انا عمري ما شوفت عيلة فقيرة وايحه بالشكل ده 2
الأستاذ سامح فتح ملف أزرق، وطلع منه ورقة وحطها قدام القاضية: “وده يا فندم مستند أخطر.” القاضية بصت في الورقة، ورفعت عينيها: “المستند ده مقدم من إمتى؟ وإيه مضمونه؟” سامح رمى القنبلة في القاعة: “من حوالي تمانية وعشرين سنة يا فندم.. وهو إعلان رسمي بوفاة السيد عبد الله قانونياً خارج البلاد. استخرجه المدعى عليه عشان يستولى على كامل الحصص.”
همهمة زلزلت القاعة. شويكار شهقت بصوت عالي وبصت لجوزها برعب. حسام رفع راسه لأول مرة، ملامحه كانت بتنطق بالصدمة، صرخ في أبوه من غير ما يحس: “إنت أعلنت وفاة شريكك؟ عملت كده إزاي؟!” أبوه لف له وزعق فيه بجنون: “اخرس! إنت حتة عيل متعرفش حاجة عن إزاي الكيانات دي بتتبني!” حسام رجع لورا مذهول، والقاضية خبطت بالمطرقة بعنف: “هدوء في القاعة! أي تجاوز أو إخلال بالنظام هأمر بحبس المتسبب فوراً وإعتباره إهانة للمحكمة.” القاعة سكتت كأن على روسهم الطير، والقاضية شاورت لسامح: “كمل.”
الساعتين اللي بعدهم عدوا كأنهم دهر. فريق المراجعين بتوعنا فتحوا الدفاتر القديمة وقدموا مستند ورا مستند. تحويلات مشبوهة، شركات وهمية، ملكية اختراعات متزورة، وعقود استحواذ. كل خيط كان في النهاية بيتربط باسم أبويا. تلاتين سنة من التلاعب المالي والنصب المقنن اتعرت قدام المحكمة ورقة ورقة. حتى الفيلات والقصور اللي عيلة الدمنهوري كانت بتتنطط بيها علينا وبتذلنا بيها، طلعت مبنية من دم وشقا راجل عاش عمره في ورشة. وفي النهاية، لما المحاسبين قدموا التقرير المبدئي بإجمالي الأصول المنهوبة والتعويضات والفوائد القانونية، الرقم خلى القاعة كلها تكتم أنفاسها. أكتر من أربعة مليار جنيه.
محامي عيلة الدمنهوري الكبير، اللي كان داخل القاعة نافش ريشه، مال ناحية والد حسام وبدأ يهمس له بسرعة وتوتر. ملامحه كانت بتنطق بالهزيمة المطلقة، الورق ضده بالكامل ومفيش أي مخرج. وقف المحامي ببطء، كتافه كانت متهدلة، صوته كان مهزوز ومتردد وهو بيقول: “سيادة المستشار…” سكت لحظة.. وبص ناحية موكله، كأنه لأول مرة في تاريخه المهني.. مش لاقي كدبة تنجد العميل بتاعه ولا مبرر ينقذه من السجن.
“سيادة المستشار…” المحامي اتلجلج وهو بيقوم من مكانه، صوته كان طالع بالعافية، “موكلي بيطلب تأجيل الجلسة لمدة ربع ساعة بس.. عشان نقدر نتناقش في شروط تسوية فورية ترضي جميع الأطراف بعيد عن ساحة المحكمة.”