بينما كان اماني سيد

أدارت وجهها ببطء نحوه، وواجهت عينيه بنظرة جامدة خالية من أي تعبير، فاستطرد بنبرة أثقلها التعب والاعتراف:ـ أنا عارف إن طريقتي امبارح كانت ناشفة وغلط…. كنت مضغوط وأعصابي تعبانة، … جت فيكي إنتي. سكت فجأة، ووقف الكلام في حلقه، معلقاً بين نظراتها الثاقبة وصمته الذي بات يحمل أكثر بكثير مما تحتمله الحروف.

ظل لعنة الصمت تحاصره لثانية أخرى؛ فهو لم يكن يدري حقاً كيف يتصرف أو ماذا يقول بعد أن أفرغت أمامه كل هذا العناد. عجزت الكلمات عن إسعافه، فانساق وراء ما يمليه عليه قلبه لا عقله.

مدّ يده بهدوء وبأصابع دافئة، وأمسك بذقنها برفق شديد، ليجبر وجهها على الالتفات ومواجهة وجهه مباشرة، مانعاً إياها من الهروب بنظراتها نحوه النافذة. تلاقت أعينهما في مساحة ضيقة تعج بالكهرباء والتوتر الخفي، وبنبرة هامسة وخالية تماماً من الكبرياء، قال بصوت يقطر أسفاً صادقاً:ـ ما تزعليش يا مهرة.

.. حقيقي أنا مش عارف أنا قلتلك كده إزاى. اللى حصل مش غلطك بقيت عيناه معلقتين في عينيها لبرهة طويلة، وكأنه كان يغرق في تفاصيل وجهها الحزين والمكابر، غير قادر على سحب نظراته أو إضافة حرف آخر.

وفجأة، وكأنما أدرك خطورة هذا القرب المفرط وسلطان تلك اللحظة التي سحبت البساط من تحت هيبته وصمامه، نهض بخطوات سريعة ومباغتة، وتركها في مكانها وغادر الغرفة بصمت مطبق، دون أن يلفظ بكلمة إضافية. ظلت مهرة جالسة مكانها في كرسيها المتحرك، محدقة في الفراغ حيث كان يركع قبل ثوانٍ معدودة.

كانت عيناها متسعتين بذهول حقيقي، وأنفاسها مضطربة، لا تستوعب ما كان يحدث من لحظات ؛ أكان هذا اعترافاً حقيقياً خرج من قلب صفوان الصلب، أم أن عقلها المنهك هو من نسج هذا الخيال الساحر؟جلست عاجزة عن الحركة أو الكلام، تشعر بوهج أصابعه الدافئة لا يزال عالقاً على ذقنها، وبصدى صوته يتردد في أرجاء الغرفة، وهي تتساءل بقلب يرتجف: أكان صفوان هنا حقاً، أم أنه لم يأتِ أبداً وتسلل الحلم إلى يقظتها؟

!لم تفق مهرة من حيرتها إلا حين هبت نسمة هواء خفيفة من النافذة المفتوحة قليلاً، فحملت معها طيفاً عاطراً مألوفاً ومميزاً؛ إنه عطر صفوان الخاص، ذلك المزيج الرجولي الهادئ الذي يعشــ,,ـــــقه قلبها والذي يسبقه دائماً ويترك بصمته في كل مكان يحل فيه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *