. نفس شكل الأنف. نفس الملامح تقريبًا. الراجل قال: "أنا يوسف." مالك نزل المسدس ببطء."يوسف..." صوته اتكسر."إنت عايش؟" يوسف ابتسم بسخرية."أهو لسه عايش." قرب مالك منه."سبع سنين... سبع سنين وأنا بدور عليك!" يوسف بص له ببرود."كنت بتدور عليا؟ " "كنت فاكر إنهم .وك. " "كان المفروض يحصل." بصيت بينهم ومش فاهمة حاجة. قلت: "حد يفهمني إيه اللي بيحصل؟" يوسف بص لي."إنتي الممرضة الجديدة؟" مالك وقف قدامي فورًا."ملكيش دعوة بيها." يوسف ابتسم."واضح إنها بقت مهمة عندك." مالك ما ردش. يوسف بص على رجله المصابة."لسه فاكر اللي حصل؟" مالك شد فكه."فاكر كل حاجة." "يبقى فاكر مين اللي سلّمنا." سكت مالك. أنا بصيت له."مين؟" يوسف قال: "أبونا." اتصدمت."أبوكم؟" مالك لف له بسرعة."متقولش اسم الراجل ده هنا. " يوسف رد: "هو اللي بدأ كل حاجة." وقبل ما أكمل كلامي، سمعنا صوت عربية بتقف قدام القصر. يوسف بص ناحية الشباك."وصلوا." مالك سأله: "مين؟" "الناس اللي جايين يخلصوا على الموضوع." مالك رفع مسدسه."كام واحد؟" "كتير." وبعدين بص لي."وهي لازم تخرج من هنا حالًا." قلت بعناد: "أنا مش هسيبك." مالك بص لي بغضب."دي مش بطولة." "وأنا مش بعمل بطولة." قربت منه."إنت مريض، رجلك مصابة، وعندك عدوى، ومفيش حد يعرف يعالجك غيري. " يوسف ضحك."عندها حق." مالك بص له بحدة. يوسف كمل: "وبعدين هي الوحيدة اللي قدرت تخليك تاخد الدوا. " مالك سكت. وفجأة صوت رصاص دوّى في الدور الأرضي. اتخضيت. مالك مسك إيدي."ورايا." قلت: "إنت هتعمل إيه؟" "هخرجك من القصر." "وأنت؟" "أنا أعرف أتصرف." "وأنا مش هسيبك." بص لي للحظات. وبعدين قال بهدوء: "إنتي مش فاهمة إن وجودك هنا ممكن يضيع حياتك. " رديت: "وأنت مش فاهم إن لو سبتك، ممكن تمــ,,ـــــوت." يوسف بص لنا الاتنين، وقال: "واضح إن عندنا مشكلة أكبر. " بصينا له. أخرج موبايل صغير من جيبه. وقال: "أنا عرفت مين اللي أمر ب. نا." مالك قرب منه."مين؟" يوسف شغل تسجيل صوتي. صوت راجل طلع من السماعة. صوت واضح جدًا. وصوت أعرفه. اتجمدت في مكاني. بصيت لمالك."ده..." مالك همس: "حمدي." يوسف هز راسه."مش حمدي." وسكت لحظة."اللي فوقه." فجأة سمعنا صوت حمدي من بره الأوضة: "مالك باشا!" مالك رفع المسدس. حمدي كمل: "افتح الباب. " وبعدين قال جملة خلت يوسف ومالك يبصوا لبعض: "الوقت خلص." انفتح الباب بعنــ,,ـــــف. لكن قبل ما حد يدخل، مالك ضغط على زر مخفي جنب السر,,ـــــير. جزء من الحائط اتحرك. وظهر ممر سري. بص لي وقال: "ادخلي." هزيت راسي."مش من غيرك." قال بحزم: "المرة دي لازم تسمعي كلامي." لكن قبل ما أدخل، لمح عينيه للحظة. كان فيه خوف. مش على نفسه. عليا أنا. وفي اللحظة اللي حطيت فيها رجلي جوه الممر السري...سمعت طلقة. وبعدين صوت مالك وهو بيصرخ: "اجري!"#حكايات_شروق_خالد