حملت وانا عندي 61سنة

استكملوا تقييم الكتلة الموجودة في الكُلية، وبعدها وضعوا خطة العلاج المناسبة لحالتي.
كانت فترة صعبة، لكن مع الوقت، وبعد استكمال الفحوصات والعلاج اللي حدده الفريق الطبي، بدأت النتائج تتحسن.
وفي أحد مواعيد المتابعة بعد شهور، دخلت على الطبيب وأنا شايلة ليام في حضڼي.
راجع التقارير، وبص على النتائج، وبعدها ابتسم وقال
النتائج مطمئنة جدًا، وإحنا شايفين تحسن كويس بعد العلاج.
حسيت إن حملًا كبيرًا اتشال من على صدري.
سألته
يعني أنا بقيت بخير؟
قال
النتائج الحالية مبشرة، لكن لازم تكملي المتابعة الدورية عشان نفضل مطمئنين.
هزيت راسي، وشكرته من قلبي.
وأنا خارجة من المستشفى، فضلت أفكر في كل اللي حصل.
لو ما كنتش بدأت رحلة الحمل، هل كنت هكتشف الكتلة في الوقت ده؟
ما كانش عندي إجابة مؤكدة.
وحتى الطبيب ما قدرش يجزم إذا كانت هتتكتشف في وقت تاني، أو إيه اللي كان ممكن يحصل لو ما ظهرتش في الفحص.
لكن الحقيقة اللي ما حدش يقدر ينكرها، إن الفحص كشف حاجة مهمة، وخلانا نتحرك ونتعامل معاها بدل ما تفضل مجهولة.
وفي الليلة دي، رجعت البيت، ودخلت أوضة ليام.
كان نايم في سريره الصغير، ووشه هادي، وإيده مقفولة حوالين طرف البطانية.
وقفت أتأمله فترة طويلة.
توماس دخل ووقف جنبي.
قال
عارفة إيه أغرب حاجة في كل اللي حصل؟
بصيت له وسألته
إيه؟
قال
إنك من يوم ما ليام اتولد، ما حكيتيليش عن الأحلام تاني.
سكت شوية.
وبعدين أدركت إنه عنده حق.
من يوم الولادة، ما حلمتش بالممر الضلمة، ولا سمعت صوت إيميلي بيناديني.
فضلت أفكر في الموضوع، لكني ما وصلتْش لإجابة مؤكدة.
هل كانت
الأحلام مجرد انعكاس لحزني وخۏفي ورغبتي في الأمومة؟ هل عقلي كان بيحاول يساعدني أتجاوز الفقد وأتطلع للمستقبل؟
ما كنتش أعرف.
لكنّي كنت عارفة إن معنى الحلم اتغير جوايا.
في الأول، كنت فاكرة إن إيميلي بتطلب مني ألاقي طفلًا ضايعًا في مكان مجهول.
وبعد ما حملت، افتكرت إن المقصود هو ليام وحده.
لكن بعد كل اللي حصل، بقيت أشوف الموضوع بطريقة مختلفة.
يمكن الحلم كان تعبيرًا عن رغبتي في بداية جديدة، وعن احتياجي ألاقي طريق أرجع بيه للحياة بعد سنوات من الحزن.
والأهم، إن رحلة الحمل نفسها خلتني أكتشف مشكلة صحية ما كنتش أعرف عنها حاجة.
مش معنى ده إن الحمل كان علاجًا، ولا إن كل حاجة حصلت كانت مكتوبة لسبب نقدر نفهمه، لكن اللي حصل غيّر حياتي بطريقة ما كنتش أتخيلها.
مديت إيدي جوه السرير، ولمست كف ليام الصغير.
فتح صوابعه، ومسك صباعي بقوة.
ابتسمت، ودموعي نزلت بهدوء.
همست له
إنت مش جاي تاخد مكان حد يا حبيبي. إنت جيت عشان تبدأ حكايتك إنت، وأنا هفضل أحكيلك عن أختك اللي كانت بتحب الضحك، وبتحب الحياة، وكانت هتفرح بيك جدًا.
في اللحظة دي، ما حسيتش إن الحزن اختفى.
ولا حسيت إن وجود ليام عوّضني عن إيميلي.
لكن لأول مرة من أربع سنين، قدرت أفتكر بنتي من غير ما أحس إن الذكرى هتكسرني.
افتكرت ضحكتها، وصوتها، وطريقتها وهي بتناديني.
وحسيت إن الحب اللي جوايا ليها لسه موجود، وإنه يقدر يعيش جنبي وأنا بحب ابني كمان.
يمكن دي كانت أهم حاجة اتعلمتها من الرحلة كلها.
إن الحياة مش دايمًا بترجع لنا اللي فقدناه، ومش كل سؤال بنلاقي له إجابة.
لكن أحيانًا، وسط الخۏف والحزن، بتظهر لنا فرصة نبدأ من جديد، ونكتشف حاجات ما كناش واخدين بالنا منها.
أنا النهارده عندي واحد وستين سنة، وأم لطفل صغير اسمه ليام، ولسه بكمل متابعتي الطبية، ولسه كل يوم بتعلم إزاي أعيش من غير ما أخاف من بكرة طول الوقت.
وبقيت كل ليلة، قبل ما أنام، أبص على صورة إيميلي، وبعدها أبوس رأس ليام وهو نايم.
وأقول لنفسي إن بنتي الأولى هتفضل جزء من قلبي طول العمر، وإن ابني الصغير له مكانه الخاص اللي محدش يقدر ياخده.
لأن أحيانًا، أكبر معجزة مش إننا نرجع للحياة اللي كنا عايشينها قبل الفقد لكن إننا نقدر نلاقي في قلبنا مساحة نعيش من جديد، من غير ما ننسى الناس اللي حبيناهم.
وده اللي حصل معايا.
بعد أربع سنين من الحزن، وخوف طويل على حياتي وحياة ابني، اكتشفت إن لسه قدامي أيام أقدر أعيشها، وذكريات جديدة أقدر أصنعها، وطفل صغير محتاجني أكون موجودة عشانه.
وأكتر حاجة بقيت مؤمنة بيها، إن الحب مش بيختفي لما نفقد حد، وإن بداية جديدة مش معناها إننا نسينا الماضي.
إيميلي هتفضل بنتي اللي فقدتها، وليام هيفضل ابني اللي استنيته وأنا هفضل أم الاتنين، مهما اختلفت الحكاية.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *