انا عمري ما شوفت عيلة فقيرة وايحه بالشكل ده 2

أبويا بص لإيديه الخشنة من الشغل، وابتسم ابتسامة صافية وقال: “الدنيا دي غريبة أوي يا بنتي.” ضحكت وسألته: “غريبة إزاي يا بابا؟” قال: “قضيت عمري كله أصلح مواتير في ورشة.. وفجأة، بين يوم وليلة، ألاقي نفسي رئيس مجلس إدارة نص إمبراطورية في السوق.” ميلت راسي على كتفه وقولتله بحنية: “إنت مابقتش صاحبها فجأة يا بابا.. إنت بس رجعت أخدت حقك اللي كان بتاعك من يوم ما بدأته.”

أمي ابتسمت، وطبطبت على شعري وقالت: “طب وإنتي يا ياسمين؟ ناوية على إيه الأيام الجاية؟” سكتت شوية، فأمي حبت تفك الجو وقالت بضحكة خفيفة: “على فكرة، الأستاذ سامح كلمني.. شويكار هانم كلمته النهارده بتعيط وتترجاه يصرفلها أي مبلغ شهري تعيش منه عشان حساباتها كلها اتجمدت.”

ضحكت بصوت عالي: “بجد؟” أمي سألت: “هتعملي إيه؟” بصيتلهم هما الاتنين، وقلت بهدوء: “هوافق.” أمي برقت: “هتوافقي؟” ابتسمت وقولت: “آه.. هعملها راتب شهري يعيشها عيشة كريمة. بس بشرط واحد.” “شرط إيه؟” بصيت قدامي وقولت بحسم: “تعتذرلكم.. اعتذار علني، ومكتوب، قدام كل الناس اللي أهانتكم قدامهم يوم الفرح، وتنشر ده في الجرايد.”

ولأول مرة من يوم الفرح المشئوم، حسيت إن صدري خف، كأن جبل انزاح من عليه. بس اللي ماكنتش أعرفه وقتها في الليلة الهادية دي… إن اعتذار شويكار ماكانش نهاية المطاف، ولا آخر مفاجأة في القصة. لأن تاني يوم الصبح.. شخص جديد هيظهر. شخص أنا كنت فاكرة إن حكايتي معاه ماتت واندفنت من سنين..

في صباح اليوم التالي، البلد كلها صحيت على زلزال. اعتذار شويكار هانم، بخط إيدها وتوقيعها، كان واخد مساحة في الصفحة الأولى من أكبر الجرايد والمواقع الإخبارية. اعتذار صريح مافيهوش أي تلاعب بالكلام؛ اعترفت فيه إنها اعتدت على أبويا وأمي ليلة فرحي من غير أي مبرر، والأهم.. إنها اعترفت بحق أبويا الحقيقي في المجموعة، وبإن السنين اللي عاشوها في العز والرفاهية كانت مبنية على حقوق مش بتاعتهم. الفضيحة كانت مجلجلة. لكن بالنسبة لي، دي ماكانتش أهم حاجة. الأهم إن الحق رجع لأصحابه والكدبة انتهت.

بعد ما اتسحبت الفيلات والعربيات، وكل العز اللي كانوا بيتعالوا بيه على الناس، شويكار وحسام اتنقلوا لشقة إيجار بسيطة في حي هادي ومستخبي، بعيد عن مجتمعهم المخملي القديم اللي اتبرأ منهم أول ما فلسوا. ولأول مرة في حياته، حسام اضطر ينزل يشتغل المرمطة. اشتغل مندوب مبيعات مبتدئ في معرض سيارات. بقى يصحى الصبح بدري، يتشعبط في المواصلات، يقف على رجله بالساعات يقنع العملاء، ويرجع آخر اليوم مهدود. الشغلانة اللي كان زمان بيعتبرها “شغل ناس أقل منه”، الدنيا أجبرته يعيشها ويشوفها على حقيقتها. بعد تلات شهور من الكسرة دي، بعتلي رسالة طويلة على الموبايل. كان بيعتذر فيها عن جبنه.. اعترف إنه سكت كتير، وإنه خسرني عشان كان خايف من أمه ومتربي على إنه يفضل في ضل عيلته. ختم كلامه بإن خسارتي كانت أكبر فشل في حياته. قريت الرسالة مرة واحدة بتركيز.. وبعدين قفلت الشاشة وحطيت الموبايل في الدرج. ماردتش. لأن في سكك، مهما حاولنا نرجع نرصفها، ما ينفعش نمشي فيها تاني.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *