بينما كان اماني سيد
تساءل في نفسه بصدق: لماذا قسا عليها هكذا؟هى لم تطلب منه أن يحملها او يساعدها . ولم تتخطى حدودها معه يوماً إذا لما لم يستطع التحكم فى حديثه معها أدرك تدريجياً أنه كان متسلطاً وحاداً أكثر من اللازم.
مهرة لم تكن سوى فتاة تمر بظروف صعبة بعد إصابتها، ولم ترتكب أي خطأ يستحق تلك المعاملة الجافة والصادمة. شعر بوخزة خفيفة من تأنيب الضمير وهو يعترف لنفسه بأنها لا ذنب لها أبداً في حالة التشتت واللخبطة العاطفية التي يعاني منها، وأن إلقاء غضبه وحيرته عليها كان ظلــ,,ـــــماً بيناً لم يعتده من نفسه.
أغمض عينيه واستند برأسه إلى خلف كرسيه، عازماً على تصحيح هذا الجفاء بطريقته الخاصة، ومحاولة إعادة الأمور إلى نصابها المهني والهادئ دون أن يفرط في إظهار ما يدور في أعماقه حقاً. بعد أن استقر في عقله شعور بأنه تمادى معها أكثر من اللازم، قرر صفوان أن ينهي هذا الجفاف ويطمئن عليها كابن عم ومسؤول عنها.
تحرك بخطوات هادئة نحو الطابق العلوي، ووقف أمام باب غرفتها، فطرق الباب بخفة قبل أن يفتحه ويدخل ببطء. رأى مهرة جالسة بكرسيها المتحرك قرب النافذة، شارداً عقلها فيما يبدو بعيداً. اقترب منها بخطوات متزنة وبنبرة هادئة وخالية من أي قسوة، قال:ـ سلامتك يا مهرة…
حبيت أطلع أطمن على رجلك عامله ايه انهارده وأشوف لو محتاجة أي حاجة تنقصك. لم تتحرك مهرة من مكانها، ولم تلتفت إليه من الأساس؛ بل ظلت عيناها معلقتين بالحديقة خارج النافذة، وردت بصوت بارد، مقتضب، وخالٍ تماماً من أي شغف أو اهتمام:ـ الله يسلمك يا بشمهندس..
شكراً لسؤالك، أنا الحمد لله كويسة ومفيش أي حاجة نقصاني. ظل واقفاً مكانَه لفترة أطول مما توقع، يطالع جانب وجهها المعاند وجمودها الواضح الذي قابلته به. شعر بثقل غريب يضغط على صدـ,,ـــره؛ فهو لم يعتد يوماً على الاعتذار أو تبرير أفعاله لأحد، لكن برودها وتجاهلها التام كانا يغرسان في نفسه شعوراً مزعجاً بالذنب لم يستطع تحمله.
تنفس بصمت، ثم أزاح كل حواجز الكبرياء جانباً، وانحنى ببطء أمامها حتى صار بمستوى عينيها، وجلس على ركبتيه على الأرض أمام كرسيها المتحرك. مد يده بحذر نحو كفها المستقرة على ذراع الكرسي، وبنبرة خفيضة ومتقطعة حملت صدقاً نادراً، قال بصوت هامس:ـ مهرة… بصيلي.
